الأطفال الضحايا الصامتون في ظل عجز القانون والثقافة عن حمايتهم في إيران
الأطفال الذين ينبغي أن يلعبوا في أمان، يتحولون اليوم في إيران إلى ضحايا العنف والفقر والعمل القسري والزواج المبكر؛ أطفال يتعرض كثير منهم للأذى داخل منازلهم، وفي الشوارع، وحتى في ظل قوانين تُفترض أن تحميهم.
مركز الأخبار ـ الرابع من حزيران/يونيو، تم اعتماده من قبل الأمم المتحدة كيوم عالمي للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان، وهو يوم يُذكّر بالعشرات من الأطفال الذين يقعون ضحايا للعنف والتمييز في المنزل، والمدرسة، والشارع، وحتى داخل البُنى الاجتماعية والقانونية. ولا يقتصر هذا اليوم على ضحايا الحروب فحسب، بل يشمل جميع الأطفال الذين حُرموا من الأمن والحماية وحقهم في حياة كريمة.
في إيران، ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ازدادت التقارير المتعلقة بإساءة معاملة الأطفال، والعنف الأسري، والاستغلال الجنسي، وعمالة الأطفال، وزواج القاصرات. ويرى العديد من نشطاء حقوق الطفل أن هذه الانتهاكات ليست مجرد حوادث متفرقة، بل نتيجة تداخل عوامل متعددة تشمل الفقر، وسوء السياسات، والقوانين التمييزية، وغياب الدعم الاجتماعي، إضافة إلى التطبيع الثقافي للعنف ضد الأطفال.
وفي الأيام الأخيرة، أعاد انتشار صور ومقاطع فيديو تُظهر تعرض طفلين في مدينة سنه للعنف والاعتداء، تسليط الضوء على واقع مؤلم. ورغم أن تفاصيل القضية لم تتضح بالكامل بعد، فإن ردود الفعل الواسعة على شبكات التواصل الافتراضي أظهرت حجم القلق الشعبي تجاه انعدام الأمان الذي يعيشه الأطفال وتكرار العنف بحقهم. كما شدد كثير من المستخدمين على أن هذه القضية ليست سوى مثال واحد تم تداوله إعلامياً، بينما تبقى حالات كثيرة مشابهة غير مرئية ولا يتم التحقيق فيها.
زواج القاصرات... عنف ما زال قانونياً
يعد زواج القاصرات أحد أخطر أشكال العنف البنيوي ضد الأطفال في إيران؛ فهو ظاهرة ما تزال ممكنة ضمن الإطار القانوني القائم. فوفقاً لقوانين الجمهورية الإسلامية، يُسمح بزواج الفتيات من سن 13 عاماً، والفتيان من سن 15 عاماً، بل ويمكن في بعض الحالات الزواج في سنٍّ أصغر بموافقة الولي والمحكمة.
وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني إلى أن آلاف الفتيات بين 10 و14 عاماً يتزوجن سنوياً. وفي بعض السنوات، سُجل أكثر من 30 ألف حالة زواج لفتيات دون سن 15 عاماً؛ وهي أرقام تشمل فقط الزيجات الرسمية، بينما لا تُحتسب الزيجات غير المسجلة أو الدينية. كما تفيد تقارير أخرى بتسجيل مئات الولادات لأمهات دون سن 15 عاماً في إيران.
ويحذر خبراء الاجتماع من أن زواج القاصرات يخلف آثاراً خطيرة، من بينها ترك الدراسة، الحمل المبكر، الاكتئاب، العنف الأسري، الفقر، والحرمان الاجتماعي. وتُظهر التقارير أن عدداً كبيراً من الفتيات اللواتي يُجبرن على الزواج في سن الطفولة يحرمن من مواصلة تعليمهن، ويفقدن فرص النمو الشخصي والاقتصادي.
عنف متجذر في القانون
يؤكد ناشطو حقوق الطفل أن أحد أبرز التحديات يتمثل في غياب القوانين الرادعة وآليات الحماية الفعالة للأطفال. ففي ظل استمرار قانونية زواج القاصرين، وضعف منظومات الدعم للأطفال ضحايا العنف، يعيش عدد كبير من الأطفال عملياً من دون أي حماية قانونية حقيقية.
وبحسب الناشطين المدنيين، عندما لا يعترف القانون بالطفل كصاحب حق، ولا يضمن له حرية الاختيار والأمان، فإن العنف لا يبقى محصوراً داخل الأسرة أو المجتمع، بل يتحول إلى جزء من البنية الرسمية نفسها.
حين تُظهِر الثقافةُ العنفَ كأمر طبيعي
يحذر ناشطو حقوق الطفل من أن المشكلة لا تقتصر على القوانين فحسب، بل تشمل أيضاً الدور الذي تلعبه بعض المنتجات الثقافية في تطبيع زواج القاصرات.
ويرى النقاد أن جزءاً من الإنتاج الثقافي الرسمي، بدلاً من نقد ظاهرة زواج القاصرات، يقوم بإعادة تقديمها كحل للأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وبحسبهم، فإن تصوير زواج القاصرات بصورة رومانسية يُعد جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى تطبيع العنف الذي يمارس منذ سنوات طويلة ضد الأطفال، ولا سيما الفتيات.
وفي الواقع، فإن تطبيع العنف ضد الأطفال أخطر من العنف نفسه؛ لأنه يجعل المجتمع أقل حساسية تجاه معاناة الأطفال، ويُضعف قدرته على إدراك حجم الألم الذي يتعرضون له.
الضحايا الصامتون للفقر والسياسة
مع تفاقم الفقر والأزمة الاقتصادية، يزداد في إيران عدد الأطفال العاملين والمتسربين من التعليم. كثير من الأطفال يجبرون على العمل بدل الذهاب إلى المدرسة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم، ما يعرضهم بدرجة أكبر للعنف والاستغلال وسوء المعاملة.
ويشير ناشطو حقوق الطفل إلى أن غياب مؤسسات دعم مستقلة، وضعف القوانين الرادعة، والرؤية الأيديولوجية تجاه الأسرة والطفل، جعلت الأطفال من أكثر الفئات الاجتماعية هشاشة في إيران.
ويعد اليوم العالمي للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان مناسبة لسماع أصوات أولئك الذين لا يملكون القدرة على الدفاع عن أنفسهم؛ الأطفال الذين يقعون ضحية عنف قد يحدث داخل المنزل أو في الشارع، وقد يعاد إنتاجه أحياناً داخل القانون أو في الخطاب الرسمي للمجتمع.
وفي إيران، لا يُعد كثير من الأطفال ضحايا للعنف الفردي فحسب، بل ضحايا بنية كاملة تعيد إنتاج الفقر، وتُبقي زواج القاصرات قانونياً، وتُظهر في بعض السرديات الثقافية أن "إنقاذ" الطفلة قد يكون عبر تزويجها، في تجاهل تام لحقوقها وطفولتها.