إحياء ذكرى إلهام المرزوقي بندوة تناقش حقوق النساء في ظل الإمبريالية

تكريماً لمسيرة الناشطة الراحلة إلهام المرزوقي، نظمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات لقاءً فكرياً حول "حقوق النساء في سياق الإمبريالية والنظام الأبوي"، تخللها نقاشات واسعة مع الطلبة حول العولمة والسلطة الأبوية.

زهور المشرقي

تونس ـ أكدت المشاركات في اللقاء، أن مواجهة الإمبريالية المتواطئة مع النظام الأبوي، الذي يعكس بنية مجتمعية تستغل النساء، تكون عبر تشكيل جبهة نسوية عابرة للحدود وموحدة، تعمل بشكل منسق لتجاوز حالة التشتت التي تخدم الإمبريالية الساعية إلى تقييد النساء.

في إطار الجامعة النسوية إلهام المرزوقي، نظمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات (ATFD) لقاءً فكرياً حول "حقوق النساء في سياق الإمبريالية والنظام الأبوي"، أمس الأربعاء 15 نيسان/أبريل، بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، وفاءً لذاكرة حية وتكريماً واستحضاراً لمسيرة الراحلة إلهام مرزوقي.

ولفتت الناشطات إلى أن اللقاء يأتي وفاءً لذاكرة حية جسدتها إلهام مرزوقي، والتي آمنت بجامعة نسوية نابضة لا تحاصر داخل الجدران، بل تنفتح على الحياة حيث يرتقي الفكر بالفعل، والتحليل بالممارسة والذاكرة بالوفاء، مشددات على أهمية الفكر النسوي العملي الذي يربط بين النظرية (التحليل والفكر) والتطبيق الميداني (الفعل والممارسة)، تخليداً لإرث الناشطة الراحلة إلهام مرزوقي.

وناقش المشاركين في اللقاء، القضايا الجيوسياسية الراهنة بقراءة نقدية للدور الأمريكي في الصراعات الدولية، واصفة السياسات المتبعة بأنها استهداف مباشر لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.
 

استهداف لحقوق الشعوب

وأكدت المختصة والباحثة في القانون حفيظة شقير، في مستهل مداخلتها أن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس سياسة "التغول" في استهداف الشعوب، مشيرةً إلى وجود مساعٍ حثيثة لمحو حق هذه الشعوب في تقرير مصيرها "هذا يحدث في وقت يقف فيه العالم متفرجاً أمام الوحشية التي يمارسها النظام الإمبريالي العالمي".

وأوضحت أن النظام الدولي الحالي يعمل دون أي اعتبار للقوانين والمواثيق الدولية، مشيرةً إلى عدم احترام القانون الدولي وممارسة السياسات دون رادع قانوني، منتقدةً غياب أي قرار أممي واضح وحازم ضد "هذا التغول الدولي والذي يستهدف النساء أولاً".

وانتقدت صعود الإمبريالية على أنقاض القانون، حيث تتعرض المنظومة الدولية اليوم لاختبار وهو الأكثر خطورة منذ عقود، حيث بات "التغول" السياسي والعسكري يتصدر المشهد العالمي، ضارباً بعرض الحائط مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها.

وأضافت "ما نشهده من ممارسات إمبريالية تتجاوز الأطر القانونية والمواثيق الأممية، يعكس حالة من الانفلات الجيوسياسي الذي لا يقيم وزناً للقرارات الدولية، ومع غياب الرادع الأممي الفاعل، يتحول العالم تدريجياً إلى ساحة تُنسف فيها الحقوق المكتسبة تحت وطأة القوة المفرطة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لمواجهة هذا الانحدار في المعايير الإنسانية والقانونية التي باتت تُنتهك في وضح النهار أمام صمت عالمي مريب".

وشهدت الفعالية حضوراً أكاديمياً بارزاً، حيث شاركت المختصة والباحثة في القانون حفيظة شقير، إلى جانب الناشطة والباحثة في علم الاجتماع درة محفوظ في تقديم مقاربات تحليلية معمقة للمشهد الحالي، وقد انقسم الطرح إلى محورين أساسيين، المقاربة القانونية التي تناولت الحقوق والانتهاكات التي تتعرض لها النساء في مناطق النزاع، والمقاربة الاجتماعية التي حللت تأثير البنى المجتمعية والظروف المحيطة بالمرأة في أوقات الأزمات.


تفكيك المفاهيم السياسية

من جانبها قالت عضوة في الجمعية أحلام بوسروال، إن الجلسة تمحورت حول قضايا النوع الاجتماعي، مع التركيز بشكل خاص على "وضع النساء خلال النزاعات والحروب"، وذلك في إطار الانفتاح الأكاديمي على القضايا الراهنة.

وفي سياق الحوار مع الطلبة، أكدت أن الحلقة ركزت على تبسيط وتفسير مفاهيم سياسية واجتماعية كبرى وتأثيرها المباشر على قضايا المرأة، ومن أبرزها العولمة والإمبريالية وكيفية صياغتهما لواقع النساء في دول الجنوب، إضافة إلى السلطة الأبوية ودورها في تعزيز الانتهاكات خلال فترات عدم الاستقرار.

وتميزت الحلقة بنقاشات حيوية مع طلبة الجامعة، مما يعكس حركية الفضاء الأكاديمي التونسي وقدرته على استيعاب وتحليل الخطاب النسوي المعاصر، وأكد المشاركون على خطورة الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في ظل الحروب الحالية، مشددين على ضرورة استمرار هذه النقاشات لرفع الوعي الطلابي بالقضايا الحقوقية والنسوية.


"إبقاء المرأة في سجن الأمية والتهميش"

بدورها ركزت الباحثة في علم الاجتماع والناشطة درة محفوظ على الربط بين التحرر الاجتماعي ومواجهة الهيمنة العالمية، في مواجهة الاستعمار الجديد وأهمية التضامن الجماعي الذي يعتبر السلاح الأخير، مؤكدة أن النضال الجماعي لم يعد مجرد خيار تكتيكي، بل ضرورة وجودية لمواجهة تغول الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية التي تستنزف مقدرات الشعوب.

ولفتت إلى تحالف الإمبريالية مع "القوي" محللة في حديثها آليات عمل الإمبريالية الحديثة، واصفة إياها بأنها تطبيق عملي لمصالح ضيقة على واقع غير متكافئ "بدلاً من أن تسعى هذه القوى لتطوير المجتمعات نجدها تنحاز بشكل غريزي لمن يملك السلطة والنفوذ، هذا الانحياز ليس عفوياً بل هو استراتيجية تهدف إلى اللعب على "التراتبية الاجتماعية" القائمة، وتعميق الفوارق بين الرجال والنساء لاستغلالها كأدوات للسيطرة".

وقارنت بين الإمبريالية والاستعمار الفرنسي القديم، فكلاهما يشترك في "عقيدة الاستغلال" وفق قولها، وكما تعمد الاستعمار إبقاء المرأة في سجن الأمية والتهميش، تواصل الإمبريالية اليوم المسار نفسه، لأن تحول المرأة إلى "فاعل إيجابي" في المجتمع يمثل تهديداً مباشراً لمصالح تلك القوى "إن الإمبريالية لا تسعى للتغيير الإيجابي، بل يساعدها بقاء الواقع كما هو، غير متساوٍ ومفكك، ليسهل عليها التغلغل في مفاصل المجتمع وتوجيهه بما يخدم مصلحتها أولاً وأخيراً".

وشددت على ضرورة مواجهة "الشبكات الدولية" المنظمة لا يمكن أن تكون بجهود فردية أو مشتتة، بل يتطلب الأمر بناء شبكة تضامن عابرة للحدود، تلتحم فيها قضايا المساواة الاجتماعية بالنضال الاقتصادي، وهي السبيل الوحيد لخلق توازن قوى يسمح للمجتمعات بالتحرر من قبضة التبعية الحديثة.