"احتلال أورمية"... سيناريو يلوح في أفق الأزمة الإيرانية ـ التركية

على الرغم من أن سيناريو "احتلال أورمية" لا يزال يُناقش في التقارير الإعلامية والتحليلات الأمنية، إلا أنه أصبح بمثابة تحذير خطير لكرد شرق كردستان، وفي سياق التنافس التاريخي بين إيران وتركيا وتجارب أنقرة الأخيرة في سوريا والعراق.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ  وفق تقارير إعلامية، تدرس تركيا إنشاء منطقة أمنية داخل إيران تشمل أورمية، تحسباً لحرب إقليمية محتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واستعداداً لموجة لجوء قد تفوق أزمة سوريا، غير أن سوابق أنقرة في التدخلات العسكرية واستخدام ورقة اللاجئين ضد أوروبا تشير إلى أن المشروع يتجاوز البعد الإنساني والأمني نحو أهداف سياسية أوسع.

يؤكد هذا التحذير والإجراءات ضرورة دراسة العلاقة المعقدة بين تركيا وإيران في سياق تاريخي أوسع، وهي علاقة، وإن كانت تنافساً جيوسياسياً، فقد شهدت أيضاً تعاوناً وتجربة تضامن في أوقات الأزمات، فبغض النظر عن التنافس الإقليمي الناجم عن القضية الكردية المشتركة، لم تسعَ إيران وتركيا قط إلى زعزعة الاستقرار أو الانهيار بشكل حاسم، بل قدمتا لبعضهما البعض مساعدات كبيرة في مراحل مختلفة للحفاظ على السلطة، ومع ذلك تزداد المؤشرات على احتمال نشوب حرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، واحتمال انهيار السلطة في إيران، أعدت تركيا نفسها أيضاً لوضع ما بعد الانهيار.

انهيار النظام الإيراني سيكون له انعكاسات عميقة على تركيا، خاصة فيما يتعلق بالمناطق الكردية، فالتجارب السابقة لأنقرة في احتلال أراضٍ مثل عفرين وروج آفا أثارت مخاوف الكرد من احتمال تكرار السيناريو في أورمية ومناطق أخرى شمال إيران، وفي ظل هذه التهديدات لا يملك الكرد وقتاً كافياً لتحليل الوضع أو الاستعداد لمواجهة الطوارئ المحتملة.

 

إرث الإمبراطورية

لا يمكن فهم العلاقات بين طهران وأنقرة دون إدراك ثلاثة قرون من التنافس العثماني الصفوي، فقد ساهمت ترسيمات الحدود والحروب الدورية والمعاهدات، كمعاهدة ذهب، في تشكيل البنية الجيوسياسية وتحديد ملامح القومية الحديثة للبلدين في سياق تفاعل المصالح والتهديدات، وفي القرنين العشرين والحادي والعشرين تراوحت هذه العلاقة بين المصالح الاقتصادية المشتركة والتنافس على النفوذ الإقليمي (العراق، سوريا، القوقاز)، وفي الوقت نفسه كلما كانت المصالح الحيوية (أمن الحدود، والسيطرة على طرق الطاقة، واستقرار الدولة المنافسة) على المحك غلبت نزعة التعاون الأمني ​​على التنافس، وتُظهر التحليلات الاستراتيجية أن طهران وأنقرة تُعتبران في آنٍ واحد "متنافستين تكافليتين" في المنطقة، إذ تسعى كلتاهما إلى احتواء الأخرى وتحافظان على حزم وتعاون في التجارة والطاقة لإدارة الصدمات الخارجية.

في سوريا والعراق يتجلى التنافس بين إيران وتركيا في خمسة مستويات، النفوذ العسكري عبر وكلاء محليين، الخوف من تمدد الفاعلين المسلحين غير الحكوميين، الصراع الأيديولوجي والديني داخل التحالفات، التنافس الاقتصادي على الطاقة والتجارة، أخيراً القضية الكردية، التي تُعد "خطاً أحمر أمنياً" لكلا الطرفين، ورغم أن هذا التنافس يفرز أحياناً تعاوناً محدوداً كتبادل المعلومات أو صفقات الطاقة، فإنه يخلق ديناميات مزدوجة تتأرجح بين تحالفات مؤقتة وصدامات حادة، لذلك لا يمكن اختزال العلاقة بين أنقرة وطهران في صورة كتلتين متعارضتين، بل يجب فهمها كشبكة معقدة من المنافسات الاستراتيجية المشروطة أحياناً بمصالح مشتركة، أبرزها منع قيام دولة كردية مستقلة، وهو ما يضع البلدين تحت ضغوط علنية  وخفية في آن واحد.

القضية الكردية

القضية الكردية لم تعد شأناً داخلياً لإيران وتركيا، بل تحولت إلى ملف إقليمي قد يغيّر خرائط وحدود الدول، ورغم التنافس الأيديولوجي والسياسي بين أنقرة وطهران، فقد تعاونتا مراراً في تبادل المعلومات والعمليات الأمنية ضد جماعات كردية، وصولاً إلى اتفاقيات أمنية رسمية منذ مطلع الألفية، هذا التنسيق يحقق استقراراً قصير الأمد، لكنه يفتح الباب لتضارب مصالح طويل الأمد، إذ يسعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه في المناطق الكردية عبر استغلال الجماعات المحلية أو الفراغات الأمنية لتوسيع حضوره الاقتصادي والسياسي.

تتعامل بعض أطياف المعارضة والحركات الإسلامية في تركيا، إلى جانب فصائل أمنية، في العلاقة مع طهران وفق معيار "ما يخدم الاستقرار الإقليمي والمصالح التركية"، خاصة مع احتمال انهيار الجمهورية الإسلامية وما قد يترتب عليه من فوضى وتدفق لاجئين يضر بالاقتصاد والسياسة التركية، وتظهر هذه المخاوف في  الإعلام والتصريحات الرسمية حيث يمنح أحياناً دعم تكتيكي لإيران باعتباره وسيلة لحماية المصالح الوطنية قصيرة الأجل، هذ الوضع المعقد يرتبط أيضاً بالقضية الكردية، إذ يشترك البلدان في منطق أمني يقوم على الخوف من استقلال كردستان، ومحاولة احتواء الجماعات الكردية، لكن التنافس في سوريا والعراق كشف أن مصالحهما لا تقتصر على القمع، بل تشمل توظيف الكرد كأداة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي في المنطقة.

 

الاستثمار في النفوذ

يُظهر تحليل النفوذ أن الحكومات لا تقتصر على البعد العسكري، بل تعتمد أيضاً على الاستثمار الاقتصادي المبكر لتعزيز حضورها الإقليمي عبر البنية التحتية الحدودية والتقارب مع النخب المحلية، فقد عملت تركيا خلال العقود الماضية على تطوير مشاريع تجارية وصناعية في شمال غرب إيران، خاصة في تبريز وأردبيل وممرات العبور، بينما سعت إيران إلى ربط هذه المشاريع باتفاقيات الطاقة والقنوات التجارية لضمان استمرار نفوذها الاقتصادي، هذا التشابك الاقتصادي يشكّل أساساً لأي سياسة تدخلية أو رعائية مستقبلية.

تركيا تضع سيناريوهات للتعامل مع احتمال انهيار النظام المركزي في إيران، بينها إنشاء مناطق آمنة واستيعاب موجات قد تفوق أزمة سوريا، هذه الخطط لا تعني بالضرورة الاحتلال لكنها تعكس استعداداً استراتيجياً يوازن بين التكاليف والفوائد، وقد تتحول سريعاً إلى تدخل مباشر كما حدث في شمال سوريا. في الوقت نفسه تخوض أنقرة منافسة مع طهران في القوقاز عبر تحالفات مع أذربيجان ومشاريع اقتصادية مثل ممر زانغزور، بهدف عزل إيران، كما تسعى للتأثير على البنية الأمنية والسياسية في مناطق أذربيجانية داخل إيران، مستخدمة خطاب القومية التركية ضد الكرد، في تبريز وأورمية الأحداث الأخيرة كالهجوم الإسرائيلي على إيران ودعم باكو لتل أبيب، أظهرت أن تصاعد القومية التركية في تلك المناطق كان جزءاً من مشروع أمني طويل الأمد يستهدف إقصاء الكرد وتهيئة الأرضية لمرحلة ما بعد سقوط الجمهورية الإسلامية، في ظل عجز السلطة المركزية عن استعادة السيطرة.

 

استراتيجيات

في ظل الظروف الراهنة، يواجه الكرد في إقليم كردستان العراق والدول المجاورة عدة سيناريوهات متزامنة؛ إذ يُمكن أن يُؤدي انهيار الجمهورية الإسلامية، إلى جانب استمرار التوترات الداخلية والضغوط الخارجية، إلى فراغ أمني. من شأن هذا الوضع أن يُتيح لجهات إقليمية فاعلة، كتركيا، استغلال هذا الفراغ، لا سيما إذا أدى تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية إلى إضعاف حدود إيران؛ ويُطرح هذا السيناريو أحيانًا في التحليلات الإعلامية بالإشارة إلى "احتلال منطقة أورمية". إن أي هجوم إسرائيلي/أمريكي مباشر أو غير مباشر على إيران، كعامل في أزمة متعددة الأطراف، قد يضع الكرد في موقف حرج، حيث يتعين عليهم الحفاظ على استقلالهم ومقاومة الضغوط المباشرة وغير المباشرة. ويتعين على الجماعات السياسية الكردية في إقليم كردستان العراق إيجاد توازن في هذه البيئة المعقدة بين "الحفاظ على الوجود الاجتماعي والسياسي" و"تجنب تحويل مناطقهم إلى ساحة تنافس بين القوى العظمى".

بالنظر إلى السياق التاريخي والسيناريوهات المتكاملة المذكورة أعلاه، تواجه الحركات الكردية في إقليم كردستان العراق أربع مهام متزامنة، الحفاظ على الشبكات المحلية والشرعية الاجتماعية، تعزيز القدرات الدفاعية اللامركزية والتنسيق الإقليمي مع الجهات الفاعلة المدنية والأمنية في العراق وسوريا، تصميم دبلوماسية متوازنة مع الجهات الفاعلة الإقليمية والعابرة للأقاليم، إعداد سياسات إنسانية وسياسات مناصرة لمنع التطهير الديموغرافي ومصادرة الأصول، عملياً يعني هذا أن تعمل المنظمات على ثلاثة محاور عملية وهي التواصل المحلي (الخدمات، العدالة الاجتماعية، الاتفاقيات المحلية)، الروابط الإقليمية بين المجموعات (مع الكرد العراقيين/السوريين للدفاع والتماسك الدبلوماسي) إضافة إلى التوثيق القانوني والتنسيق مع المؤسسات الدولية.

ولإنشاء خط دفاع قانوني ضد أي احتلال أو تغيير ديموغرافي، من الضروري على المدى القصير للأحزاب الكردية التحديث عسكرياً "دفاعياً"، ولكن سياسياً لتجنب "التبعية لأحد اللاعبين الرئيسيين"، أظهرت تجربة عفرين وحالات الاحتلال المماثلة أن الثقة العسكرية دون الاعتماد على شبكات الردع الإقليمية وقضية قانونية دولية تؤدي إلى التهجير والتطهير العرقي، وتؤكد تقارير حقوق الإنسان الواردة من عفرين أن التغير الديموغرافي وإعادة التوطين القسري أدوات لترسيخ الاحتلال، وعليه يجب تعزيز التخطيط القانوني وتوثيق الممتلكات والأدلة الميدانية بشكل عاجل.

الحديث الإعلامي عن "احتلال أورمية" يعكس تداخل ثلاثة عوامل، استعدادات تركيا الأمنية والبرلمانية لمواجهة موجات لجوء محتملة، تاريخ التنافس والتعاون مع إيران، واستخدام أدوات أمنية وديموغرافية في أزمات سابقة، إضافة إلى هشاشة الشبكات الكردية المحلية، ورغم غياب مؤشرات عسكرية حاسمة، فإن هذه الادعاءات تُقرأ كتحذيرات قابلة للتنفيذ لا كحتمية، المسار الأكثر عقلانية للكرد يتمثل في تعزيز المجتمع المدني، بناء شبكات ردع إقليمية، وتحصين الموقف قانونياً لتجنب الوقوع في فخ المناورات الجيوسياسية.

على الأحزاب والحركات الكردية في شرق وشمال كردستان أن تعيد تقييم الوضع الراهن في سياقه التاريخي، وأن تستعد بجدية لكل السيناريوهات بدلاً من الانشغال بتحالفات هامشية وخلافات أيديولوجية، فالمخاطر لا تقتصر على شرق كردستان وحده، بل تشمل شمالها أيضاً، ما يستدعي من المؤسسات والإعلام والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني تكثيف الجهود لرفع وعي المجتمع بمستقبل التهديدات، فالتغيرات المتسارعة وترسيخ النظام القائم يفرض واقعاً جديداً، لن يكون فيه مكان للمجتمعات غير الجاهزة أو الضعيفة.