عراقية تعيد رسم حياتها بريشة الفن وتثبت أن الشغف لا يشيخ
بعد مسيرة طويلة في هندسة النفط، اختارت دنيا الشماع أن تعود لشغفها القديم في الرسم والموسيقى، لتثبت أن الإبداع لا يرتبط بالعمر، وأن الطموح يمكن إحياؤه في أي مرحلة من الحياة.
رجاء حميد رشيد
العراق ـ تجسد المهندسة دنيا الشماع صورة حية للمرأة العراقية، ومثالاً بارزاً للعزيمة والإبداع؛ إذ استطاعت رغم التحديات والظروف، أن تثبت حضورها في مختلف ميادين الحياة، محوّلة الصعوبات إلى فرص للنجاح والتميز.
لم تستسلم للواقع، بل أعادت اكتشاف ذاتها في كل مرحلة من حياتها. فبعد مسيرة مهنية في مجال هندسة النفط، اختارت دنيا الشماع العودة إلى شغفها القديم بالرسم والموسيقى، لتؤكد أن الطموح لا يرتبط بعمر، وأن الإبداع يمكن أن يولد من جديد متى ما توفرت الإرادة.
من الهندسة إلى الفن... رحلة شغف مؤجلة
بعد التقاعد، تفرغت المهندسة دنيا الشماع، التي عملت في مجال هندسة النفط وتتمتع بموهبة في الرسم، لتطوير هذه الموهبة وممارسة هوايتها المفضلة منذ الصغر. وتقول "بعد إحالتي على التقاعد، أحاول استثمار وقتي بما هو مفيد، وتنمية موهبتي في الرسم والموسيقى"، لافتةً إلى أن بداياتها في مجال الدراسة جاءت باختيار من عائلتها لدراسة الهندسة، وهو خيار لم تعارضه أيضاً لاهتمامها بالرياضيات والهندسة، فواصلت دراستها وحققت نجاحاً في مسيرتها المهنية، بينما كانت تستفيد من العطل في حضور دورات للرسم والموسيقى.
وتشير إلى أن سبعينيات القرن الماضي شهدت اهتماماً واسعاً بالثقافة والفنون، حيث كانت الدورات الفنية في الرسم والنحت والموسيقى تقدم مجاناً عبر مؤسسات وزارة الثقافة والإعلام، إضافة إلى دورات أخرى سجلت فيها في مؤسسات متخصصة.
وتوضح أن مسيرتها الفنية توقفت بعد الزواج بسبب مسؤوليات الأسرة والعمل الوظيفي، قبل أن تعود إليها مجدداً عام 2018 بعد إحالتها إلى التقاعد، قائلة "لم أجد أفضل من الرسم لاستثمار وقت الفراغ".
الرسم ملاذ نفسي ويرتقي بالذوق والأخلاق
وتؤكد دنيا الشماع أن الرسم يبقى رفيقها الذي لا يمكن الاستغناء عنه في أصعب الظروف "حتى عندما أكون متعبة أو مريضة، فإن ممارستي للرسم تمنحني شفاءً وراحة نفسية"، مضيفة أنها تأثرت بعدد من الفنانين العالميين مثل فان كوخ وليوناردو دافنشي، فيما تأثرت على الصعيد المحلي بمدربيها في الفن داخل الأكاديمية التي تلقت فيها دورات ودروساً متخصصة في الرسم.
وعن أهمية الفن في المجتمع، أوضحت أن الفن يرتقي بالذوق والأخلاق، لما له من تأثير مباشر على نفسية الفنان، إذ يساعده على مراجعة نفسه واكتشاف أخطائه، والعمل على تصحيحها، كما يعزز قيم التعاون والتعامل الإيجابي مع الآخرين، خاصة خلال الدراسة الأكاديمية.
وتستشهد بتجربتها الشخصية في هذا المجال، إذ تقول إنها خلال زيارتها لمراكز ودور الأيتام طلبت من القائمين عليها السماح لها بتعليم الأطفال الرسم يوماً واحداً في الأسبوع، بهدف دمجهم في المجتمع وصقل شخصياتهم، إضافة إلى تدريب أطفال متلازمة داون، مشيرة إلى أن التجربة كانت ناجحة وحققت تفاعلاً إيجابياً، حيث أظهر العديد منهم موهبة فنية واضحة في الرسم.
دعم العائلة حجر الأساس
أكدت دنيا الشماع أن دعم العائلة يمثل الأساس في بناء الأجيال، إذ تسهم في غرس القيم والسلوكيات منذ الطفولة، لافتةً إلى أن المرأة قادرة على النجاح في التوفيق بين مسؤوليات المنزل والعمل في آنٍ واحد، كما ترى أن المرأة هي أساس المجتمع، معتبرة أن الأم هي الركيزة الأولى في التربية وبناء الشخصية.
وتضيف أن عائلتها كانت الأساس في تجاوز التحديات، إذ كان زوجها الداعم الأول لها، تليه ابنتها التي ساندتها بدافع الوفاء والامتنان، مشددة على أهمية تنظيم الوقت وتخصيص مساحة لتطوير الذات من خلال القراءة والاطلاع، قائلة "الكتاب خير جليس".
"لا يوجد عمر محدد لتحقيق الطموحات"
وكان أبرز التحديات التي واجهتها تعلم النوتة الموسيقية، رغم خضوعها لعدد من الدورات الموسيقية التي لم تكن كافية لإتقانها بالشكل الصحيح، وأشارت إلى ان تلقيها دروساً في الأكاديمية كان مفيداً، إذ مكنها من تعلم النوتة الموسيقية ومحاولة العزف، مؤكدة أن ذلك كان تحدياً شخصياً خاضته بإصرار كبير، قائلة "كنت مصرة على تعلم الموسيقى والعزف".
وتؤمن دنيا الشماع بأنه لا يوجد عمر محدد لتحقيق الطموحات، داعية إلى اغتنام الفرص وعدم السماح للعمل أو المسؤوليات بأن تكون عائقاً أمام ممارسة الحياة وتطوير الذات، مضيفة أن الثقة بالنفس والقدرة على المواجهة والإصرار هي مفاتيح النجاح.
وأشارت إلى أنها بعد ثلاثة وأربعون عاماً عادت لتعلم الرسم والموسيقى، متجاوزة التحديات والأعذار المرتبطة بالتعب أو المسؤوليات.
وعن خططها المستقبلية، تقول إنها تسعى إلى تطوير مهاراتها في الرسم وتحويله من النقل عن الصور إلى أعمال نابعة من خيالها، إضافة إلى رغبتها في المشاركة في معارض تشكيلية للتعرف على آراء الآخرين والاستفادة من النقد البناء، كما تطمح إلى نقل تجربتها في الرسم إلى الأيتام والفئات المهمشة، بالتعاون مع جهات مختصة، بهدف نشر الفائدة على نطاق واسع.
وتختتم دنيا الشماع حديثها بالتأكيد على أهمية دعم المرأة للمرأة، مشددة على ضرورة أن يكون هذا الدعم صادقاً وبنّاءً، قائماً على التشجيع والاحترام، بعيداً عن التقليل من قدرات الآخرين أو تثبيط عزيمتهم، بل بأسلوب إيجابي ولائق يساعد على تحقيق الطموحات.