مخطوطات تحت الركام... محاولات لإنقاذ ما تبقى من تاريخ غزة

تتواصل جهود التنقيب والإنقاذ لما تبقى من المخطوطات التي تعرضت للاستهداف في قطاع غزة، في محاولة لانتشال ما نجا من الإبادة التراثية والثقافية التي خلفها الهجوم.

رفيف اسليم

غزة ـ بين الركام والدمار، يحاول فريق إنقاذ المخطوطات في غزة، استخراج ما تبقى من ذاكرة المدينة وحضارتها. فالمخطوطات التي نجت من القصف ليست مجرد أوراق، بل ميراث تاريخي وثقافي يختزن علوماً وأدباً وشعراً، ويشكل رابطاً حياً بين الماضي والحاضر. 

استهدفت القوات الإسرائيلية العديد من المناطق الأثرية في قطاع غزة خلال الحرب، حتى أن بعض المباني أعيد قصفها لمرات عدة وهذا ما حدث مع أرشيف دائرة المخطوطات التي تتضمن آلاف الكتب والمخطوطات الأثرية التي يعود عمرها للعصر المملوكي وربما أكثر من ذلك بكثير، حيث أصبحت جميع محتويات المكتبة وأرشيفها تحت الركام، لتقوم المهندسة حنين العمصي وفريقها باستخراج تلك الأوراق ومحاولة إنقاذ ما تبقى منها.

وأفادت مديرة فريق إنقاذ دائرة المخطوطات "قبة دار السعادة التاريخية" حنين العمصي، بأن المكان تعرض للاستهداف ثلاث مرات الأول في منتصف حرب الإبادة في النصف الثاني من عام 2024، ثم لحقه ضربة جوية أخرى بعد شهرين، وفي آخر هجمة نسف ما تبقى من المكان، كان مشهد الدمار مفجع بطريقة لا يمكن معرفة ملامح المكان قديماً.

وأوضحت أن البلدة القديمة برمتها تم استهدافها عدة مرات بشكل ممنهج، فالأبنية الأثرية قد تم الاهتمام بترميمها مرات عدة قبل الهجوم خشيةً الهدم من عوامل الزمن، قائلة إن القوات الإسرائيلية تعمدت تدمير الأماكن التاريخية عدة مرات لمسح ملامحها.


         


        
التاريخ العريق لدائرة المخطوطات

وبحسب حنين العصمي فقد كانت تحتوي دائرة المخطوطات على 228 مخطوط كامل، 78 مخطوط أوراق متفرقة تسمى "الدشت" والعديد من السجلات العثمانية والأوراق التابعة للأوقاف، لكن بعد حرب الإبادة تم إنقاذ 147 مخطوط كامل لحق بأضرار كبيرة جداً، بينما فُقِدَت البقية تحت الركام، ونجت 35 ورقة فقط من الأوراق المتفرقة، وتم فقدان السجلات العثمانية (سجلات توثق أسماء العائلات وأفرادها) ولم يتم العثور على أي منها خلال عمليات البحث والتنقيب.

ويرجع عمر مخطوطات جامع العمري الكبير إلى الفترة المملوكية حتى أواخر الفترة العثمانية، وهي مخطوطات تشمل شتى أنواع العلم فلكية، أدبية، شعرية، خطب بأيدي علماء من غزة إضافةً إلى علوم الفقه، مشيرة إلى أنه مع توقيع اتفاق الهدنة الأول تم الحصول على نحاتين لإنقاذ مجموعة من المخطوطات، والآن يتم استكمال العمل لإزالة الأحجار الأثرية ومحاولة إنقاذها.


         


        
الحفاظ ما تبقى من المخطوطات

تستمر عمليات التنقيب حتى هذه اللحظة لمحاولة إنقاذ ما تبقى من خلال عمليات البحث عن تلك المقتنيات، إذ أوضحت أنه تم استهداف دائرة المخطوطات بشكل مباشر بالطيران الحربي الإسرائيلي، وقذائف المدفعية.

ولفتت حنين العصمي إلى أن التلف الذي طال المخطوطات كان بأساليب مختلفة منها شظايا عالقة، والعفن بأنواعه المختلفة الذي التصق بالأوراق نتيجة بقائها فترة طويلة بين الركام تقدر بـ 700 يوم ووصول مياه المطر إليها، بينما للوهلة الأولى لم تتمالك نفسها من الصدمة والحزن وأصبحت تحفر بيدها بشكل عشوائي كي تخرج الأوراق التي يظهر طرفها، فقد شعرت أنهم قطعة من قلبها وليست مجرد أوراق قديمة على حد وصفها.

حاولت العمل والحفر لفترات أطول لإنقاذ جزء أكبر من التاريخ لتنقله للأجيال القادمة بسلام فتلك هي مهمتها التي تقوم بها على أكمل وجه حتى قبل بدء الهجوم، وهي ترميم المخطوطات والكتب التاريخية النادرة التي مضى عليها الزمن "خلال الوقت الحالي لا يوجد عمليات ترميم لعدم توافر الأدوات المناسبة، وكل ما يمكن فعله هو الإسعاف العاجل فقط".

وبينت أن الأماكن الأثرية القديمة التي تم قصفها وتدميرها يتم فقط تجميع ما تبقى من الحجارة الأثرية القديمة ووضعها في مكان مناسب لحفظها من الضياع أو السرقة، أو التلف فلا يوجد أي أدوات مساعدة أو آلات تساعد في عملية الترميم.

وبحسب حنين العصمي فإن عملية استخراج المخطوطات عملية صعبة ومعقدة بسبب العمل وفق آلية بدائية فالجميع يحفر بيده، فتارةً قد تجد بالأسبوع ثلاث مخطوطات، وتارةً أخرى تعمل طوال الشهر لتجد مخطوطة واحدة دون وجود أدنى دور للمؤسسات الدولية أو حتى رصد الانتهاكات التي طالت الإبادة التراثية والثقافية خلال الهجوم.

واختتمت حنين العصمي حديثها بالتأكيد على أن تلك المخطوطات التاريخية هي تاريخ مجدها وحضاراتها وميراث آباءها واجدادها، وهي أوراق قيّمة خطت بيد أهل وأئمة العلم الذين آمنوا بمستقبل فلسطين، فيقع على عاتقها الحفاظ عليها لتصل إلى تاريخ عريق تراه الأجيال القادمة وتعي من خلاله جهود ما بذلوه الأجداد لتطوير تلك العلوم باختراعات علمية.