إيران... عشرون يوماً من انقطاع الإنترنت وعودة محدودة

بعد أكثر من عشرين يوماً من الصمت والاضطرابات الواسعة في مختلف وسائل الاتصال، عاد الإنترنت بشكل محدود ومتقطع، هذا الشكل من الاتصال لا يزال غامضاً ومقلقاً، إذا لا يعرف مستقبله ولا ما إذا كان سيعود إلى وضعه طبيعي قريباً.

سايه محبي

أورمية ـ في ذروة الإضرابات والاحتجاجات الواسعة في إيران، وبعد الانقطاع الكامل للإنترنت، خيم الصمت على البلاد، واليوم وبعد أكثر من عشرين يوماً من هذا الانقطاع الشامل وما رافقه من اضطرابات واسعة، عاد الاتصال بشكل محدود ومتقطع؛ وضع لا يعكس عودة إلى الحالة الطبيعية بقدر ما يشبه حالة معلقة.

بحسب بيانات وتقارير صادرة عن مؤسسات دولية مثل "نت ‌بلاکس" و "كلادفلير" فإن ما يتاح للمستخدمين الآن ليس سوى شبكة محاطة بقيود صارمة، مع طبقات متعددة من الفلترة، واضطرابات متغيرة قد تتبدل يومياً أو حتى كل ساعة.

سنستعرض خلال هذا التقرير الأحداث المرتبطة بالإنترنت والاتصالات منذ اليوم الأول للانقطاع وحتى اللحظة الراهنة، مع مستقبل لا يزال غامضاً وغير محدد.


بداية "التعذيب الأبيض"

مع الانقطاع الكامل للإنترنت عند الساعة العاشرة مساءً يوم الخميس الثامن من كانون الثاني/يناير الفائت، تعطلت خطوط الهاتف الثابت والمحمول لمدة خمسة أيام، وحتى السابع عشر من الشهر نفسه، لم يكن إرسال الرسائل النصية ممكناً، الناس داخل إيران وخارجها وصفوا هذا الانقطاع والاضطراب بأنه أشبه بـ "بئر عميق مظلم"، فيما اعتبره المنتقدون مثالاً على "التعذيب الأبيض الجماعي" بما يحمله من آثار نفسية واسعة على المجتمع. 

سانيا.خ المقيمة في مهاباد بشرق كردستان، تحدثت عن الأيام الأولى لانقطاع الإنترنت قائلة "كأننا عالقون في بئر مظلم؛ الهواتف كانت تنقطع مع حلول الظلام عند السادسة أو السابعة مساءً، ولم نعرف شيئاً عن أقاربنا في المدن الأخرى لمدة يومين. كنا نتابع الأحداث فقط عبر القنوات الفضائية، دون أن يصل صوتنا إلى أي مكان". 

وبحسب وسائل الإعلام المحلية، فإن الإنترنت كان مقطوعاً بالكامل حتى يوم العاشر من كانون الثاني، وبعد ذلك واجهت التطبيقات المحلية اضطرابات متواصلة.


جمع الدشات الفضائية وتعطيل "ستارلينك" 

ابتداءً من العاشر من الشهر الفائت، بدأت عمليات الدخول إلى المنازل من دون إذن في طهران لجمع الدشات الفضائية وأجهزة "ستارلينك"، ثم امتدت إلى مدن أخرى. 

آوان. ح المقيمة في سنه، تقول "طرقوا باب شقة الجيران وصعدوا إلى السطح بشكل هجومي، وأخذوا كل الدشات الموجودة. سكان البيوت المستقلة أغلقوا الأبواب، أسدلوا الستائر وأطفأوا الأنوار خوفاً من أن يطرقوا بابهم أو يظنوا أن المنزل خالٍ". 

بعض الأهالي خصوصاً في المجمعات السكنية، نقلوا الدشات من الأسطح إلى الشرفات لتقليل احتمال كشفها. وفي مدن مثل سردشت، استخدم عناصر الأمن رافعات للوصول إلى أسطح وشرفات بعض المنازل. أما في مهاباد، بانه، سقز وغيرها، فقد وردت تقارير عن اقتحام قسري وكسر زجاج أبواب الشقق للوصول إلى الأسطح. 

إحدى وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري زعمت أن إيران، بمساعدة الصين، تمكنت من إحداث اضطراب في خدمة "ستارلينك". ومصدر موثوق أكد وجود هذا الخلل في الأيام الأولى "بعض الناس أعادوا تشغيل أجهزتهم بمساعدة قنوات فضائية، لكنهم لا يستخدمونها إلا عند الضرورة وبحذر شديد لتجنب رصدهم".


"نحن أحياء" 

في الرابع عشر من كانون الثاني/يناير الفائت، سمح النظام بإجراء اتصالات أحادية الاتجاه إلى خارج البلاد؛ اتصالات لم تتجاوز في معظمها دقيقتين أو أربع دقائق، وكانت باهظة التكلفة، وتقول نسرين. م "طوال المكالمة كنت أسمع ضجيجاً، ولم أتمكن سوى من أن أقول لأخي: نحن أحياء". 

بعد نحو عشرين يوماً من حظر الاتصالات من الخارج إلى إيران، أصبح منذ ٢٦ كانون الثاني/يناير ممكناً الاتصال بخطوط الهاتف الثابتة فقط، تحت رقابة مشددة على المكالمات. 


خط حدودي نحو العالم 

غياب الأخبار عن الأحبة والخوف من خسائر أكبر للأعمال والبرامج دفع بعض الناس إلى المناطق الحدودية. في البداية، كان رومينغ الشرائح المحلية يجذب حشوداً إلى الحدود، لكن مع تعطيله، انتعش سوق الشرائح الأجنبية والسفر القصير إلى ما وراء الحدود. 

كجال. ك من مريوان تقول "كان معبر باشماق مزدحماً جداً للتنقل وشراء الشرائح المهربة. الشريحة العراقية مع ٢ غيغابايت إنترنت كانت تباع حتى ٢٠ مليون تومان. خدمة "آي سيم" كانت تعمل جيداً عند الحدود. صديقتي كانت تذهب كل يومين إلى بانه أو سردشت لتتصل بأخيها في الخارج. لكن سرعان ما امتلأت الحدود بالعناصر الأمنية يبحثون عن باعة الشرائح وVPN". 

بريسا. ش، التي كانت تنتظر بريداً إلكترونياً مهماً من جامعة أجنبية، اضطرت لعبور الحدود "السائق أخذ ٤ ملايين تومان من أورمية إلى معبر رازي، وبعد دفع رسوم الخروج والدخول إلى تركيا، فتحت بريدي الإلكتروني في محطة مدينة وان، وعدت بعد ساعة إلى إيران". 


الفيلترشكن من سلعة اتصال إلى أداة تجسس 

الاتصال بالإنترنت في إيران أصبح معتمداً بالكامل على الفيلترشكن. بعض عناوين الـIP من مراكز بيانات ومزوّدين وصلت إعداداتها إلى السوق، وبيعت حتى ١٥ مليون تومان أو أكثر، لكنها لم تكن مستقرة. 

السوق ما زال نشطاً، لكن الباعة لا يضمنون اتصالاً دائماً. الناس أيضاً لا يثقون بأمان اتصالاتهم عبر هذه الأدوات، ويبحثون باستمرار عن بديل أفضل. 

النظام يروّج لإعدادات مجانية وتطبيقات محلية غير آمنة مثل "بله"، "آيكب" و"إيتا"، في محاولة للوصول إلى تفاصيل نشاط المستخدمين. داخل البلاد، لا يمكن للمستخدمين الحصول على رموز دخول لتطبيقات عالمية مثل تلجرام وواتساب. 


وعود كاذبة وإنترنت محدود 

خلال أسبوعين، لم يتجاوز عدد من وصلوا إلى الإنترنت 2% من السكان، وعودة الاتصال بالإنترنت العالمي تأجلت من منتصف الأسبوع الثاني إلى نهايته، وفي الأسبوع الثالث بدأ التضليل. ارتفاع غير طبيعي في حركة المرور أشار إلى توسيع قائمة النطاقات البيضاء؛ أي أن النظام فتح الوصول إلى نطاقات مختارة ومصرّح بها فقط، فيما ظل الإنترنت الحر محجوباً.

كازيوه. س تصف صعوبة الاتصال في الأسبوع الثالث "لكل بضع دقائق اتصال، كنا نجرّب فيلترشكن مختلفاً ومشغّلاً مختلفاً، ولم يكن ممكناً إجراء مكالمات صوتية أو فيديو أو إرسال واستقبال ملفات". 

في بداية الأسبوع الرابع من الاضطراب، ما زال الناس بلا وصول مستقر إلى الإنترنت العالمي. الخبراء يؤكدون أن الإنترنت لن يعود إلى حالته عما قريب، وأن السلطات الإيرانية تعمل على بناء أو ضبط نظام جديد لحجب حركة المرور والتحكم بها عند الحاجة.