'الجنوب اليمني ساحة صراع إقليمية والقضية ورقة ضغط سياسية'

تشهد الساحة اليمنية تحولات معقدة تتداخل فيها الأبعاد المحلية والإقليمية، حيث يرى محللون أن أحداث الجنوب الأخيرة ليست مجرد تعبير شعبي، بل انعكاس لترتيبات خارجية تعيد رسم المشهد السياسي والأمني.

رحمة شنظور

اليمن ـ شهد جنوب اليمن في الأسابيع الأخيرة تصاعداً ميدانياً وسياسياً كبيراً أعاد رسم المشهد في المنطقة، بعد فترة من الهدوء النسبي ضمن الصراع اليمني المستمر منذ عام 2014.

جاء هذا التصعيد وسط تحركات واسعة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، التي توسعت نحو محافظة حضرموت وغيرها من المحافظات الشرقية في جنوب اليمن، في خطوة أثارت توتراً مباشراً مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوى السعودية الداعمة لها.

بدأت الأحداث في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما شن المجلس الانتقالي هجوماً عسكرياً واسعاً على حضرموت والمهرة، وسيطر على مناطق استراتيجية وفرت له نفوذاً جديداً في الجنوب الشرقي، معتمداً على قوات منظمة ومدرعات وأسلحة ثقيلة. وقد بررت قيادة الانتقالي هذه التحركات بوجود قوات تابعة للحكومة وصفها بالإرهاب.

في تطور مثير، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بخروج جميع القوات الإماراتية من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، كرد مباشر على التصعيد الذي شهدته الساحة الجنوبية، والتدخلات التي رآها في دعم أطراف مسلحة، وشمل القرار أيضاً إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين اليمن والإمارات، في خطوة اعتُبرت تغييراً سيادياً مهماً في سياسة الحكومة تجاه شركائها الإقليميين.

وفي المقابل، أعلنت أبوظبي انسحاب القوات الإماراتية من بعض المواقع والمناطق بعد ساعات من الطلب اليمني، مشيرة إلى انتهاء مهامها العسكرية في البلاد.

وفي الوقت نفسه، دعت السعودية كافة الأطراف الجنوبية إلى الحوار خلال محادثات انعقدت في الرياض، بهدف التوصل إلى حل سياسي شامل للقضية الجنوبية ضمن إطار وحدة اليمن.

وتحرك وفد من المجلس الانتقالي إلى الرياض لحضور المباحثات. كان مقرراً أن يتوجه رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي إلى السعودية خلال مهلة منحتها له قيادة التحالف، لبحث أسباب التصعيد والتوصل إلى تسوية، إلا أنه لم يلتزم بالحضور وهرب مساءً من عدن.

في السياق ذاته، تم إعفاء عدد من الوزراء المشتبه في دعمهم للتحركات المسلحة أو توزيع الأسلحة، وإحالتهم إلى القضاء للتحقيق.

كما أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي حل نفسه رسمياً في الداخل والخارج وإلغاء جميع هيئاته ومكاتبه، في خطوة وصفها مسؤولون بالمجلس بأنها لصون السلم والأمن وتنفيذ مبادرة السعودية لإجراء حوار جنوبي شامل.

 

"قراءة تحليلية"

ملاك عادل، خريجة التاريخ والعلوم السياسية، ترى أن "ما يشهده جنوب اليمن في الفترة الأخيرة لا يمكن قراءته كأحداث محلية عفوية أو تعبير صافي عن إرادة شعبية كما يُروَّج له، بل يأتي ضمن ترتيبات خارجية معقّدة تُستخدم فيها أطراف محلية كأدوات ضغط وإعادة تموضع".

وتوضح أن "اجتياح قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لمحافظة حضرموت لم يكن حدثاً عابراً"، مشيرة إلى أن المجلس الانتقالي إلى جانب المجلس الرئاسي لا يعدوان كونهما "أحجار شطرنج" تُحرّكها قوى إقليمية، مضيفةً "دخول الانتقالي إلى حضرموت تم بدوافع ومصالح إماراتية، في حين قوبل هذا التحرك برفض سعودي واضح وحازم، ما أدى إلى تصعيد المشهد".

وعن القضية الجنوبية، تقول ملاك عادل إن "القضية عادلة في أصلها، ومطالب الجنوبيين تعود إلى ما بعد حرب 1994، وكانت إحدى القضايا الرئيسية المطروحة خلال عام 2011، لكن توقيت التصعيد الحالي يوحي بأن القضية تُستخدم كوسيلة ضغط سياسي وإعادة خلط الأوراق أكثر من كونها مساراً حقيقياً لحل جذري".

وفيما يخص التطورات الميدانية، لفتت إلى أن العرض العسكري في عدن لم يُثر في بدايته مخاوف واسعة، رغم دلالاته على امتلاك قوات منظمة ومدرعات وأسلحة، مشيرة إلى أن القلق الحقيقي بدأ مع اجتياح حضرموت "بين ليلة وضحاها" بذريعة وجود قوات عسكرية تابعة للشرعية وُصفت بالإرهاب.

وقالت إن هذا التحرك لم يمر مرور الكرام، بل تبعته مرحلة تصعيد سياسي وأمني، في مقابل مساعٍ سعودية لإعادة ترتيب صفوف الشرعية ولمّ الشمل، وصولاً إلى إقصاء المجلس الانتقالي.

كما تعتبر أن هروب الزبيدي من اليمن يفتح الباب أمام تحولات لا تزال غير محسومة، محذّرة من أن اليمن لم يعد يحتمل مزيداً من الأزمات في ظل وضع اقتصادي تصفه بـ "المخيف"، رغم محاولات البنك المركزي تحسين الوضع النقدي وصرف المرتبات، والتي كثيراً ما تتعثر بسبب الانفلات الأمني والتشظي السياسي.

وتقارن بين المشهد الحالي وما جرى في عام 2014، مشيرة إلى أن المواجهة الحالية تختلف جذرياً، إذ يوجد اليوم طرف مسلح في الجنوب يرفع شعارات مشابهة، لكن البيئة الاجتماعية والسياسية لا تهيئ لانفصال مستقر، بل قد تفتح الباب لصراعات إقليمية ودولية، خاصة في منطقة ذات أطماع استراتيجية حساسة.

وفي ختام حديثها، تتمنى ملاك عادل "أن تتخذ قيادة المجلس الرئاسي موقفاً وطنياً مستقلاً، وألا تنساق وراء الإملاءات الخارجية، مع التأكيد أن الهدف الحقيقي للحرب يجب أن يبقى استعادة العاصمة صنعاء، لا الانشغال بمعارك جانبية أو حسم مصير القضية الجنوبية في هذا التوقيت. المجتمع اليمني اليوم تغيّرت أولوياته، وبات يبحث عن أي طرف يدعم السلام والاستقرار ويؤمّن أبسط الحقوق المعيشية، وأي جهة تقف بصدق مع وحدة اليمن واستقراره، سيلتف الناس حولها دون تردد".