الأزمة الصامتة للصحة في أفغانستان... أدوية مفقودة ونساء محرومات من العلاج

يتجه النظام الصحي في أفغانستان يوماً بعد يوم نحو مزيد من الانهيار، فإغلاق المعابر التجارية مع باكستان، والتوترات الإقليمية، والقيود المفروضة على تعليم النساء، كلها عوامل أدت إلى نقص الأدوية، وتراجع أعداد الكوادر الصحية، وارتفاع معدلات الوفيات.

بهاران لهيب

أفغانستان ـ اعتمدت أفغانستان لسنوات طويلة على استيراد الأدوية والمستلزمات الصحية من باكستان وإيران، باعتبارهما من أقرب الدول المجاورة وأكثرها ارتباطاً بها، لكن مع تصاعد التوترات بين الحكومة الباكستانية وحركة طالبان، وإغلاق المعابر التجارية بين البلدين، بدأ المواطنون الأفغان يعانون من نقص حاد في الأدوية.

من جهة أخرى، ساهمت الحروب الدائرة في الشرق الأوسط، وخاصة في إيران، إلى جانب تأثيراتها الاقتصادية، في تفاقم أزمة نقص الأدوية داخل أفغانستان.
 

نقص الكوادر الصحية

إلى جانب أزمة الأدوية التي تفاقمت خلال العام الأخير، ازدادت أيضاً مشكلة نقص الكوادر الصحية، فبعد سيطرة طالبان على أفغانستان، غادر العديد من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي البلاد، كما فعل معظم المثقفين الذين فرّوا حفاظاً على حياتهم، وفي الوقت نفسه، مُنعت النساء من مواصلة الدراسة في مختلف التخصصات، بما فيها الطب.

ولم يتبقَّ سوى بعض المعاهد الصحية التي تقتصر مهامها على تدريب الممرضات والقابلات، وهي أيضاً تواجه يومياً المزيد من القيود والقمع.

وخلال العقدين الماضيين، كانت العائلات التي تمتلك أوضاعاً اقتصادية أفضل تسافر إلى الهند أو باكستان أو إيران لتلقي العلاج، خاصة المرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة مثل السرطان، أما اليوم، فإلى جانب أزمة نقص الأدوية، بات حتى القادرون مادياً عاجزين عن الحصول على تأشيرات دخول إلى إيران أو باكستان، حتى عبر السوق السوداء.
 

ارتفاع وفيات الأمهات أثناء الولادة

في أحياء وشوارع المدن الأفغانية الكبرى، وخاصة كابول، تنتشر العيادات والمستشفيات الخاصة، إلا أن تكاليف المعاينات الطبية وأسعار الأدوية مرتفعة جداً، ما يجعلها خارج قدرة معظم المواطنين، كما أن العديد من الأطباء في هذه المستشفيات يصفون أدوية باهظة الثمن وقوية التأثير، لا تتوفر إلا في صيدليات تابعة للمستشفى نفسه، الأمر الذي أدى إلى زيادة معاناة المرضى وارتفاع معدلات الوفيات.

وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في تقرير صدر بتاريخ 29 نيسان/أبريل الماضي، أنه إذا استمرت الأوضاع في أفغانستان على حالها، فإن البلاد ستواجه بحلول عام 2030 نقصاً يقدر بـ 25 ألف موظف في قطاعي الصحة والتعليم.

وأشار التقرير إلى أن أفغانستان ستفقد نحو 5400 عامل صحي بحلول عام 2030، كما أوضح أن نسبة العاملات في المؤسسات المدنية انخفضت من 21% بين عامي 2023 و2025 إلى 17%.

ومن جهتها، نشرت منظمة الصحة العالمية في 6 أيار/مايو الجاري تقريراً حذرت فيه من الارتفاع الكبير في وفيات الأمهات أثناء الولادة في أفغانستان، وذكر التقرير أن امرأتين أفغانيتين تفقدان حياتهما كل ساعة أثناء الولادة، فيما وصل معدل وفيات الأمهات إلى 521 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية.

وأرجعت المنظمة السبب الرئيسي لهذا الارتفاع إلى النقص الحاد في الكوادر الصحية والمتخصصين، الذين حُرموا خلال السنوات الخمس الماضية من مواصلة دراستهم أو التقدم للامتحانات التخصصية.


رواية طبيبتين عن الوضع الصحي

تقول نورية واحد، اختصاصية النساء والتوليد في مشفى كابول "بما أنني أعمل في أحد المستشفيات الحكومية في كابول، فإن معدل وفيات الأمهات أثناء الولادة أقل مقارنة بالولايات الأخرى، لأننا نتعامل مع إمكانيات أفضل".

وأضافت "لكن رغم أن كابول هي عاصمة البلاد، لا يوجد سوى مستشفيين حكوميين في المدينة بأكملها، ولا يقتصر المرضى على سكان المدينة فقط، بل يأتي إليها أيضاً مرضى من الولايات المجاورة. في كثير من الأحيان يُرقد ثلاثة مرضى في سرير واحد، ونحن نعمل بإمكانيات محدودة جداً".

ولفتت إلى أن "النقطة الإيجابية الوحيدة هي وجود بعض الأخصائيين، أما في بقية الولايات، وخاصة المناطق النائية، فالأهالي لا يملكون تقريباً أي خدمات صحية، لا أسِرّة ولا أدوية ولا معدات طبية، لذلك فإن معدلات الوفيات ترتفع عاماً بعد عام".

أما شكوفه وفا وهي طبيبة أمراض داخلية من مزار شريف فتقول "خلال السنة الأخيرة، إضافة إلى نقص الأجهزة والكوادر الصحية، واجهنا أيضاً نقصاً في الأدوية. كثيراً ما وصفتُ أدوية لمرضاي، لكنهم بحثوا عنها لأيام في مراكز الولايات وفي كابول دون أن يتمكنوا من العثور عليها. هذا الوضع جعلنا كأطباء عاجزين عن تقديم العلاج المناسب للمرضى".

وتضيف "إذا ابتعدت قليلاً عن مراكز المدن الكبرى في أفغانستان، لن تجد أي كادر صحي أو عيادات أو خدمات طبية. الناس يلجؤون أحياناً للعلاج بناءً على نصائح غير طبية، وتلد معظم النساء على يد قابلات غير متخصصات، وهو ما يؤدي أحياناً إلى وفاة الأم أو الطفل، ومع ذلك، يواسي الناس أنفسهم بالقول إن الأمر إرادة الله".

وبينت أنه "إذا استمرت القيود المفروضة على النساء، وخاصة في القطاع الصحي، فإن الوضع الصحي في البلاد سيتدهور أكثر فأكثر، وستزداد معدلات الوفيات الناتجة عن مختلف الأمراض".

ورغم أن الطبيبتين أعربتا عن قلقهما من الوضع الصحي في أفغانستان، وأن التقارير تشير إلى ارتفاع مستمر في معدلات المرض والوفاة، قال وزير الصحة في حكومة طالبان في أحد خطاباته "سنجعل النظام الصحي في أفغانستان بحيث لا يأتي فقط سكان الدول المجاورة، بل يأتي الناس من جميع أنحاء العالم للعلاج في أفغانستان". وقد قوبلت هذه التصريحات بسخرية وانتقادات واسعة من قبل المواطنين.