فتاة من الصعيد تتحدى الأعراف وتصل إلى منصات الرياضة العالمية
وسط نظرات مترددة ومجتمع لا يرى الرياضة إلا حكراً على الرجال، شقت آمال حسن حسين طريقها نحو العالمية، محولة التحدي إلى فرصة والرفض إلى دافع، حتى كتبت اسمها في سجل الرياضة المصرية والعربية كأستاذة جامعية وحكم دولي لكرة القدم.
إيمان سمير علي
مصر ـ من مدرجات كلية التربية الرياضية بجامعة أسيوط إلى قوائم التحكيم الدولي، ومن ملاعب الفرق النسائية الناشئة إلى منصات الرياضة العالمية، جسدت آمال حسن حسين قصة إرادة وإصرار تُلهم الفتيات في الصعيد ومصر كلها.
في مدينة أسيوط، حيث تتجذر العادات والتقاليد، ولدت قصة فتاة قررت أن تكسر القيود وتشق طريقها نحو المجد. آمال حسن حسين، ابنة الصعيد، لم ترضَ أن تكون أسيرة النظرة التقليدية التي حصرت الرياضة في عالم الذكور، بل واجهت المجتمع بعزيمة وصبر، حتى أصبحت أستاذة جامعية في كلية التربية الرياضية بجامعة أسيوط، وحكماً دولياً في كرة القدم.
بدأت رحلتها عام 2013 حين التحقت بكلية علوم الرياضة، في خطوة لم تكن يسيرة على الإطلاق، إذ كان المجتمع في صعيد مصر ينظر إلى هذا المجال باعتباره حكراً على الذكور، ورأى أن دخول فتاة إليه أمر غير مألوف. لكنها واجهت تلك النظرة بعزيمة لا تلين، وأصرّت على تحقيق حلمها متحدّية القيود الاجتماعية، حتى غدت مثالاً يُحتذى في الإرادة والنجاح.
النجاح ثمرة الجهد
تقول آمال حسن حسين أن البداية لم تكن سهلة، فقد واجهت رفضاً قاطعاً من أسرتها، لكن مع ظهور التنسيق الجامعي، كانت قد اجتازت اختبارات كلية علوم الرياضة، ووجدت أن هذا التخصص هو الأنسب لها بين الخيارات المتاحة. حاولت مراراً إقناعهم، وبفضل إصرارها المستمر وافقوا أخيراً، ومنحوها حرية اختيار طريقها.
منذ اللحظة الأولى وضعت نصب عينيها هدفاً واضحاً، أن تثبت جدارتها وتؤكد أن وجودها في هذا المجال ليس محض صدفة. وبالفعل منذ عامها الأول في الكلية بدأت تثبت تفوقها، إذ جاءت ضمن العشرة الأوائل، ثم تقدم ترتيبها لتصبح الثانية أو الثالثة بحسب النتائج، حتى تخرجت عام 2017 بالمركز الأول على دفعتها، ثم عُيّنت معيدة في الكلية نفسها عام 2018، مشيرةً إلى أن السنوات الأربع تلك لم تكن سهلة، فقد واجهت خلالها تحديات وصعوبات عديدة، لكنها تجاوزتها وبالاجتهاد الشخصي وبالدعم والتشجيع الذي تلقته من أساتذتها، كان النجاح ثمرة هذا الجهد.
وعن بدايتها في مجال كرة القدم، تقول إنها لم تكن لاعبة منذ الصغر، وإنما بدأت ممارسة اللعبة في سنتها الثانية بالجامعة، حين اقترح عليها أساتذتها أن تنضم إلى فريق كرة القدم النسائية، لتبدأ بذلك فصلاً جديداً من مسيرتها، لافتةً إلى أنه في ذلك الوقت لم تكن أسيوط تضم أي فرق نسائية لكرة القدم، حتى جاء عام 2015 ليشهد تأسيس نادي الشبان المسلمين لأول فريق نسائي بالمدينة.
وأضافت "بما أنني كنت أحمل شغفاً كبيراً بكرة القدم النسائية وباللعبة عموماً، وافقت على الفور، وانضممت بالفعل. شاركنا في دوري الممتاز عام 2015، وتمكّن فريق الشبان المسلمين من إحراز المركز الأول على مستوى الصعيد. آنذاك كانت الفرق النسائية في المنطقة نادرة للغاية، إذ لم يتجاوز عددها فريقين في أسوان وفريق واحد في المنيا".
ما بين عامي 2015 و2022 ظل أداء الفريق يتفاوت من موسم إلى آخر، وذلك نتيجة التغير المستمر في صفوف اللاعبات، إذ إن معظمهن كن طالبات في كلية علوم الرياضة، وما إن يتخرجن حتى يعدن إلى محافظاتهن، مما جعل استمرارهن في أسيوط أمراً صعباً، خاصة بالنسبة لمن يسكن في الوادي أو سوهاج. ومع مرور الوقت بدأ عدد اللاعبات يتناقص، وواجه الفريق أيضاً تحديات أخرى مرتبطة بالإمكانيات المحدودة.
ومع توقف نشاط الفريق انتهت مسيرة آمال حسن حسين كلاعبة كما أوضحت، حيث كانت تلك آخر سنة لها مع نادي الشبان، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في مجال التدريب، ففي عام 2019 شاركت في مشروع "1000 بنت 1000 حلم" التابع لوزارة الشباب والرياضة، وكان ذلك أول فرصة أُتيحت لها للتدريب.
ولفتت إلى أن مشروع "1000 بنت 1000 حلم" كان محطة فارقة، إذ كن يتوجهن إلى المدارس لنشر الفكرة وتشجيع الطالبات على خوض التجربة، خاصة أن المشروع كان مجانياً ويوفر ملابس رياضية كاملة، ومع الوقت بدأ أولياء الأمور يصطحبون بناتهم، وانتشر المشروع من أسيوط إلى المراكز الأخرى. وبفضل الجهود الجماعية، أصبح للمشروع فروع متعددة، وكانت زميلاتها اللواتي لعبن معها يتولين إدارة هذه المراكز، داعمات للفكرة ومؤمنات بها، واليوم توجد أكاديميات نسائية عديدة.
وقد تلقت لاحقاً عروضاً من الأكاديميات، حيث التحقت بأكاديمية الزمالك، ثم بمدرسة الكرة التابعة للجامعة، لتتسع خبرتها أكثر فأكثر. وطُلب منها في نادي الأسمنت أن تؤسس أكاديمية لكرة القدم النسائية تكون نواة لتشكيل فريق نسائي، وهي فكرة رحبت بها بحماس شديد، لأنها رأت فيها فرصة حقيقية لانتشار اللعبة في الصعيد، خاصة أن نادي الأسمنت والبترول يعدان من أبرز الأندية في مصر على حد قولها. ومع مرور الوقت بدأت الفكرة تنتشر، وتغير وعي المجتمع تجاه كرة القدم النسائية، خصوصاً مع عرض مباريات الدوري الممتاز على القنوات الفضائية.
أما عن دخولها مجال التحكيم، فكان عام 2019 حين أُقيمت اختبارات للحكمات، وأُتيح للفتيات التقديم، عُرض عليها المشاركة ورغم أنها لم تكن مستعدة آنذاك فقد تم تشجيعها على التقديم والاستعداد للاختبار البدني لاحقاً. تقدمت آمال حسن حسين وخاضت الامتحانات النظرية بنجاح، لكنها لم تتجاوز أول اختبار بدني لعدم معرفتها بنظامه، ثم اجتازت الإعادة وكانت الفتاة الوحيدة فيه. ومع مرور الوقت بدأت تفهم طبيعة التحكيم وتطور نفسها تدريجياً.
وبعد التدرج، تولت تحكيم مباريات الناشئين، ثم الدوري الممتاز للسيدات مع فريق المنيا، قبل أن تنتقل لتحكيم مباريات في القاهرة بين عامي 2021 و2024، رغم صعوبة التنقل بين أسيوط والقاهرة مع مسؤولياتها الجامعية. وفي عام 2021 ترشحت للاختبارات الدولية، لكنها لم تُوفق، فاعتبرت ذلك فرصة للتطوير. وفي العام الماضي أُدرج اسمها ضمن القائمة الدولية، لتصبح حكماً دولياً لكرة القدم عام 2025، وهذه هي سنتها الثانية في القائمة.