وريدة مداد... أيقونة الصمود في وجه الاستعمار الفرنسي

برزت المرأة الجزائرية شريكاً أساسياً في ثورة التحرير، حيث شاركت في العمل الفدائي وواجهت الاعتقال والتعذيب. وتُعد وريدة مداد من أبرز رموز هذا النضال، بعدما قدمت حياتها دفاعاً عن استقلال الجزائر.

مركز الأخبار ـ في سجل الثورة الجزائرية المليء بأسماء الرجال والنساء الذين واجهوا الاستعمار الفرنسي، يبرز اسم وريدة مداد بوصفها واحدة من الشابات اللواتي قدمن حياتهن ثمناً لحرية الوطن.

على الرغم من رحيلها المبكر، فإن سيرتها بقيت شاهدة على الدور المحوري الذي لعبته المرأة الجزائرية في معركة التحرير الوطني، حيث تحولت من فتاة تنحدر من أسرة متواضعة إلى فدائية حملت رسالة الثورة حتى آخر لحظة من حياتها.

ولدت وريدة مداد عام 1938 بمدينة الجزائر، لأسرة تنحدر أصولها من منطقة القبائل. نشأت في بيئة محافظة عرفت ظروفاً اجتماعية واقتصادية صعبة، إلا أن ذلك لم يمنعها من الالتحاق بالتعليم الابتدائي، قبل أن تضطر إلى الانقطاع عنه بسبب الأعراف الاجتماعية السائدة آنذاك.

لاحقاً تابعت دراستها في مدرسة الصباح الإسلامية، ثم اتجهت إلى التكوين المهني في مجال الخياطة، وهو المسار الذي كان شائعاً بين الفتيات في تلك الفترة.

 

من الحياة المدنية إلى العمل الفدائي

مع اندلاع ثورة التحرير الجزائرية في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954، بدأت وريدة مداد تتابع باهتمام أخبار الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي. وفي عام 1956، عندما استقبل منزل عائلتها عدداً من مجاهدي جبهة التحرير الوطني، طلبت بإصرار الانضمام إلى صفوف الثورة، رغم اعتراض والدها وخطورة المهمة.

اقتنع القادة بحماسها، ومنحوها الاسم الحركي "مريم"، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها عنوانها النضال السري والعمل الفدائي داخل العاصمة الجزائرية، التي كانت آنذاك مسرحاً لمعارك شرسة.

مع تصاعد ما عُرف بـ "معركة الجزائر"، أصبحت مهمة وريدة مداد أكثر خطورة، إذ فرضت القوات الفرنسية حصاراً أمنياً مشدداً على أحياء العاصمة، وكثفت حملات الاعتقال والتفتيش. وبرغم ذلك، واصلت أداء مهامها بثبات، وأسهمت في الحفاظ على التواصل في ظروف بالغة التعقيد.

 

الاعتقال والتعذيب

في عام 1957، وبعد اعتقال أحد الفدائيين تحت التعذيب، تمكنت القوات الفرنسية من الوصول إلى عدد من أفراد الشبكة الفدائية، وكان من بينهم وريدة مداد.

اقتيدت إلى أحد مراكز الاستنطاق، حيث تعرضت لأشكال قاسية من التعذيب بهدف انتزاع معلومات عن نشاط جبهة التحرير الوطني وأسماء رفاقها. وتشير الروايات التاريخية إلى أنها بقيت متمسكة بصمتها، ورفضت الإدلاء بأي معلومة يمكن أن تضر بالمقاومة الجزائرية.

وبعد فشل المحققين في كسر إرادتها، تعرضت للتعذيب والرمي بها من شرفة إحدى الأبنية ما أدى إلى فقدانها حياتها في الثاني من آب/أغسطس 1957، وهي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها. وتُعد وفاتها واحدة من أبرز صور صمود المرأة الجزائرية خلال حرب التحرير.

 

إرث خالد

بعد استقلال الجزائر، أصبحت وريدة مداد من الشخصيات الوطنية التي يُحتفى بذكراها سنوياً، وأُطلقت تسميتها على عدد من المؤسسات التعليمية والأحياء والشوارع في مختلف ولايات البلاد، تخليداً لتضحياتها وترسيخاً لذاكرة الثورة لدى الأجيال الجديدة.

كما تحمل دفعات جامعية ومؤسسات رسمية اسمها، ومن بينها الدفعة الحادية عشرة للمدرسة العليا للضمان الاجتماعي التي سُمّيت باسم الشهيدة وريدة مداد تكريماً لمسيرتها الوطنية.

تعكس قصة وريدة مداد جانباً مهماً من تاريخ الثورة الجزائرية، إذ لم تكن النساء مجرد داعمات للمقاومة، بل شاركن في العمليات الفدائية ونقل السلاح والرسائل، وتحملن الاعتقال والتعذيب.

لقد كانت وريدة مداد واحدة من الفتيات اللواتي اخترن طريق الحرية على حساب حياتهن، لتظل سيرتها رمزاً للوفاء للوطن، ودليلاً على أن المرأة الجزائرية كانت شريكاً أساسياً في صناعة الاستقلال، وأن تضحياتها لا تزال حاضرة في وجدان الجزائريين حتى اليوم.