"هيدي لامار" أيقونة جمعت بين عالمين مختلفين... التمثيل والعلوم

كانت هيدي لامار نجمة هوليوود في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، تخفي خلف صورتها الفنية عقلاً لامعاً وموهبة استثنائية في الابتكار، أسهمت لاحقاً في تطور تقنيات الاتصالات اللاسلكية التي يتم الاعتماد عليها اليوم.

مركز الأخبار ـ اشتهرت هيدي لامار بجمالها وأدوارها السينمائية التي جعلت منها أيقونة في عصرها، لكن خلف صورة النجمة الجميلة، كانت تخفي شغفاً كبيراً بالعلوم والتكنولوجيا، وأسهمت أفكارها لاحقاً في تاريخ الاتصالات اللاسلكية.

وُلدت هيدي لامار، واسمها الأصلي هيدفيغ إيفا ماريا كيسلر (Hedwig Eva Maria Kiesler)، في فيينا يوم 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1914، لعائلة يهودية، ومنذ طفولتها أبدت فضولاً تجاه الآلات وكيفية عمل الأشياء، واهتمت بالعلوم والتكنولوجيا، رغم أنها لم تحصل على تعليم جامعي متخصص في هذا المجال.

 

 

من المسرح إلى هوليوود

بدأت هيدي لامار علاقتها بالفن في سن مبكرة، فالتحقت في السادسة عشرة من عمرها بمدرسة المخرج المسرحي ماكس راينهارت في برلين لدراسة التمثيل والمسرح.

وفي عام 1933، ظهرت في الفيلم التشيكي (Ecstasy) عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وأثار الفيلم جدلاً واسعاً بسبب جرأة بعض مشاهده، وأصبح من الأعمال المرتبطة ببدايات مسيرتها الفنية.

لاحقاً تزوجت تاجر الأسلحة النمساوي فريتز ماندل، وكانت حياتها الزوجية صعبة ومليئة بالقيود إلا أنها خلال تلك الفترة اقتربت من عالم الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، وحضرت اجتماعات شارك فيها مهندسون وضباط عسكريون، واستمعت إلى نقاشاتهم حول الأسلحة وأنظمة الاتصالات اللاسلكية، ما ساعدها على اكتساب معرفة تقنية استفادت منها لاحقاً.

وبعد فشل زواجها، غادرت أوروبا متوجهة إلى الولايات المتحدة، ووقعت عقداً مع شركة MGM، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها، وسرعان ما أصبحت واحدة من أبرز نجمات هوليوود، إلا أن شهرتها وجمالها طغيا على اهتمامها الآخر بالعلوم والاختراع.

 

العقل المبتكر خلف الجمال الساحر

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، أرادت هيدي لامار المساهمة في المجهود الحربي ضد النازيين بطريقة تتجاوز عالم التمثيل، وبالتعاون مع الموسيقار جورج أنثيل، بدأت التفكير في مشكلة الطوربيدات التي يتم التحكم فيها بواسطة موجات الراديو.

فإذا تمكن العدو من اكتشاف التردد المستخدم، كان بإمكانه التشويش على الإشارة وتعطيل الطوربيد أو تغيير مساره لذلك اقترحت لامار وجورج أنثيل فكرة تقوم على انتقال الإشارة بسرعة بين ترددات مختلفة، بدلاً من بقائها على تردد ثابت واحد.

وكان من المفترض أن تتم مزامنة جهاز الإرسال والاستقبال، بحيث يعرف كلاهما التردد التالي الذي ستنتقل إليه الإشارة، وبذلك يصبح اعتراض الإشارة أو التشويش عليها أكثر صعوبة.

واستلهم أنثيل فكرة المزامنة من آلية عمل البيانولا (Pianola)، وهي آلة بيانو ميكانيكية تعمل بواسطة لفائف مثقبة. وفي عام 1942، حصل الاثنان على براءة اختراع لنظام اتصالات سري قائم على هذه الفكرة، وقدما الاختراع للمساهمة في المجهود الحربي الأمريكي.

 

اختراع سبق عصره

لم يحظَ الاختراع باهتمام كبير في ذلك الوقت، لكنه أصبح لاحقاً جزءاً مهماً من تاريخ تقنيات الاتصالات اللاسلكية.

ومع تطور التكنولوجيا، ارتبطت فكرة القفز الترددي بتقنيات الاتصالات الحديثة، وأسهمت في الإرث العلمي الذي سبق ظهور أنظمة مثل البلوتوث والواي فاي، ومع ذلك فإن هذه التقنيات هي نتاج العديد من التطورات العلمية والهندسية، وليست نتيجة اختراع هيدي لامار وحده.

 

امرأة لم يرَ العالم فيها سوى الجمال

تكمن المفارقة في حياة هيدي لامار في أن العالم عرفها لفترة طويلة بسبب جمالها، بينما لم يحظَ عقلها المبتكر بالاهتمام نفسه.

كانت ممثلة ونجمة سينمائية، لكنها كانت أيضاً امرأة شغوفة بالعلوم، وقادرة على التفكير في حلول لمشكلات تقنية معقدة، لتصبح قصتها مثالاً على أن الموهبة العلمية يمكن أن تختبئ خلف صورة لا يتوقعها الآخرون.