متحف "باردو" حين تروي الجدران حكايات لم تدونها كتب التاريخ
بين زخارف أكبر وأقدم فسيفساء في العالم وتاريخ يتجاوز الـ 3000 سنة، تروى قصص النساء كُنّ ضمن دوائر القرار في متحف يؤرخ تاريخ الإنسان.
تونس ـ خلف البوابات المهيبة لمتحف "باردو" في العاصمة التونسية، لا يقف الزائر أمام مجرد معروضات أثرية صامتة، بل أمام ذاكرة نابضة بالحياة. ففي هذا القصر العائد إلى القرن التاسع عشر "قصر البايات" تتعانق العمارة التونسية الأصيلة مع الزخارف الأندلسية والتركية في مشهد يأسر العين والروح. اليوم، لا يُعد المتحف مجرد مخزن للتحف، بل بيتاً يروي قصة الإنسان والأرض، ومرآة للحضارات التي مرت على تونس عبر القرون.
تأسس المتحف رسمياً في عام 1888 باسم "المتحف العلوي"، في قلب قصر البايات الذي كان مقراً لإقامة حكام تونس من العائلة الحسينية، لم يكن اختيار القصر صدفة، بل كان يحمل رمزية سياسية واجتماعية لربط "الحداثة" التي تبنتها الدولة التونسية في القرن التاسع عشر بالتراث العريق للبلاد. إن هذا التأسيس داخل أسوار القصر الملكي حوّل المكان من فضاء خاص للحكام إلى فضاء عام للشعب، حيث تعايشت الزخارف الأندلسية والتركية المنتشرة في دهاليزه لتروي قصة التلاقح الحضاري، ممتزجة بالرخام الفاخر والأبواب الخشبية الصلبة التي لا تزال تنبض بحكايات العصر الذهبي للقصر، خاصةً تلك المساحات التي كانت مخصصة للأميرات والجواري، اللواتي تركن بصمتهن غير المرئية في تفاصيل الزخرفة والذوق العام الذي طبع حياة القصر.
وفي قاعات الفسيفساء، التي تُعد الأكبر من نوعها في العالم، تتجمد اللحظات على قطع صغيرة رُصت بعناية فائقة، لتتحول الأحجار الصماء إلى لوحات توثق "تاريخ النساء" بمفهومه الإنساني الشامل. هنا، لا تظهر المرأة ككائن ثانوي، بل كفاعل أساسي في صلب الحياة الرومانية والقرطاجية؛ فهي الأم، والملكة، والعازفة، والراقصة، والربة التي تدير شؤون البيت، إن دقة هذه اللوحات تكشف تفاصيل دقيقة عن أزيائهن، تسريحات شعرهن، وطقوسهن اليومية، مما يمنحنا منظوراً مغايراً للتاريخ بعيداً عن صخب المعارك التي خاضها الرجال، لقد حولت هذه الفسيفساء المرأة من "أثر" إلى "بطلة" للقصة، حيث توثق ملامحهن بصدقٍ يكسر حاجز الزمن، لتصبح كل لوحة بمثابة "بورتريه" يومي يحكي دور المرأة في تسيير الحياة، والحفاظ على التقاليد، وتشكيل الهوية المجتمعية.
لم يكن طريق "باردو" مفروشاً بالورود؛ ففي آذار/مارس 2015، شهد هذا المتحف هجوماً إرهابياً أليماً، لكنه بفضل صمود إرثه وتضحيات العاملين فيه، اختار طريق التعافي. إن هذا الصمود ليس مجرد واقعة عابرة، بل هو دليل قاطع على أن الجمال والثقافة هما أقوى سلاح في مواجهة الظلام، فالمتحف لم يكتفِ بالتعافي من الجرح الغائر، بل استمر في كونه شاهداً حياً على هوية تونسية متجذرة لا تقبل الاندثار، مؤكداً أن الإرث الإنساني بما فيه تجارب النساء التي حفظها هذا المكان، أقوى من رصاص الترهيب.
إن زيارة "باردو" اليوم تعد بمثابة إعادة قراءة للتاريخ من زاوية المكان الذي احتضن قصص النساء عبر العصور وحفظها من النسيان خلف نقوشه ورخامه، إن هذه العناصر مجتمعة تجعل من "باردو" أكثر من مجرد متحف، بل فضاءً للذاكرة الوطنية التي تربط بين ماضي القصور الملكية وحاضرنا الذي يرفض الانكسار.
ويظل باردو "وثيقة بصرية" ودرساً حياً في المقاومة؛ لذا فإننا ندعو القارئ اليوم لتأمل هذا التاريخ من زاوية مغايرة، مفتوحة لكل من يبحث عن حكايات النساء التي لم تدونها كتب التاريخ التقليدية، وعن عبق الماضي وجمال الصمود.