فاضمة وحرفو… سيرة امرأة بين الذاكرة الشفوية وأرشيف سنوات الرصاص
تظل السرديات النسائية عن سنوات الرصاص في المغرب بين الذاكرة الشفوية والتوثيق الناقص، مع محدودية الأرشيف المنشور. وتبرز سيرة فاضمة وحرفو نموذجاً لتقاطع الرواية العائلية مع جهود إعادة بناء الذاكرة التاريخية لتلك المرحلة.
حنان حارت
المغرب ـ في أعالي جبال الأطلس الكبير الشرقي، بمنطقة إملشيل التابعة لإقليم ميدلت وسط المغرب، تبدأ حكاية امرأة تتحول لاحقاً إلى واحدة من القصص المتداولة في الذاكرة الشفوية لمرحلة تعرف في المغرب بـ"سنوات الرصاص"، في تقاطع بين روايات العائلات ومعطيات التوثيق الحقوقي.
تظل سيرة فاضمة وحرفو، وهي امرأة أمازيغية ولدت سنة 1934 بقصر السونتات بجماعة بوزمو، حاضرة في الذاكرة المحلية، في مقابل محدودية التوثيق الفردي المتاح في الأرشيفات العمومية المنشورة حول مسارها.
وتستخدم عبارة "سنوات الرصاص" في المغرب للإشارة إلى فترة تمتد تقريباً من ستينيات إلى تسعينيات القرن الماضي، وثقت خلالها تقارير حقوقية رسمية ودولية وقوع أنماط من الاعتقال التعسفي وانتهاكات لحقوق الإنسان.
اعتقال ومسار احتجاز متسلسل
تجمع شهادات عائلية وروايات متقاطعة على أن فاضمة وحرفو اعتقلت في آذار/مارس 1973 من منزل أسرتها بقصر السونتات، برفقة والدتها وشقيقها، من قبل عناصر من الدرك والجيش والقوات المساعدة.
وتفيد هذه الروايات بأنها نقلت أولاً إلى منطقة بوزمو قرب إملشيل، حيث احتجزت لمدة تقارب ثمانية أيام، قبل الإفراج عن والدتها وشقيقها، فيما استمر احتجازها ونقلها لاحقاً إلى سلسلة من مراكز الاحتجاز.
وتشير الشهادات نفسها إلى أنها نقلت إلى معتقل "الكوربيس"، ثم إلى "درب مولاي الشريف" في الدار البيضاء، قبل تحويلها إلى مركز أكدز جنوب شرق المغرب.
ولا تتوفر في المصادر المفتوحة وثائق رسمية منشورة توثق بشكل فردي ومفصل جميع مراحل هذا المسار.
انقطاع الأخبار وروايات متباينة
تجمع روايات عائلية على أن أخبار فاضمة وحرفو انقطعت بعد فترة من اعتقالها، في ظل غياب أي تواصل رسمي مع الأسرة.
وتفيد روايات متداولة بأن اعتقالها كان مرتبطاً، بحسب هذه الشهادات، بـ "دعمها للثوار"، وأنها خضعت للاستنطاق بعد اقتيادها من المنزل.
وفاة سنة 1976 داخل مركز أكدز
توفيت فاضمة وحرفو في 20 كانون الأول/ديسمبر 1976 داخل مركز أكدز، في جنوب شرق المغرب. وقعت الوفاة في سياق ظروف احتجاز قاسية، غير أن هذه المعطيات لا تستند إلى وثائق قضائية منشورة أو ملفات رسمية فردية متاحة في المصادر المفتوحة تفصل ظروف الوفاة بشكل دقيق.
وتفيد روايات أن ملامح فاضمة وحرفو لم تكن متداولة على نطاق واسع لسنوات طويلة، قبل أن يعثر، بحسب هذه الروايات، على صورة شخصية لها بين أغراضها الخاصة بعد وفاتها، ليتم لاحقاً تداولها عبر وسائل التواصل الافتراضي في سياق إعادة إحياء ذاكرتها.
استعادة فنية للذاكرة
تم استحضار سيرة فاضمة وحرفو في العمل المسرحي "الواشمة" للفنانة فاطمة الزهراء السنداني، الذي يعالج الذاكرة النسائية المرتبطة بفترات تاريخية سابقة في المغرب.
وقالت فاطمة الزهراء السنداني لوكالتنا إن شخصية فاضمة وحرفو، كما وردت في الذاكرة الشفوية المرتبطة بمرحلة "سنوات الرصاص"، تمثل بالنسبة للعمل نموذجاً لسير نسائية ظلت موزعة بين الرواية العائلية والتوثيق الحقوقي غير المكتمل، حيث تتداخل الشهادات الشفوية مع محدودية الأرشيف الفردي المنشور، ما يجعل إعادة بناء المسار التاريخي لهذه الشخصيات عملية مركبة تتجاوز الوثيقة الرسمية وحدها.
واعتبرت أن استحضار هذه السيرة في الفضاء المسرحي يندرج ضمن محاولة لإعادة الاعتبار الرمزي لهذه التجارب، عبر نقلها من دائرة الصمت أو التوثيق الناقص إلى فضاء فني يسمح بإعادة مساءلة كيفية تشكل الذاكرة الجماعية، ومن يملك سلطة كتابتها وتحديد ما يحفظ منها وما يهمش.
كما أشارت إلى أن هذا العمل الفني يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم "العدالة الذاكراتية"، باعتباره مساراً لا يقتصر على الاعتراف القانوني أو التوثيق المؤسسي، بل يشمل أيضاً إعادة إدماج التجارب المنسية في السردية الثقافية الوطنية، وإعادة التفكير في الحدود الفاصلة بين ما هو مؤرخ رسمياً وما ظل حياً فقط في الذاكرة الشفوية.
بين الذاكرة والأرشيف
تظل سيرة فاضمة وحرفو، في ظل غياب توثيق فردي مكتمل في الأرشيف العمومي المنشور، مثالاً على التوتر القائم بين الذاكرة الشفوية والتوثيق المؤسساتي في مقاربة مرحلة من تاريخ المغرب لا تزال موضوع بحث حقوقي وتاريخي مفتوح.
ولا تبدو هذه السيرة مجرد قصة فردية معزولة، بل جزءاً من سردية أوسع لنساء من "سنوات الرصاص"، حيث تتقاطع الشهادات العائلية مع محاولات التوثيق الحقوقي وإعادة البناء التاريخي لما لم يوثق بالكامل بعد.