"الواعرات"... نساء مغربيات يحوّلن الطموح إلى حكايات ملهمة
في الوقت الذي يبحث فيه الأطفال عن الأبطال بين صفحات الحكايات الخيالية، اختار كتاب "الواعرات" أن يفتح أمامهم باباً آخر، يقودهم إلى بطلات حقيقيات صنعن مساراتهن في العلم والفن والرياضة وريادة الأعمال والعمل المدني والثقافة.
مركز الأخبار ـ تبدأ حكاية كتاب "الواعرات: قصص بطلات لا يعرفن المستحيل"، المعروف بالفرنسية باسم Les Intrépides""، من سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في داخله الكثير من الدلالات؛ من هن النساء اللواتي يتعرف إليهن الطفل المغربي بوصفهن بطلات وقدوات؟
في عالم الطفولة، غالباً ما تأتي البطولات من صفحات الحكايات الخيالية؛ أميرات ومحاربات وشخصيات خارقة تتحدى المستحيل. لكن فريقاً من النساء المغربيات رأى أن الواقع نفسه مليء بالبطلات، وأن المغرب يزخر بنساء عشن تجارب استثنائية، ونجحن في العلوم والفنون والرياضة وريادة الأعمال والعمل المدني والثقافة، ومع ذلك لا تحضر قصصهن بالقدر نفسه في مخيلة الأطفال.
من هنا ولدت فكرة "الواعرات"، وهي مبادرة أطلقتها جمعية "Mentor’Elles"، التي تأسست سنة 2016 وتعمل على تمكين النساء مهنياً من خلال الإرشاد والإلهام والتكوين وبناء شبكات العلاقات. غير أن المشروع قرر هذه المرة أن يذهب أبعد من النساء الموجودات بالفعل في الحياة المهنية، وأن يصل إلى مرحلة مبكرة؛ مرحلة تكوين الحلم نفسه لدى الطفل.
من الواقع إلى الحكاية
لم يكن الهدف من "الواعرات" أن يكون كتاباً أكاديمياً يسرد السير الذاتية بالتفصيل، ولا موسوعة تجمع أسماء النساء المغربيات الناجحات. كانت الفكرة أكثر قرباً من الحكاية.
أراد أصحاب المشروع أن يأخذوا مسارات حقيقية لنساء مغربيات، ثم يعيدوا تقديمها بلغة قريبة من الأطفال والشباب، بحيث تصبح العالمة والمهندسة والفنانة والرياضية والمقاولة والناشطة شخصيات يمكن للقارئ الصغير أن يتخيلها.
ولهذا جاء الكتاب في منطقة وسطى بين السيرة والحكاية والكتاب التربوي والتوثيق الثقافي. فهو ينطلق من وقائع وشخصيات حقيقية، لكنه لا يقدمها في شكل جاف أو أكاديمي، وإنما يحول مساراتها إلى قصص قابلة للقراءة والتذكر.
البداية كانت في 2023
في 8 آذار/مارس 2023، تزامناً مع اليوم العالمي للمرأة، خرج الجزء الأول من "الواعرات" إلى النور، حاملاً قصص عشر نساء مغربيات ينتمين إلى مجالات وتجارب مختلفة. كانت بينهن المصورة الفوتوغرافية والناشطة ليلى علوي، ومتسلقة الجبال بشرى بايبانو، والسباحة في المياه المفتوحة نادية بنبعثان، والفيزيائية والباحثة رجاء الشرقاوي المرسلي، والناشطة الحقوقية عائشة الشنا، والبطلة الرياضية والمسؤولة الرياضية نوال المتوكل.
وضمت القائمة أيضاً إميلي كين، وأسماء لمرابط، وفاطمة المرنيسي، والشعيبية طلال؛ نساء ينتمين إلى عوالم مختلفة، لكن يجمعهن شيء واحد؛ أنهن صنعن لأنفسهن مكاناً في مجالات لم تكن دائماً سهلة أو مفتوحة أمام النساء بالقدر نفسه.
وراء هذه القصص كان هناك عمل بحثي لجمع المعلومات والتحقق منها والتواصل مع الشخصيات أو أقاربها، والاستعانة بمؤرخين ومثقفين، قبل أن تُعاد صياغة المادة في صورة قصصية مبسطة تناسب الجمهور المستهدف. وهكذا لم تكن "الواعرات" مجرد عملية اختيار أسماء معروفة، بل محاولة لتحويل الذاكرة النسائية المغربية إلى مادة يمكن أن تصل إلى الطفل في البيت والمدرسة وبين يديه كتاب مصور.
في 2025 تتسع الحكاية
بعد عامين من الجزء الأول، عادت "الواعرات" في آذار/مارس 2025 بجزء ثانٍ، هذه المرة بخمس عشرة قصة ومساراً نسائياً. وكان هذا التوسع دليلاً على أن المشروع لم يكن مبادرة عابرة، بل بدأ يتحول إلى سلسلة مستمرة.
في هذا الجزء، تتسع الخريطة أكثر. تظهر أمينة العراقي السلاوي من خلال نشاطها للأشخاص في وضعية إعاقة، وتأتي شميشة الشافعي من عالم الطبخ المغربي، بينما تحضر الفنانة والمغنية أم الغيث بن الصحراوي من عالم الموسيقى.
ثم يأخذ الكتاب القارئ إلى السينما والتراث مع المخرجة يزة جنيني، وإلى العلم وريادة الأعمال مع إلهام قدري، وإلى الطب والعمل المدني مع حكيمة حميش، وإلى الأزياء مع فضيلة الكادي.
وفي الرياضة، نجد ماجدة برابيج في الرياضات الذهنية وبشرى كربوب في التحكيم الدولي لكرة القدم، بينما تمثل مريم بلكيحل عالم المغامرة.
أما العلوم فتعود بقوة مع الفيزيائية والباحثة كوثر حفيظي، في حين تظهر ريادة الأعمال مع رحمة المودن، والهندسة المعمارية مع عزيزة الشاوني، والعمل الجمعوي والتعاوني مع كنزة أولغدى، وتكنولوجيا الروبوتيك من خلال الشقيقتين ليلى وإيمان برشان.
في الجزء الأول، استعان المشروع برسومات وبورتريهات أنجزتها فنانات مغربيات، وهو ما منح الكتاب بعداً بصرياً ينسجم مع موضوعه. وهذه الصورة تساعده على ربط الاسم بالمجال والقصة.
اختار المشروع أيضاً أن يقدم الكتاب باللغتين العربية والفرنسية، وهو خيار ينسجم مع طبيعة المجتمع المغربي وتنوع جمهوره.