العنبر الخامس… رواية تكشف العتمة الداخلية للمرأة في فضاء السجن
"العنبر الخامس" رواية عن الخوف، والنجاة، والذاكرة، والبحث عن الذات، مكتوبة بلغة مكثفة، وبحساسية عالية تجاه الألم الإنساني، فهي ليست رواية عن السجن فقط، بل عن المرأة حين تُدفع إلى حافة الوجود.
مركز الأخبار ـ تقدّم الروائية والقاصة العُمانية آية السيابي في روايتها "العنبر الخامس... الحياة في سجن النساء" عملاً سردياً جريئاً يقتحم واحداً من أكثر الفضاءات قتامة وغموضاً في الأدب العربي.
تعمل آية السيابي من خلال الرواية الصادرة عن دار "الآن ناشرون وموزعون" في عمّان عام 2025، على تفكيك الذات الأنثوية، واستنطاق المسكوت عنه في التجربة الإنسانية.
تستهل روايتها برسالة تمهيدية بعنوان "رجاء!"، تعلن فيها انحيازها للأنوثة، وتضع القارئ أمام عتبة نص يشتبك مع الألم والذاكرة والهوية. وتعتمد على اللغة المكثفة التي تقود مباشرة إلى قلب الحدث، دون مقدمات طويلة، ما يمنح السرد إيقاعاً سريعاً ومشحوناً بالتوتر.
الغلاف الأخير للرواية يضم ثلاث عبارات قصيرة، تشكّل مفاتيح دلالية لأجزاء الرواية، وتكشف منذ البداية عن عالم سردي قائم على الصدمة، والظلمة، والبحث عن الخلاص.
تعتمد الرواية على تعدد الساردين، وهو خيار فني يتيح لكل سجينة أن تروي قصتها، وأن تكشف عن جراحها الخاصة. كما أن هذا التعدد يمنح الرواية عمقاً إنسانياً، ويجعل القارئ قريباً من الشخصيات، خصوصاً أن كل واحدة منهن تحمل تاريخاً من القهر، والخذلان، والبحث عن معنى.
من بين هذه الشخصيات تبرز الزين "أم فضيلة"، التي تعيش صراعاً داخلياً مع كوابيس متكررة، وتكتشف لاحقاً أن ابنتها "علياء" كانت تخدعها بوسائد موضوعة تحت الغطاء. هذا المشهد يفتح الباب أمام أسئلة الرواية الكبرى "ما الذي يحدث حين تُسلب الحقيقة من النساء؟ وكيف يتحول الخوف إلى قدر يومي؟".
تقدّم الرواية أيضاً السجن بوصفه فضاءً للعدم، حيث يتلاشى الزمن، وتتحول الحياة إلى انتظار طويل. وتستعير آية السيابي من أدبيات السجون العربية مثل "شرق المتوسط" روح المكان القمعي، لكنها تمنحه بعداً نسائياً خاصاً، يجعل التجربة أكثر تعقيداً، وأكثر التصاقاً بالجسد والهوية.
السجن في رواية "العنبر الخامس... الحياة في سجن النساء"؛ ليس جدراناً فقط، بل مرآة للاغتراب الوجودي، وللعنف الرمزي الذي يلاحق النساء داخل السجن وخارجه.
تمنح آية السيابي سجيناتها أسماء رمزية مثل "الكبيرة، الفاجرة، الكافرة، النعجة، النغلة، العجوز، النواحة، صنتوب"، هذه الأسماء ليست مجرد ألقاب، بل أقنعة تكشف عن العزلة، والدونية، والوصم الاجتماعي الذي يلاحق النساء حتى داخل السجن.
وتبرز شخصية "فضيلة" بوصفها نموذجاً للمرأة التي تحاول استعادة قوتها عبر فعل عنيف، في مفارقة تكشف هشاشة الجسد الأنثوي حين يُحاصر بين القمع والذنب.
من أكثر مشاهد الرواية قوة هو ولادة طفل داخل السجن، وهو حدث يتحول إلى مفارقة سردية تهزّ بنية المكان. فالطفل أصبح رمزاً لـ "الأمل، والأمومة، والمستقبل"، في مواجهة عالم يفيض بالموت الرمزي والجسدي. هذا الحدث يعيد تشكيل العلاقات بين السجينات، ويكشف أن الحياة قادرة على اختراق الجدران الرمادية مهما اشتد القمع.