من ظلام الأنفال إلى نور الإرادة… رحلة شكريا عثمان مع الألم والأمل

وسط ظلام الأنفال القاتم، وجدت شكريا عثمان نفسها وحيدة تحمل طفلين بين ذراعيها، لكن الفقر والتهجير والخوف لم يتمكنوا من كسرها. قاومت بكل ما تبقّى في قلبها من قوة، لتغدو رمزاً لصمود المرأة الكردية التي رفضت أن تهزمها المأساة.

شيا كويي

كويه ـ في ربيع عام 1988، حين كانت رياح الحرب تعصف بجبال كردستان وسهولها، وحين كان صوت المدافع يعلو على أصوات البشر، شهدت منطقة كويه واحدة من أكثر مراحل حملة الأنفال وحشية. تلك الحملة التي نفذها نظام البعث لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل كانت محاولة لاقتلاع شعب بأكمله من جذوره، وتدمير كل ما يمت للحياة بصلة.

في المرحلة الرابعة من الأنفال، التي استمرت ثلاثة أيام فقط، تعرض مركز قضاء كويه وناحية شارادي والقرى التابعة لهما إلى عمليات اعتقال جماعي، تهجير، وإبادة في 69 موقعاً مختلفاً. وفي تلك الأيام السوداء، فقدت كويه وحدها 856 مواطناً، معظمهم رجال وفتيات ونساء، تاركين خلفهم آلاف الأطفال بلا آباء، ونساء بلا سند، وبيوتاً بلا حياة.

من بين تلك القصص التي بقيت محفورة في ذاكرة الألم، تبرز قصة شكريا عثمان حسن، المرأة التي واجهت مصيراً لم تختره.

 

من قرية كلنكازي إلى قلب المأساة

وُلدت شكريا عثمان عام 1968 في قرية كلنكازي في سهل كويه. تزوجت عام 1984 وانتقلت للعيش في قرية كاني هنجير التابعة لناحية شارادي. كانت حياتها بسيطة، مليئة بالأمل، خاصة بعد أن رزقت بابنتها الأولى شيرين، ثم بابنها فرهاد الذي لم يكمل شهره الأول حين بدأت الكارثة. لكن ذلك الربيع لم يكن كسائر الفصول. كان ربيعاً محمّلاً بالموت.

تجلس شكريا عثمان اليوم في أحد بيوت قريتها المهدمة، تتأمل الجدران التي شهدت على صرخات الماضي، وتروي تلك الليلة التي لم تغادر ذاكرتها "في العاشرة ليلاً، جاءنا خبر بأن حملة الأنفال ستبدأ، وأن علينا إخلاء القرية فوراً. خرجنا جميعاً نساءً وأطفالاً فقط. الرجال لم يُسمح لهم بمرافقتنا".

كانت تحمل طفليها، أحدهما لم يكمل شهره، والآخر لم يتجاوز عاماً واحداً. كانت تمشي بلا اتجاه، بلا سند، بلا فكرة عمّا ينتظرها.

تتابع شكريا عثمان قصتها وتقول "تابعنا السير حتى صادفنا حاجي خضر من شارازا، فأوصلنا إلى مدينة كيس. لم يكن هناك أحد مدينة كاملة بلا بشر. كنت أحمل طفليّ ولا أعرف إلى أين أذهب. كان يوماً أسود في كويه".

ولفتت إلى أنه في تلك اللحظة، رأت هيكل بيت قيد الإنشاء. نادت فتاة كانت هناك وطلبت منها أن تعتني بطفليها، ثم تابعت طريقها إلى بيت والدها. وعندما وصلت، وجدته يبكي ظناً أنها اعتُقلت مع أختها.

بعد أيام قليلة، بدأت طائرة مروحية تُعرف باسم "بيرق" تحوم فوق المنطقة، تنادي عبر مكبرات الصوت "لا يخرج أحد… سنعيدكم"، كان زوج شكرية حينها قد عاد إلى المدينة مع مجموعة من الرجال. طلبت منه أن يذهب ويسأل عن إخوتها الثلاثة الذين اعتُقلوا مع أختها. ذهب إلى مقر المستشار مام محيا، المعروف بمساعدته للناس ومنعه الاعتقالات، لكن الخبر الذي وصل كان كالصاعقة "بيرق سلّم المعتقلين إلى مقرات الأنفال… وتم ترحيلهم جميعاً".

وتضيف شكريا عثمان بصوت يختنق "وقع زوجي أيضاً في قبضتهم وكذلك شقيقته مع أطفالها التسعة. لم أرى أحداً منهم بعد ذلك. ومنذ ذلك اليوم بدأت معاناتي الطويلة".

 

أربع سنوات من الفقر وامرأة تقاتل من أجل البقاء

بعد فقدان زوجها، أخذها والدها مع شقيقتها وابنة خالها التي فقدت 14 فرداً من عائلتها. كان والدها يعيلهم جميعاً، يجمع الحطب ليطعم هذا البيت الكبير.

تقول شكريا عثمان "بقينا سنة كاملة نعيش على مائدة والدي. بعد سنة بدأت أعمل كعاملة يومية. كنت أترك أطفالي عند والدتي وأذهب مع النساء إلى قرية هَرمو. نعمل طوال اليوم مقابل دينارين فقط".

وتضيف "أحياناً كان يمر شهر كامل دون أن أحصل على دينار واحد. كنا نصعد الجبال لجمع الحطب. والدتي كانت تعتني بطفلي. عشنا حياة قاسية جداً وربّيت أطفالي بأنفاس باردة مليئة بالمعاناة".

 

التعليم… وصية أم لا تنكسر

رغم الفقر، الجوع، لم تتخلَّ شكريا عثمان عن حلم واحد وهو أن يتعلم أطفالها "كنت أقول لهم: يجب أن تدرسوا. لن أسمح لكم بترك المدرسة أبداً".

وفي عام 1996، بنت لهم إحدى المنظمات الإنسانية منزلاً. عادت شكريا عثمان إلى القرية، عملت كموظفة، وتحسنت حياتهم تدريجياً. أصبح ابنها محامياً، وابنتها امرأة ناجحة.

تقول وهي تمسح دموعها "أقسمت أن أُكبر أطفالي، وألا يشعروا بفقدان الأب. واليوم أنا فخورة بهم لكن زوجي لن يغيب عن بالي حتى آخر يوم في حياتي".

وفي ختام حديثها، توجه رسالة لكل امرأة فقدت أحد أفراد عائلتها "كوني قوية… لا تسمحي للحياة أن تكسرك. احمي أطفالك، واصنعي لهم مستقبلاً، حتى لو كنتِ وحدك".