تعديلات المناهج السورية تثير تساؤلات حول تمثيل المرأة والتنوع الثقافي
تثير التعديلات الأخيرة على المناهج التعليمية في سوريا عقب تسلم الحكومة المؤقتة نقاشاً واسعاً، بعدما طالت صور النساء ومضامين تاريخية وثقافية؛ وسط مخاوف تربوية من استبدال الخطاب القومي بآخر ديني متشدد يكرس النمطية الجندرية ويغيب التنوع المجتمعي.
روشيل جونيور
السويداء ـ بين إدخال تعديلات طالت صور النساء ومراجعة محتويات ثقافية وتاريخية، تبرز تساؤلات حول المعايير المعتمدة في تطوير المناهج السورية، ومدى استنادها إلى أسس تربوية وعلمية تراعي التنوع المجتمعي وأثر المحتوى التعليمي على الأطفال والطلاب.
شهدت المناهج التعليمية السورية، عقب تسلم الحكومة المؤقتة، تعديلات أثارت نقاشاً حول طبيعة التغييرات التي طالت المحتوى التعليمي، ولا سيما الصور الفنية والثقافية التي تمثل المرأة، إلى جانب حذف المضامين التاريخية المرتبطة بالتنوع الثقافي في سوريا.
صورة المرأة في المناهج وأثرها في الأطفال
تقول أمل العطواني، صاحبة روضة وحضانة للأطفال وخريجة أدب عربي، أن الكتب المدرسية والمناهج التعليمية تؤدي دوراً مهماً في تشكيل تصورات الأطفال عن المجتمع، وفي بناء نظرتهم إلى أدوار النساء والرجال وقدراتهم.
وتوضح أن تأثير المناهج لا يقتصر على المعلومات التي تقدمها، بل يمتد إلى الصور والنماذج التي تعرضها أمام الأطفال، إذ يمكن أن تؤثر صورة المرأة في الكتب في نظرة الفتيات إلى أدوارهن وإمكاناتهن المستقبلية، كما تسهم في تشكيل تصورات الفتيان عن المرأة ومكانتها في المجتمع.
وتشير إلى أن اقتصار تمثيل المرأة على نموذج واحد أو دور محدد قد يحد من طموحات الفتيات، ويعزز الصور النمطية لدى الفتيان. وتضرب مثالاً على ذلك بتقديم صورة المرأة في الكتب ضمن أدوار منزلية فقط، مثل الطبخ والعمل داخل المنزل، من دون إظهار قدراتها العلمية والثقافية ومشاركتها في الحياة العامة.
في المقابل، ترى أن تقديم نماذج متنوعة للنساء، بما يشمل حضورهن في المجالات العلمية والثقافية والمجتمعية، يمكن أن يعزز ثقة الفتيات بأنفسهن ويوسع تصوراتهن عن مستقبلهن، كما يساعد الفتيان على إدراك أهمية المشاركة والتكامل بين المرأة والرجل في المجتمع.
معايير التعديل بين الأسس التربوية والتوجهات المجتمعية
وتثير التعديلات التي طالت الصور والمحتوى التعليمي تساؤلات حول المعايير التي ينبغي اعتمادها عند مراجعة المناهج وتطويرها. وفي هذا السياق، تقول أمل العطواني إن بعض التغييرات لا تستند إلى معايير تربوية وعلمية موثوقة بالقدر الكافي، بل تعكس أحكاماً وتوجهات دينية ومجتمعية.
وتشير إلى أن تعديل صور النساء وإضافة الحجاب أو النقاب إليهن قد يؤدي إلى تقييد صورة المرأة في نمط معين، بما قد يؤثر في قدرة الأطفال على تقبل التنوع في المظهر واللباس، مؤكدة أن الأطفال يتأثرون بالصور البصرية التي يشاهدونها في مراحلهم العمرية المبكرة، ما يجعل طريقة تمثيل المرأة في الكتب عاملاً مؤثراً في تشكيل تصوراتهم عنها.
وتشدد أمل العطواني على ضرورة أن تستند التعديلات في المناهج إلى معايير علمية وتربوية واضحة، مدعومة بدراسات موثوقة ومراجع متخصصة ومعروفة، بدلاً من أن تكون انعكاساً لتوجهات اجتماعية أو دينية متشددة.
كما تؤكد أهمية إشراك المعلمين وأصحاب الخبرة التربوية والاختصاصيين في عمليات مراجعة المناهج، بما يسمح بتقييم أثر التغييرات في نفسية الأطفال والطلاب، وفهم انعكاساتها على نموهم المعرفي والاجتماعي.
نحو مناهج تراعي التنوع وتحفظ كرامة الجميع
وترى أمل العطواني أن المناهج ينبغي أن تقدم محتوى متوازناً ومتنوعاً، يعكس تعدد الأدوار الاجتماعية والثقافية للمرأة، ويتيح للأطفال الاطلاع على نماذج مختلفة من دون حصرهم في تصورات مسبقة أو صور نمطية.
كما تدعو إلى أن تراعي عملية تطوير المناهج أطياف المجتمع المختلفة، وأن تتم بمشاركة مختصين ومعلمين ذوي خبرة، بما يضمن أن تستند القرارات إلى أسس تربوية مدروسة، وأن تسهم المواد التعليمية في ترسيخ احترام الآخرين وصون كرامة الإنسان.
من جانبها تقول المعلمة جنان سعيد، إن التعديلات مرت بمرحلتين إذ أعلنت الحكومة المؤقتة في المرحلة الأولى أن هدفها إزالة الصور والرموز المرتبطة بالنظام السابق، أما عن التغيرات الحالية فهي تتعلق بطبيعة الخطاب المعتمد في المناهج، مع استبدال الخطاب القومي البعثي بخطاب ذي طابع ديني أكثر تشدداً.
وتشير إلى أن هذه التغييرات انعكست، على حضور المرأة في الكتب المدرسية وطريقة تمثيلها بصرياً، لافتةً إلى أن بعض الصور التي تظهر فيها النساء خضعت لتعديلات شملت إضافة الحجاب، في حين حذفت صور وأعمال فنية وثقافية، من بينها لوحة الموناليزا وشخصية أورنينا.
كما تلفت إلى حذف فقرات تتناول شخصيات وأحداثاً مرتبطة بالتاريخ السوري، مشيرة إلى مثال حذف فقرة سلطان باشا الأطرش من كتاب التاريخ، معتبرةً أن هذه التغييرات تثير تساؤلات حول مدى حضور المكونات المختلفة وإسهاماتها الثقافية والتاريخية في المناهج التعليمية.
وبذلك، يساهم حذف الفقرات التي توثق دور المرأة السورية واستبدال صورها برسم لشبان في المناهج الجديدة، في تغييب مساهمتها التاريخية في المجال السياسي والعسكري والاجتماعي من ذاكرة الأجيال؛ الأمر الذي يراه مراقبون تعزيزاً للنمطية الجندرية، وتحجيماً مباشراً لدور النساء في الفضاء العام والمهني مستقبلاً.