المعطلات التونسيات يتصدرن الصفوف الأمامية في "معركة الشغل والكرامة"
أمام انسداد أفق التوظيف وضياع سنوات العمر في الانتظار، فجرت المعطلات التونسيات حراكاً احتجاجياً غير مسبوق، كسرن فيه القيود الاجتماعية ليتصدرن الصفوف الأمامية للمسيرات والاعتصامات، مبرهنات على قيادة نسائية استثنائية فاقت كل التوقعات.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ فاض كأس الصبر بالمعطلات التونسيات وهن ينتظرن الحق في الانتداب والحصول على وظيفة منهن من تجاوزت الأربعين من عمرها، فلم يبق في العمر بقية للمزيد من الانتظار للتمتع بثمرة سنوات الدراسة الطويلة.
هذا الكم الهائل من تراكمات سنوات من الغضب على عمر يمضي في انتظار حلم بات مستحيلاً جعلهن يخرجن بأعداد هائلة في جميع المسيرات والوقفات الاحتجاجية، متصدرات للصفوف الأمامية رافعات لشعار "شغل حرية كرامة وطنية".
الخروج اللافت للمعطلات عن العمل وقيادة الحراك الاحتجاجي تجاوزت كل التوقعات في تونس، بل إن مشاركتهن تصل نسبة مائة بالمائة في العديد من التحركات.
حرائر الساحات
أسماء عديدة تصدرت الحركات الاحتجاجية وصدحت بأصوات عالية للمطالبة بالعمل والحق في الانتداب اطلق عليهن صفة "حرائر الساحات" ونذكر من بينهن نجوى الكوكي، سكينة شامخي، سارة الطرابلسي، شيرين غانمي، نهى أولاد نصر، نعيمة ضيف الله ...الخ.
تتحمل المعطلات عن العمل في تونس مشاق النضال تحت حرارة الشمس والوقفات المتكررة أمام المؤسسات، وصولاً إلى المشاركة في مسيرات طويلة بلغت 400 كم دفاعاً عن حقهن في العمل والعيش الكريم. ورغم مشاعر القهر والخيبة التي عاشتها بعض القياديات مثل نعيمة ضيف الله إثر العودة دون تحقيق المطالب، إلا أن استماتة المحتجات لا تزال متواصلة من خلال وقفات احتجاجية مستمرة حتى اليوم في عدة مناطق كـ قفصة، وجندوبة، ومنزل بوزيان، والقيروان، والكاف.
ترجع الناشطة سكينة الشامخي التفوق العددي للمعطلات عن العمل في الاحتجاجات بالقيروان والعاصمة إلى تميز المرأة التونسية بالنضال وارتفاع وعيها بأهمية الشهادة العلمية كمكسب للمستقبل؛ حيث تُمثل النساء النسبة الأكبر من خريجي الجامعات بمعدل يتراوح بين 60% و70%، وهو ما يفسر إقبالهن الواسع على قيادة حراك المطالبة بالحق في العمل.
وتبين أن انخراط الذكور في أعمال كالبناء والتجارة لتفادي البطالة يمنعهم من الاحتجاج، بينما تفتقر الشابات لهذه الفرص الهشة؛ مما يجعلهن أكثر تفرغاً للمشاركة في التحركات الشعبية، لدرجة قد تصل أحياناً إلى وجود رجل واحد فقط بين كل 20 امرأة.
ولفتت إلى أن المعطلة عن العمل تواجه العنف الاقتصادي، كما تواجه العقلية الذكورية المتغلغلة خاصة بالمجتمعات المحافظة التي تسمح بخروج الفتاة للتعليم والدراسة أو العمل لكن يتم منعها من المشاركة في الاحتجاجات.
وبينت أنه بالرغم من ذلك، تتحدى الكثير من النساء هذه القيود عبر وسائل مختلفة، كالخروج سراً من المنازل أو التخفي للمشاركة في التحركات الجهوية، رغم صعوبة التحاقهن بالاحتجاجات الوطنية لطول مسافاتها.
وخلصت سكينة الشامخي إلى القول بأن المشاركة في الاحتجاجات تتعرض إلى الهرسلة الأمنية والتنمر والسخرية، وتحديات شخصية ونفسية كثيرة.
مصداقية الحراك النسوي
من جانبها أكدت الناشطة في المجتمع المدني حياة العطار أن المشاركة النسائية الواسعة شملت العاملات بالفلاحة والمصانع والمتضررات بيئياً إلى جانب المعطلات، مدفوعات بالقناعة بأن الحقوق تُفتك ولا تهدى، لدرجة تواجد ثلاثة أجيال (الأم، الابنة، الحفيدة) في الحراك نفسه رغم ما يواجهنه من وصم وعنف، لافتة إلى أن هذا الحضور الوازن كماً ونوعاً تجسد بوضوح في احتجاج المعطلات أمام وزارة المرأة بمناسبة عيدها الوطني.
وأوضحت أن المشاركة الميدانية للمرأة كسرت الصورة النمطية، وأحدثت نقلة نوعية بتحولها إلى قيادية تتصدر الصفوف الأمامية وقوة ضغط فاعلة لتحسين أوضاعها، مشيدة بنضالات المعطلات التي بلغت حد المبيت في الشارع أمام المسرح البلدي بالعاصمة، وتحمل شتى أشكال العنف والتضييق الأمني.
وقالت عفاف عمامي الناطقة الرسمية باسم الجمعية الوطنية لأصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل "عندما تضيق السبل وتطول البطالة نجد المرأة التونسية في الصفوف الأولى تواجه وتناضل وتطالب بحقها، لأن المرأة التي تعودت على عدم التزام الصمت عن حقها لا تستطيع اليوم أن تقبل بأن تكون ضحية التهميش والإقصاء".
وأوضحت أن المحتجات يتصدرن التحركات اليومية والاعتصامات في مختلف الجهات مثل سيدي بوزيد، الرڤاب، جندوبة، الكاف، تونس العاصمة، وحامة قابس؛ تنديداً بالتهميش وتمسكاً بالحق في العيش الكريم.
وخلصت إلى القول بأن المعطلة عن العمل ليست مجرد رقم في الحياة، بل هي صوت يطالب بحقه في العمل والكرامة في وطنه ومستقبله الذي ينتظره وهي حاضرة في المقدمة تصدح بصوت عال بشعار "شغل حرية كرامة وطنية" الذي لم يفقد لا بريقه ولا معناه.
واختتمت عفاف عمامي حديثها بالتأكيد على أن المرأة المعطلة عن العمل اليوم، بفضل وعيها وشخصيتها القوية، تملك الشجاعة الكاملة للمطالبة بحقوقها؛ رافضةً البقاء على هامش المجتمع أو التنازل عن حقها الأصيل في الكرامة والعيش الكريم.