شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي... تحالف إقليمي لمواجهة العنف والانتهاكات الرقمية

تسعى شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي كمبادرة إقليمية مشتركة إلى تحويل سلامة النساء الرقمية من قضية مسكوت عنها إلى أولوية حقوقية وتنموية، قائمة على العمل الجماعي، والتعاون الإقليمي، ووضع النساء في صلب السياسات الرقمية والاستجابات المؤسسية.

براءة معايعة

الأردن ـ في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي في المنطقة العربية، بات حضور النساء على المنصات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من مشاركتهن في الحياة العامة، سواء في العمل الإعلامي، أو النشاط الحقوقي، أو التعبير عن الرأي، أو حتى في مساحات التواصل اليومية، إلا أن هذا الحضور المتزايد يصاحبه تصاعد مقلق في أنماط العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي.

العنف الرقمي ضد النساء لم يعد ظاهرة هامشية أو حوادث فردية، بل أصبح نمطًا متكرراً من الانتهاكات التي تشمل التشهير، والتهديد، والابتزاز الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، وخطاب الكراهية، بما يترك آثاراً مباشرة على حياة النساء المهنية والاجتماعية والنفسية، ويدفع كثيرات إلى الانسحاب من الفضاء العام أو ممارسة رقابة ذاتية على أصواتهن.

وفي ظل غياب سياسات حماية فعّالة، وضعف الأطر القانونية، وتفاوت الاستجابات المؤسسية، تجد النساء أنفسهن في مواجهة هذه الانتهاكات بشكل فردي، دون دعم كافٍ أو شبكات تضامن عابرة للحدود، رغم الطابع الإقليمي والعالمي للفضاء الرقمي والانتهاكات التي تحدث داخله. 

من هذا السياق، جاء إطلاق شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي اليوم السبت 31 كانون الثاني/يناير، كمبادرة إقليمية مشتركة تسعى إلى تحويل سلامة النساء الرقمية من قضية مسكوت عنها إلى أولوية حقوقية وتنموية، قائمة على العمل الجماعي، والتعاون الإقليمي، ووضع النساء في صلب السياسات الرقمية والاستجابات المؤسسية.


النساء في قلب المشهد الرقمي

ويأتي إطلاق شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي في وقت أصبحت فيه المنصات الرقمية مساحة مركزية لحضور النساء في المجال العام، سواء كصحفيات، أو ناشطات، أو عاملات في المجال الحقوقي، أو صانعات محتوى، أو نساء يعبرن عن آرائهن وتجاربهن الشخصية.

وهذا الحضور المتزايد يقابله تصاعد مقلق في أشكال الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي، ما يحوّل الفضاء الرقمي، بالنسبة لكثير من النساء، من مساحة للتعبير والتمكين إلى ساحة تهديد وإقصاء.

وتشير خبرات المؤسسات المؤسسة للشبكة إلى أن العنف الرقمي لا ينفصل عن أنماط العنف والتمييز القائمة في الواقع، بل يعيد إنتاجها بأدوات جديدة، ويترك آثاراً مباشرة على استمرارية النساء في العمل، وصحتهن النفسية، وخياراتهن المهنية، وحقهن في الظهور والمشاركة العامة.

وأكدت أسماء فتحي، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة مؤنّت سالم لتمكين المرأة، أن فكرة الشبكة جاءت من قلب الاحتياج نتيجة العمل لسنوات مع النساء والوقوف على احتياجاتهن والتأكد من كون العنف الرقمي يحتاج لتكاتف دولي وتكامل نسائي للتعامل مع تلك الظاهرة.

وأوضحت أن إطلاق الشبكة جاء نتيجة وعي متزايد بخطورة الانتهاكات الرقمية التي لم تعد قضايا فردية أو محلية، مشيرةً إلى أن سلامة النساء في الفضاء الرقمي باتت قضية حقوقية وتنموية عابرة للحدود، تتطلب عملاً إقليمياً منظماً، واستجابات جماعية، وأدوات حماية واضحة تضع النساء في صلب السياسات الرقمية.
 


من الصمت إلى التنظيم

وتؤكد القائمات على الشبكة أن كثيراً من النساء يتعاملن مع الانتهاكات الرقمية في صمت، إما خوفاً من الوصم، أو لغياب آليات فعالة للإبلاغ والدعم، أو لانعدام الثقة في الاستجابات القانونية والمؤسسية. ومن هنا، تسعى شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي إلى كسر هذا الصمت، عبر تحويل التجارب الفردية إلى قضية عامة تتطلب استجابة جماعية ومنظمة.

وفي هذا الإطار، تضع الشبكة النساء في موقع الفاعل لا الضحية، وتسعى إلى دعمهن ليس فقط عبر أدوات الحماية، بل من خلال تعزيز الوعي بالحقوق الرقمية، وبناء قدرات النساء على المواجهة، والمناصرة، والمطالبة بسياسات أكثر عدالة.

وقالت مكرم عودة، رئيسة المنتدى الاجتماعي والاقتصادي لتمكين النساء، والمنسقة الإقليمية للشبكة، أن إطلاق شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي يمثل خطوة نوعية نحو الانتقال من تشخيص الانتهاكات الرقمية إلى العمل المنظم لمعالجتها.

وأوضحت أن "النساء في منطقتنا لا يحتجن فقط إلى أدوات تقنية للحماية، بل إلى أطر حقوقية واضحة، وتعاون إقليمي جاد، يربط بين السلامة الرقمية، والكرامة الإنسانية، والحق في المشاركة الآمنة والعادلة في الفضاء العام الرقمي".


سلامة النساء شرط للمشاركة العادلة

وترى أن غياب السلامة الرقمية ينعكس بشكل مباشر على تمثيل النساء في الإعلام، والسياسة، والمجتمع المدني، والاقتصاد الرقمي، حيث تدفع الانتهاكات الرقمية العديد من النساء إلى الانسحاب من النقاش العام، أو فرض رقابة ذاتية على آرائهن، أو التخلي عن أدوارهن القيادية.

وتؤكد أن ضمان سلامة النساء في الفضاء الرقمي هو شرط أساسي لمشاركتهن الكاملة والمتكافئة في الحياة العامة، وأن أي حديث عن التحول الرقمي أو التنمية المستدامة يظل منقوصاً دون معالجة العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي.


شبكة من النساء للنساء

وتُدار شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي بقيادة نسوية، وبشراكة بين مؤسسات نسوية وحقوقية من ثلاث دول عربية، بما يعكس إيماناً بأهمية التضامن الإقليمي، وتبادل الخبرات النسوية، وبناء استجابات نابعة من واقع النساء أنفسهن، وليس مفروضة عليهن من أعلى.

وأكدت الهيئة التأسيسية أن الشبكة ستعمل على توثيق تجارب النساء، وإبراز أصواتهن، وربط النضال من أجل السلامة الرقمية بالنضال الأوسع من أجل العدالة الجندرية وحقوق النساء في المنطقة العربية.

في تأكيدها على أن السلامة الرقمية ليست ترفاً تقنياً، بل حقاً أساسياً من حقوق النساء، تمثل شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي خطوة عملية نحو بناء فضاء رقمي أكثر عدالة وشمولاً. فضاء تستطيع فيه النساء المشاركة والتعبير والعمل دون خوف من الاستهداف أو الإقصاء، ودون أن يُطلب منهن دفع ثمن إضافي لمجرد وجودهن.

وترى الشبكة أن حماية النساء في الفضاء الرقمي هي مدخل أساسي لضمان مشاركتهن المتكافئة في الإعلام، والسياسة، والمجتمع المدني، والاقتصاد الرقمي، مؤكدةً أن أي مشروع تنموي أو تحولي لا يضع سلامة النساء في قلبه يظل مشروعاً منقوصاً.

ومع تطلعها إلى توسيع عضويتها وبناء تحالفات إقليمية أوسع، تؤكد شبكة سلامة النساء في الفضاء الرقمي التزامها بالعمل من أجل فضاء رقمي يحترم كرامة النساء، ويصون حقوقهن، ويعكس نضالهن المستمر من أجل العدالة الجندرية في الواقع والفضاء الافتراضي على حد سواء.