التعليم تحت القصف... جيل يواجه النزوح والخوف وتهديد المستقبل

في ظل التصعيد العسكري المستمر في سوريا وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء، يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم الآمن، وسط آثار نفسية واجتماعية عميقة تهدد مستقبلهم وتكشف حجم الانتهاكات بحق الطفولة والمؤسسات التعليمية.

أسماء محمد

قامشلو ـ تشهد مناطق شمال وشرق سوريا تدهوراً متسارعاً في واقع التعليم، بسبب التصعيد العسكري المستمر واستهداف البنية التحتية  من قبل جهاديي هيئة تحرير الشام، الأمر الذي أدى إلى تعطيل العملية التعليمية في عدد من المناطق، وتحويل المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، ما حرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم الآمن والمستقر.

يعيش قطاع التعليم واحدة من أخطر مراحله منذ سنوات، في ظل استمرار النزاعات العسكرية والتصعيد الأمني، وما رافق ذلك من تداعيات نفسية واجتماعية خطيرة ألقت بظلالها الثقيلة على حياة الأطفال، وهددت بحقهم الأساسي في التعليم الآمن والمستقر، وسط استهداف متكرر للبنية التحتية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى مرافق طارئة للإيواء.

وفي هذا السياق، قالت كليستان إسماعيل الرئيسة المشتركة لهيئة التدريب والتعليم في مقاطعة الجزيرة، إن واقع التعليم في إقليم شمال وشرق سوريا، منذ عام 2011، شكل نموذجاً تعليمياً متقدماً رغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة "اعتمد نظاماً تربوياً قائماً على احترام التعددية الثقافية واللغوية، وضمان حق جميع المكونات في التعلم بلغتهم الأم، بما يحقق مبدأ العدالة التعليمية ويعزّز قيم التعايش المشترك بين أبناء المنطقة".

وبينت أن هذا النظام لم يكن شكلياً، بل تم العمل عليه بشكل منهجي عبر إعداد مناهج تعليمية متعددة اللغات، وتنظيم تدريبات متخصصة للكوادر التعليمية من مختلف المكونات، كلٌ بلغته الأم، بهدف رفع مستوى التعليم وضمان وصول المعرفة إلى جميع الأطفال دون استثناء، مؤكدة أن هذا النهج استمر على مدار أربعة عشر عاماً، وشكل ركيزة أساسية في بناء جيل واعٍ ومتماسك "المؤسسات التعليمية واصلت أداء دورها حتى العام الحالي، رغم التحديات المتراكمة، واضعة نصب أعينها تمكين الأطفال من متابعة تعليمهم وتحقيق أحلامهم، إلا أن التصعيد العسكري الأخير الذي شهدته المنطقة، والذي شنته الحكومة المؤقتة والفصائل التابعة للاحتلال التركي، شكل نقطة تحول خطيرة في مسار العملية التعليمية".

 

ظروف قاسية

وأوضحت كليستان إسماعيل أن الهجمات العنيفة التي استهدفت حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وما رافقها من قصف وتحركات عسكرية، أدت إلى موجات نزوح واسعة، حيث اضطرت آلاف العائلات من مناطق الشهباء إلى ترك منازلها والتوجه نحو مدينة قامشلو وضواحيها، بحثاً عن الأمان، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الأطفال وواقع تعليمهم.

وأكدت أن هذا النزوح القسري تزامن مع ظروف شتوية قاسية، ما دفع الجهات المعنية إلى تحويل عدد كبير من المدارس في مقاطعة الجزيرة، وفي مدن وبلدات قامشلو، والحسكة، وجل آغا، وديرك، وغيرها، إلى مراكز إيواء مؤقتة للنازحين، بهدف حمايتهم من البرد القارس، إلا أن هذا الحل الاضطراري جاء على حساب حق آلاف الأطفال في التعليم.

وأوضحت أن الأطفال وجدوا أنفسهم فجأة خارج أسوار المدارس، محرومين من حقهم الطبيعي في التعلم، في مرحلة عمرية حساسة تتطلب الاستقرار النفسي والاجتماعي "كثيراً منهم واجهوا تجربة الحرب والنزوح أكثر من مرة، ما ترك آثاراً نفسية عميقة لا يمكن تجاهلها". مبينةً أن المعلمين والمعلمات رصدوا تغيرات سلوكية ونفسية واضحة لدى الأطفال، تمثلت في ضعف التركيز، والقلق الدائم، والخوف من الأصوات المرتفعة، واضطرابات النوم، إلى جانب فقدان الشعور بالأمان، مؤكدةً أن هذه الأعراض تشكل مؤشرات خطيرة على تدهور الصحة النفسية للأطفال، وقد تؤثر على مستقبلهم التعليمي والاجتماعي على المدى البعيد.

 

تداعيات الحرمان من التعليم

وأشارت كليستان إسماعيل إلى أن استمرار تعطيل المدارس وتحويلها إلى مراكز إيواء يعد خرقاً واضحاً للقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية التي تكفل حق الطفل في التعليم والحماية "المدارس أُنشئت لتكون بيئة آمنة للتعلم وبناء الشخصية، لا أن تتحول إلى بدائل سكنية نتيجة النزاعات المسلحة. حرمان الأطفال من التعليم بلغتهم الأم يمثل انتهاكاً إضافياً لحقوقهم الثقافية والإنسانية، ما يجري اليوم لا يهدد التعليم فحسب، بل يهدد مستقبل جيل كامل، ويقوّض أسس بناء مجتمع مستقر وقادر على النهوض".

وأوضحت أن المنطقة تعيش حالة صراع قاسية بين ضرورة حماية الأهالي من أخطار الحرب، وبين السعي لتأمين حق الأطفال في التعليم، في ظل توترات أمنية متصاعدة دفعت الأهالي إلى إعلان النفير العام للدفاع عن مناطقهم، ما زاد من حالة القلق والخوف، خاصة لدى الأطفال الذين يعيشون أجواء عدم الاستقرار بشكل يومي "الجهات المسؤولة عن التعليم والتدريب ترى نفسها اليوم أمام كارثة تعليمية حقيقية، في ظل استمرار النزوح، وتعطل المدارس، وازدياد أعداد الأطفال الذين أُجبروا على ترك مقاعد الدراسة، فيما اضطر بعضهم إلى دخول سوق العمل لمساندة عائلاتهم، ما ينذر بتفشي ظاهرتي التسرب المدرسي وعمالة الأطفال. الأطفال لا ذنب لهم ليحرموا من حقهم في التعليم أو يتركوا فريسة للحرب والانتهاكات، أن بناء المستقبل لا يكون عبر السلاح والدمار، بل عبر التعليم وتأمين بيئة آمنة تتيح للأطفال النمو والتعلم بكرامة".

 

الجهود مستمرة لإيجاد بدائل تعليمية

واختتمت كليستان إسماعيل حديثها بإدانة واستنكار المعلمين والمعلمات لهذه الهجمات التي تسببت بتعطيل العملية التعليمية وتهديد مستقبل الأطفال "الجهود مستمرة، رغم كل الصعوبات، لمحاولة إيجاد بدائل تعليمية وتخفيف الأضرار قدر الإمكان"، موجهة نداء عاجلاً إلى منظمات حقوق الإنسان وحقوق الطفل، وكذلك الجهات الدولية المعنية، للتحرك الجاد من أجل حماية الأطفال، ووقف الانتهاكات التي يتعرضون لها، وضمان حقهم في التعليم والحياة الآمنة، بعيداً عن أتون النزاعات العسكرية التي تحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.