المرأة اليمنية والتجربة الاشتراكية... هل بقي ما يمكن البناء عليه؟

يشهد واقع المرأة في اليمن تحولات عميقة بين إرث تقدمي في الجنوب وتراجع فرضته التحولات السياسية بعد الوحدة، ما يجعل استعادة المكتسبات وتعزيز حضور النساء في الحياة العامة ضرورة ملحة لمسار التغيير.

رانيا عبد الله

اليمن ـ تطرح التجربة الاشتراكية في جنوب اليمن سؤالاً: هل بقي من ذلك الإرث التقدمي ما يمكن البناء عليه اليوم؟ فقد شهدت المرأة اليمنية في تلك الحقبة حضوراً غير مسبوق في القضاء والسياسة والجيش والتعليم، قبل أن تتراجع مكتسباتها بفعل التحولات التي أعقبت الوحدة وصعود القوى التقليدية. وبين ذاكرة عصر ذهبي وواقع مثقل بالتهميش، تبدو الحاجة ملحّة لاستعادة ما تبقى من ذلك الإرث وتحويله إلى قاعدة لنهضة نسوية جديدة.

لم تكن المرأة اليمنية في جنوب اليمن في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مجرد مواطنة، بل كانت شريكة في صناعة القرار، والمشاركة السياسية، والحياة العامة.

في تلك الحقبة، لمع اسم عايدة سعيد ضمن قيادة اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي، وفي القضاء كانت حميدة زكريا أول قاضية في الوطن العربي، أما انتصار هواش فهي أول مظلية في اليمن والجزيرة العربية، وتميزت تلك الفترة بحضور استثنائي لإعلاميات وفنانات قدن المشهد الثقافي والفكري.

وهنا يبرز السؤال، لماذا تراجعت مشاركة المرأة؟، وأين ذهب هذا الإرث؟ وكيف تحولت مشاركتها إلى واقع مهمش؟
 

جذور النضال

تتبع الباحثون جذور هذه النهضة النسوية للوقوف على أسباب تراجعها بعد أن كانت حاضرة وقوية، فيوضح الباحث أنور قاسم الخضري في دراسته المعنونة "الحركة النسوية في اليمن"، أن الحركة النسوية في الجنوب بدأت كتيار مناهض للاحتلال البريطاني وجزء لا يتجزأ من النضال الوطني، ويشير في دراسته إلى أن الحزب الاشتراكي اليمني، بعد اعتلائه السلطة في الجنوب، تبنى رؤية شاملة لتغيير الوضع الاجتماعي والقانوني للمرأة. ودفع بها بقوة نحو المشاركة السياسية، والتعليم، وحتى الالتحاق بالقوات المسلحة والأمن، مما خلق بيئة مجتمعية تتقبل وتدعم ريادة النساء.

وتؤكد دراسة ميدانية بعنوان "دور الحركة النسوية في تعزيز حقوق الإنسان في اليمن"، للباحثة رشا عبد الكافي، أن فترة حكم الحزب الاشتراكي مثلت "العصر الذهبي" لمشاركة المرأة في الحياة العامة، مستندة إلى أيديولوجية تقدمية أرست قواعد المواطنة المتساوية منذ عام 1969.

ولفتت رشا عبد الكافي إلى قانون الأسرة لعام 1974 في الجنوب، واصفة إياه بأنه كان "الأكثر حداثة وتطوراً في المنطقة بأسرها"، حيث نجح في تجاوز العوائق التقليدية والبنى المجتمعية المتخلفة التي كانت تكبل طاقات النساء، موفراً حماية قانونية غير مسبوقة في مجالات الزواج، والطلاق، والميراث، والعمل.
 

منعطف ما بعد الوحدة

العصر الذهبي للمرأة اليمنية والمسار الصاعد لها واجه تحديات كبيرة وتهميش كبير، عقب تحقيق الوحدة بين شطري اليمن الشمالي والجنوب عام 1990، ترى الدراسة التابعة للباحثة رشا عبد الكافي أن المكتسبات الحقوقية تعرضت لتقويض ممنهج نتيجة "هيمنة تحالف القوى التقليدية القبلية والدينية والعسكرية" التي صعدت إلى واجهة السلطة بعد الحرب والتحولات السياسية.

وتجلى هذا التراجع في التعديلات الدستورية اللاحقة التي استهدفت إلغاء مادة "المساواة التامة" بين الجنسين، واستبدالها بنصوص ضبابية اعتبرت النساء "شقائق الرجال"، مع ربط حقوقهن بتفسيرات قانونية ودينية مقيدة، مما نسف الضمانة الدستورية للمساواة.

وهو ما يتفق عليه الخضري في دراسته على أن الحركة النسوية بعد الوحدة أصيبت بالتشتت بين الأطر الحزبية الضيقة والتبعية للسلطة السياسية، الأمر الذي أضعف تأثيرها وقدرتها على الضغط لانتزاع الحقوق أو الحفاظ على المكتسبات السابقة.
 

الواقع والمأمول

رغم قتامة المشهد الحالي، تُجمع نساء كُثر على أن إرث التجربة الاشتراكية في الجنوب ليس مجرد ذكريات للتغني، بل هو أرضية صلبة يمكن ويجب الاستناد إليها اليوم لإنتاج نهضة نسوية جديدة.


         


        

لم تنسى هناء الشرجبي، وضع المرأة في جنوب اليمن، والاستحقاق الذي وصلت له، حيث تقول "لا يمكننا نسيان الدور الذي لعبه الحزب الاشتراكي سابقاً في جنوب اليمن لدفع المرأة نحو صناعة القرار والمشاركة المجتمعية الشاملة".

وتضيف "لوحظ أن دور المرأة تراجع، لكن هذا لا يدعونا لليأس وانما يجب إعادة التجربة، فبوجود نساء قياديات يمكن أن يعول عليهن، وعلى الأحزاب والمكونات السياسية الدفع بالنساء للمشاركة في صناعة القرار، وفي الحياة العامة".
 

مكاسب يمكن البناء عليها


         


        

قالت الباحثة والناشطة رشا عبد الكافي لوكالتنا إن "الحزب الاشتراكي تبنى قضية تحرير المرأة، وجعل جزءاً من مشروعه العدالة الاجتماعية للجميع، وكانت تجربته في جنوب اليمن تجربةً رائدة ومتقدمة على مستوى الجزيرة العربية؛ إذ حصلت المرأة اليمنية في جنوب اليمن آنذاك على مكاسب عديدة، من أبرزها قانون الأسرة الذي كفل لها الكثير من الحقوق".

وأضافت "إن هذه التجربة الملهمة أسهمت في وصول النساء إلى سوق العمل وتوليهن مناصب قيادية في الدولة، إلا أن هذه المكاسب تراجعت بعد عام 1990، وتلاشت إلى حد كبير بعد حرب عام 1994، عقب إقرار دستور جديد لم يمنح المرأة اليمنية كامل حقوقها".

   
         


          

وتعود جميلة مرعي عضوة اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، بالذاكرة إلى الجانب التعليمي في تلك الفترة "امتلكت البلاد نظاماً تعليمياً كان الأكثر تقدماً على مستوى شبه الجزيرة العربية، وهو ما نهض بالمرأة وجعل لها شأناً كبيراً، وتعتلي منصة القضاء، وتشارك حتى في الجبهة القومية".

وعن تراجع دور المرأة بالمشاركة في الحياة العامة والسياسية، تقول "تعرضت المرأة لانتكاسة وهضم لحقوقها جراء الضغوط السياسية من قِبل السلطة، مما أدى إلى هبوط مؤشر مشاركتها من القمة إلى القاع".

وتعلق جميلة مرعي آمالها على الحراك النسوي الصلب الذي يبني ويأسس لعودة مجد النساء قائلة "لا مكان لليأس؛ فهناك نواة نسوية صلبة اليوم، ونماذج ممتدة تلهم الأجيال، لذا أقدم رسالتي للحزب الاشتراكي وبقية الأحزاب لضرورة إعادة الدفع بالمرأة مجدداً إلى مواقع صنع القرار وليس فقط العمل خلف أطر العمل السياسي، فدور المرأة لا يقل أبداً عن دور الرجل في بناء المجتمع".


         


        

من جهتها توضح سكرتارية منظمة الحزب الاشتراكي اليمني شفيقة أحمد، إن تجربة الحزب الاشتراكي اليمني أثناء حكمه لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية لم تقتصر على تمكين المرأة فحسب، بل امتدت لتشمل الدفع بكل الفئات المستضعفة والمهمشة وإيصالها إلى مراكز قيادية في الحزب والحكومة.

وتضيف "ما نشهده اليوم من تقهقر وتراجع لمكانة النساء والمكتسبات المجتمعية هو نتاج طبيعي للظروف القاهرة والحروب التي تعيشها اليمن".

وتشير شفيقة أحمد إلى أن "الأمل يبقى قائماً؛ فالمجال داخل الحزب الاشتراكي لا يزال واسعاً أمام النساء لنيل المواقع القيادية، كما نلاحظ حراكاً إيجابياً في الأحزاب الأخرى ينبئ بوصول النساء إلى المراكز العليا في الأمانات العامة والقيادات الحزبية".