المرأة اليمنية... معاناة مزدوجة في ظل الحرب

العنف ضد النساء ممتد على مدى التاريخ ولكن في ظل الحرب والنزاعات العسكرية المسلحة تشهد المرأة انتكاسة خطيرة وإهمال واضح يهدد الأجيال ويضع المجتمع في محط الهلاك.

هالة الحاشدي

اليمن ـ أكدت الصحفية بشرى العنسي أنه يجب على المرأة تثقيف ذاتها حول حقوقها وكيانها ودورها في المجتمع وكسر حاجز الصمت عن العنف الذي تتعرض له والذي يسلب حقها في الحياة.

عملت الصحفية والكاتبة بشرى العنسي 34 عاماً، في مجال الصحافة والكتابة، نشرت العديد من المقالات على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الصحفية الإلكترونية. وتمحورت كتاباتها حول مناصرة حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص، بالإضافة إلى فضح قضايا الفساد.

كما تولي اهتماماً كبيراً لقضايا المغتربين اليمنيين، حيث أسست "منتدى المغترب اليمني في المهجر" عام 2018. مع إن عملها في هذا المجال يتأثر بظروف حياتها الشخصية وتقلباتها، بالإضافة إلى رغبتها في الحفاظ على استقلاليتها وعدم الخضوع لسياسات أي جهة، بالإضافة إلى عملها الحقوقي، تهتم بالشعر والسياسة والقضايا المجتمعية والتوعوية. ولديها كتابات شعرية ونثرية لم تنشرها بشكل منفصل بعد، وتخطط لإصدار كتاب يجمعها في المستقبل.

وأوضحت الصحفية بشرى العنسي في حوار مع وكالتنا ما تتعرض له المرأة في اليمن، وخاصة في ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من تسع سنوات.

 

ما تأثير تزايد النزعة الذكورية والتصاعد العسكري في اليمن على سلامة وحقوق النساء وكرامتهن؟

تعاني المرأة وخاصة في ظل الأزمات أكثر من الرجل لكونها الأضعف على سلم الحقوق والأقل امتلاكاً لمصادر القوة الاجتماعية، فمجتمعاتنا بنيت على سيطرة النظام الذكوري لاعتقاده بأن المرأة دائماً أقل من الرجل، وذلك بناء على الفروقات البيولوجية بين الجنسين مما أدى إلى تهميش الكثير من حقوقها الإنسانية منها والاجتماعية، وحوصرت المرأة بهذا الشكل في أدوار محدودة رسمها لها المجتمع مما يحجمها ويحد من حريتها ويقيد اختياراتها في الحياة بل ويحدد مصيرها، وبدلاً من أن تصبح عنصراً فاعلاً في المجتمع على كافة الأصعدة والمستويات حولها المجتمع لمجرد كائن مستضعف مسلوب الحرية والقرار والإرادة والكرامة وهو ما أوصل شريحة واسعة من النساء للمطالبة بالمساواة بينها وبين الرجل حماية لنفسها وكيانها وحقوقها وكرامتها والتي من ضمنها حق الطموح والمساهمة في كافة المجالات مادامت مؤهلة لذلك وقادرة عليه وحق التجربة والخوض يجب أن يكون مكفول لها دون تمييز وبعيداً عن تحكمات النزعة الذكورية التي باتت ترسم معالم مجتمعنا اليمني الذي لو أدرك أهمية تمكين المرأة لأحدث تحولاً تاريخياً في نهضته وتقدمه وتنميته.

ولا يقتصر التمييز فقط على الحقوق والواجبات بل يجب ألا نغفل عن الجانب القانوني والحرمان من العدالة، فاليمن تعتبر من الدول العربية التي لم تعتمد حتى الآن قانون يجرم مثلاً التحرش الجنسي ويعاقب عليه بما في ذلك عدم قدرة النساء على رفع القضايا إلى المحاكم، والمشاركة في المحاكمات العادلة، والسعي للحصول على تعويضات وإجراءات دفاع مناسبة عند انتهاك حقوقهن مما يؤدي ويساهم في توسيع دائرة انتهاكات حقوق المرأة والعنف ضدها دون حماية أو رادع.

 

ما أبرز أشكال العنف التي تتعرض لها النساء في اليمن وما هي العوامل التي تؤدي إلى زيادة هذه الظاهرة؟

يعد العنف الأسري من أكثر أشكال العنف الذي تتعرض له المرأة اليمنية ويشمل (العنف الجسدي واللفظي والنفسي والجنسي) حيث أن الأسرة اليمنية بنيت على العادات والتقاليد والأعراف المتأصلة فيها بشكل مجحف بحق المرأة ولم تبنى على مفهوم الحقوق والواجبات ومفهوم الإنسانية والحرية الشخصية باستثناء شريحة أو فئة قليلة من الأسر التي استطاعت الوصول إلى الوعي الكافي الذي يمكنهم من احتواء كيان المرأة والإيمان بها ككائن لا يقل بإمكاناته ومكانته وأهميته عن الرجل.

وبالنظر إلى الإحصائيات التي تشير إلى التجاوزات والجرائم المتنوعة المرتكبة بحق المرأة في مجتمعنا فهي مؤشر خطير ومخيف لانهيار عماد هذا المجتمع وهي المرأة فإذا انهار كيان المرأة وسحق وهمش فهذا يعني أن المجتمع في خطر ويعد مجتمع مختل التوازن، والأسرة تعد اللبنة الأساسية في بناء وتكوين المجتمع وتمثل المرأة أساس هذه الأسرة، فكيف لامرأة مسلوبة الإرادة مهزومة مقيدة من أدوارها وحقوقها ومحرومة من حق الإيمان بنفسها وذاتها ومعدومة الثقة بنفسها أن تبني أجيال صالحة لبناء مجتمع ووطن سليم.

ولا يقتصر العنف ضد المرأة على العنف الأسري فالحرب ساهمت في توسيع دائرة العنف بأشكاله والتي تشمل العنف السياسي أيضاً من جانب البعد الأمني الذي يستهدف النساء ويعرض حياتهن للخطر فالمرأة التي لها رأي سياسي وموقف معرضة للتصفية الجسدية والاختطاف والاعتقال والاخفاء القسري وهذه الممارسات ليس شرط أن تكون بسبب رأيها أو موقفها السياسي بل لأسباب اجتماعية أو عقائدية أو توعوية ترى السلطات من خلالها أنها تشكل خطراً على مصالحها أو صورتها أمام الجميع.

وهناك أيضاً العنف الاجتماعي ومن أشكاله التي انتشرت مؤخراً هو الابتزاز والتحرش الإلكتروني إلى جانب الأشكال الأخرى المتعارف عليها كالاغتصاب والزواج المبكر والقسري والاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر. 

فتاريخ العنف ضد المرأة ممتد على مدى التاريخ ولكن في ظل الحرب والنزاعات العسكرية المسلحة تشهد المرأة انتكاسة خطيرة وإهمال واضح يهدد الأجيال ويضع المجتمع على محط الهلاك.

 

كيف يمكن للنساء اليمنيات التصدي للعنف والنزعة الذكورية في ظل الظروف الراهنة بسبب قلة الخدمات وانعدام الحماية الاجتماعية؟

يجب على المرأة المعنفة التصدي لأي شكل من أشكال العنف الذي تتعرض له، للتخفيف من وطأة النزعة الذكورية على واقعها وعدم إلقاء اللوم على نفسها فمجتمعنا التقليدي يشجع المرأة على تحميل نفسها ذنب ومسؤولية تلقيها للعنف تحت مبررات عدم طاعة الزوج مثلاً أو الأخ أو ولي الأمر أو مثل مبرر أنها تطالب بحريات تخالف العادات والتقاليد.

كما يجب عليها تثقيف نفسها حول حقوقها الموضوعية مما يرفع وعيها بنفسها وذاتها وكيانها ودورها في الحياة والمجتمع ومما يجعلها تدرك أهميتها في الحياة العامة وفي المجتمع.

بالإضافة إلى كسر حاجز الصمت والخوف من طلب حقوقها أو من الإفصاح عن أي شكل من أشكال العنف الذي تتعرض له والاستمرار في التزام الصمت يعني الاستمرار في التعنيف والتهميش وسلب الحقوق والاستمرار في العيش بضعف وهو ما يزيد من حدة النزعة الذكورية ضدها.

وفي ظل انتشار العنف بأشكاله ضد المرأة وبحكم أن النساء أصبحن مطلعات على تجارب غيرهن فيجب عليهن السعي نحو الاستقلال المادي فهذا أمر يساعدها على تخفيف وقع العنف وأضراره عليها وتصبح أقوى وأكثر جاهزية للتصدي له ومواجهته مما يكسبها قوة وثقة إضافيتان.

 

في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تواجهها اليمن، ما هي التحديات التي تواجه النساء في الحصول على الحماية والدعم؟

تلعب الصراعات السياسية دوراً في قمع الأصوات التي تطالب بحقوق الإنسان ناهيك عن حقوق المرأة وهذا الوضع أثر على دور وفاعلية منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية والحقوقية المحلية والدولية.

سوء الوضع العام والتدهور الشامل الذي طال قطاعات كثيرة في المجتمع بسبب تداعيات الحرب والخلافات السياسية هي من أبرز التحديات التي تعيق حصول المرأة على أي نوع من أنواع الدعم كما أن انهيار المؤسسات العامة والنظام القانوني وآليات الحماية أدى إلى ندرة خدمات الدعم المقدمة للنساء والفتيات، مما يجعل الوصول للخدمات العامة للناجيات من العنف مثل المأوى للواتي يحتجن إلى الحماية والدعم النفسي والاجتماعي والصحي والدعم النقدي الطارئ للحماية الأساسية معدومة. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الخدمات المتوفرة ليست مجهزة بشكل كافي لاستيعاب احتياجات النساء والفتيات المعنفات إضافة إلى إعاقة الجهات التي تعمل على دعم النساء وحمايتهن.

وتعد التهديدات التي تطال الكثير من الجهات المهتمة بدعم وحماية المرأة هي من أكثر ما يعيق هذا العمل الإنساني والاجتماعي الهام، ففي شمال اليمن يعيق الحوثيين أي عمل يهتم بتعزيز دور النساء في المجتمع وبالنشاطات النسوية وأي امرأة تبرز نشاطاتها في هذا المجال يطالها التهديد وفي حالات كثيرة الاعتقال والإخفاء القسري بتلفيق التهم واختلاق المسوغات لمثل هذه الممارسات المنافية لحقوق الإنسان والمرأة، كما أن الحوثيين يضعون قيود على حركة وتنقلات النساء بين المحافظات ومنها وجود محرم مع المرأة كشرط أساسي للسماح لها بالسفر والتنقل.

ولا يختلف الوضع كثيراً في الجنوب فنلاحظ انتشار الفكر المتشدد بقمع حريات المرأة بذريعة العادات والتقاليد التي تصون المرأة من وجهة نظرهم.

 

كيف يمكن تعزيز دور المجتمع الدولي والمنظمات الدولية في تقديم الدعم والمساعدة للنساء وتوعيتهن؟ وهل هناك خطط أو برامج محددة يمكن تنفيذها لتحسين وضعهن؟

الدور يقع على عاتق المدافعات عن حقوق المرأة وحمايتها خاصة منهن اللاتي تمكن من تكوين علاقات وروابط مع منظمات دولية من خلال عملهن معها أو ترأسهن لمنظمات تهتم بشؤون المرأة وحقوق الإنسان.

كما أن الخطة الوطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 الذي يخص المرأة والأمن والسلام، التي عملت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عليها، هي خطة تمثل مشروعاً مهماً وناجحاً لحماية المرأة وتعزيز مكانتها ودورها والحفاظ على السلام الداخلي والتي تعنى باتخاذ تدابير عملية وبرامج ومشاريع لمناهضة العنف الأسري ووصولها إلى مراكز صنع القرار وتكون جزء من خطط التنمية كما جاء في نصها ولكن تنفيذها يتطلب تظافر الجهود الحكومية وغير الحكومية والمنظمات الدولية.

وتعد التوعية مسؤولية مجتمعية هامة تقع على عاتق كل من لهم دور قيادي أو تأثير اجتماعي ومن هم قدوات ونخبة المجتمع ومثقفيه وهي أيضاً مسؤولية النساء الرائدات في مجال الدفاع عن المرأة وحقوق الإنسان فوجود نساء لديهن الوعي الكامل بحقوق المرأة وما تتعرض له لابد أن يعمل على تغيير صورة المرأة النمطية في المجتمع ويعزز حمايتها وتمكينها وإن لم يدعمن قضايا المرأة بشكل مباشر فكونهن نماذج بنت نفسها ونهجها الخاص يستطعن من خلال ذلك أن يكن قدوات فاعلة ولهن تأثير إيجابي على واقع المرأة وتعاطيها مع نفسها ونظرتها لها.