الأزمات البيئية في إقليم كردستان استثمار بلا ضوابط يلتهم الطبيعة
أكدت الناشطة تريفة فريدون أن حماية البيئة تبدأ من الوعي الفردي والتربية، مع ضرورة فرض ضوابط صارمة على المشاريع للحد من التلوث وضمان بيئة صحية ومستدامة.
هيلين أحمد
السليمانية ـ في ظلّ تفاقم الأزمات البيئية التي يشهدها إقليم كردستان، أدّت موجة إنشاء المشاريع الاستثمارية إلى تعميق استنزاف البيئة في المنطقة، فالكثير من المستثمرين يركّزون على التوسع الاقتصادي وزيادة النشاط الصناعي دون مراعاة الآثار البيئية بعيدة المدى، الأمر الذي ساهم في تدهور الموارد الطبيعية، مثل تلوّث المياه والهواء وتفاقم تغيّر المناخ.
تسعى الأجيال الحالية إلى تغيير هذا المسار عبر الضغط على الحكومات والشركات لتقليل الانبعاثات الكربونية والحد من السياسات التي تضع النمو الاقتصادي فوق الاعتبارات البيئية، فالنظام الرأسمالي وسياسات التسهيل الاقتصادي التي يتبعها أصحاب السلطة شكّلت عاملاً أساسياً في تدمير البيئة.
ورغم أن الدول الصناعية ربطت تقدمها الاقتصادي بزيادة الإنتاج والاستهلاك، وهو ما خلّف آثاراً سلبية واضحة على البيئة، إلا أن شريحة واسعة من المواطنين والشباب اليوم تؤمن بأن التنمية الاقتصادية لا ينبغي أن تكون على حساب البيئة، وأن تحقيق نمو اقتصادي مستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حماية البيئة وصون مواردها.
حيث ترى الناشطة البيئية تريفة فريدون أن البيئة على مستوى العالم تتجه نحو مزيد من التدهور والتلوث، وأن المشكلات البيئية تتفاقم يوماً بعد يوم "ازدياد أعداد السيارات وبناء الأبراج التجارية يُعدّان من أبرز التحديات البيئية العالمية، إذ تُقدَّم هذه المشاريع تحت شعار "زيادة المساحات الخضراء"، بينما تؤدي في الواقع إلى تدمير البيئة وتقليص المساحات الطبيعية".
وأشارت إلى أن النظام الرأسمالي وسياسات المستثمرين حول العالم ساهمت بشكل مباشر في تسريع وتيرة التدهور البيئي، إذ تُبنى المشاريع السكنية والتجارية بهدف تحقيق أرباح لفئة محددة من الساعين وراء رأس المال، على حساب الطبيعة ومواردها "هذا الواقع ينعكس بوضوح على إقليم كردستان أيضاً، حيث تتعرض بيئته للاستنزاف المستمر".
وأضافت "في مدينة السليمانية، ورغم ما كان يتمتع به جبل كويزه من خضرة ومساحات طبيعية واسعة، إلا أن هذه المساحات تتقلص يوماً بعد يوم بسبب المشاريع التجارية والاستثمارية التي تُقام مكانها"، مؤكدةً أن سكان الجبال والمتنزهين يدركون جيداً الفوائد الصحية والنفسية التي يمنحها الهواء النقي والطبيعة، لكن هذه المساحات الطبيعية تتعرض اليوم للاندثار.
وذكرت أن المشاريع الاستثمارية داخل المدن تتوسع بشكل متسارع، ما أدى إلى إزالة العديد من المناطق التراثية والورش والأماكن التاريخية لإفساح المجال أمام مشاريع جديدة، الأمر الذي يشكل تهديداً إضافياً للبيئة وللهوية الثقافية للمدينة.
أوضحت تريفة فريدون أن سكان القرى كانوا يعيشون سابقاً في بيوت طينية تحيط بها الحدائق، إذ لم تكن تخلو معظم المنازل من الأشجار والنباتات "حالياً لم يعد يُزرع أي منها داخل البيوت، ورغم أن التكنولوجيا سهّلت جوانب كثيرة من الحياة، إلا أن بيئتنا تتعرض لتدهور مستمر".
وأكدت أن "حماية البيئة يجب أن تبدأ من منازلنا عبر إعادة إحياء المساحات الخضراء، ثم الاهتمام بالجبال والطبيعة من حولنا لنستعيد علاقتنا بالسروشت"، مشيرةً إلى أن "للنساء دوراً محورياً في إعادة بناء البيئة، فالأم عندما تربي طفلها، فإنها تغرس في الجيل القادم قيم النظافة واحترام الطبيعة منذ سنواته الأولى، كما أن النساء في حياتهن اليومية يتركن أقل أثر سلبي على البيئة، ويواصلن جهودهن للحفاظ على نظافة محيطهن".
وشدّدت على أن المصانع تُقام اليوم على مقربة من المناطق السكنية دون مراعاة صحة السكان أو جودة حياتهم، ثم تُشيَّد مشاريع سكنية جديدة بدورها قرب تلك المصانع، ما يؤدي إلى توسّع عمراني غير منظم يدفع الأحياء السكنية تدريجياً نحو المناطق الصناعية. وفي المقابل، تُبنى مصانع جديدة بمحاذاة القرى أيضاً، الأمر الذي يهدد البيئة الطبيعية لتلك المناطق ويقوّض نمط حياة سكانها.
وأوضحت أن منطقة تانجرو مثال واضح على هذا الخلل، فهي منطقة سكنية، ومع ذلك تستمر معامل الذبح في العمل داخلها رغم التلوث الكبير الذي تسببه "إنشاء مصانع قرب القرى أدى إلى تراجع البيئة الطبيعية المحيطة بها، كما أن دخول أعداد كبيرة من السيارات إلى إقليم كردستان، في ظل غياب أي رقابة أو ضوابط بيئية، ساهم في تسريع تدهور البيئة، ففي المدن يمتلك معظم أفراد العائلات سيارات خاصة، ما يفاقم التلوث ويؤثر سلباً على صحة السكان والبيئة".
وأكدت أن المشاريع الاستثمارية وبناء المصانع تحتاج إلى ضوابط وتعليمات واضحة، وأنه يجب محاسبة المخالفين من قبل الجهات المسؤولة، متأسفةً لأن الجهات المعنية تتساهل مع هذه الانتهاكات، وتسمح بتلويث البيئة مقابل تحقيق مصالحها الخاصة.
وشددت على أن التربية هي الأساس في حماية بيئة إقليم كردستان وإعادة بنائها من جديد، فبناء جيل واعٍ هو الخطوة الأولى نحو بيئة نظيفة ومستدامة "تعليم الأطفال منذ سنواتهم الأولى على النظافة واحترام الطبيعة سيجعلهم في المستقبل أكثر قدرة على حماية البيئة وإعادة إحياء المساحات الخضراء في مختلف المناطق".
وبيّنت أن وعي الفرد عنصر محوري في هذا المسار، إذ يجب على كل شخص أن يدرك مسؤوليته تجاه البيئة، داعيةً إلى ضرورة الالتزام الصارم بالتعليمات الخاصة ببناء المشاريع السكنية والمصانع، وعدم تركها بيد أصحاب المصالح الذين يسعون لتسهيل أعمالهم عبر التهرب من الضرائب والعقوبات، مما يؤدي إلى تدمير البيئة.
وأشارت تريفة فريدون في ختام حديثها إلى أن محطات الوقود تسببت بأضرار كبيرة للبيئة وللإنسان، وأن إبعادها عن مراكز المدن خطوة مهمة نحو تحسين الوضع البيئي "على الجميع العمل من أجل توسيع المساحات الخضراء في المدن، لأن العيش في بيئة صحية هو الأساس لحياة سليمة ومستقرة".