انقطاع واضطراب الإنترنت... الضربة الخفية لاقتصاد النساء المنزلي

مع تفاقم الاضطرابات في خدمة الإنترنت، واجهت العديد من الأعمال الافتراضية، التي تديرها النساء في الغالب، انخفاضاً كبيراً في المبيعات وتراجعاً في عدد الطلبات، مما وضع العاملات في هذا المجال تحت ضغط مالي متزايد.

مهديا رستمي

ثلاث باباجاني ـ في السنوات الأخيرة، انتقل جزء من سوق التجزئة في البلاد إلى الفضاء الافتراضي، وأصبحت شبكات التواصل الافتراضي منصة لتأمين معيشة آلاف الباعة الصغار. لكن منذ يومي 8 و9 كانون الثاني/يناير الماضي، وبالتزامن مع بدء الاحتجاجات الواسعة، واجه الإنترنت في كثير من مناطق البلاد انقطاعات وقيوداً واسعة، وهي اضطرابات ما زالت مستمرة منذ أكثر من شهر. ما يبدو في الظاهر مجرد تقييد اتصالات، تحوّل عملياً إلى توقف دورة الدخل لعائلات تعتمد معيشتها على البيع عبر الإنترنت. 

في هذا السياق، كانت الأشغال المنزلية والأعمال الإلكترونية التي تديرها النساء في الغالب الأكثر تضرراً. النساء، خصوصاً في المناطق الكردية والمدن ذات الطابع التقليدي مثل ثلاث باباجانی حيث الفرص الوظيفية الرسمية محدودة، لجأن في السنوات الأخيرة إلى المتاجر الإلكترونية لتأمين دخل لهن ولأسرهن، لكن هذا المسار الاقتصادي نفسه يواجه الآن حالة من عدم الاستقرار والركود الحاد.

 

انقطاع الإنترنت وخسارة للاقتصاد الرقمي

الانقطاع المستمر للإنترنت في الأسابيع الأخيرة لم يعطل فقط نشاط المتاجر الإلكترونية والمشاغل المنزلية، بل ترك أثراً مباشراً على اقتصاد البلاد. فقد أدى انخفاض المبيعات وتراجع نشاط الأعمال وتوقف تدفق الإيرادات إلى ضغوط مالية واسعة، وأصاب جزءاً كبيراً من السوق الرقمية بخسائر جسيمة.

رئيس اتحاد الأعمال الافتراضية صرح بأن "الاقتصاد الرقمي يتكبد يومياً نحو خمسة آلاف مليار تومان خسائر بسبب الانقطاع والاضطراب في الإنترنت"، مضيفاً "منذ الثامن من كانون الثاني دخلنا وضعاً غير مسبوق في مجال الإنترنت والاتصالات. حتى في الأيام التي كانت المواقع تعمل، شهدت الأعمال الإلكترونية انخفاضاً في المبيعات بنسبة تصل إلى 80٪، ولم تعد بعد إلى وضعها السابق".

وبحسب قوله، فإن الأعمال الصغيرة هي الأكثر تضرراً، ويرتبط جزء من هذه الأزمة، إلى جانب الانقطاع، بالظروف الاقتصادية والاجتماعية في البلاد وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين. هذا الواقع يوضح أن حتى الاضطرابات التقنية في البنية التحتية للاتصالات يمكن أن تترك آثاراً ثقيلة على الاقتصاد الرقمي ومعيشة الأسر.


تفاقم أزمة المتاجر الإلكترونية

شراره، المقيمة في ثلاث باباجانی وصاحبة متجر إلكتروني لبيع المجوهرات منذ عدة سنوات، تتحدث عن تداعيات انقطاع الإنترنت وارتفاع التضخم قائلة "مع انقطاع الإنترنت وارتفاع الأسعار، انخفضت مبيعاتي بنحو 70٪. الناس في الظروف الحالية لا يضعون المشتريات غير الضرورية ضمن أولوياتهم. كنت أملك زبائن دائمين ولم أكن أعتمد على زوجي في مصاريفي الشخصية، لكن الآن حتى مع اقتراب العيد لا توجد حركة شراء".

وتضيف "في السابق لم أكن أذهب إلى مكتب البريد لإرسال طلب صغير، لكن الآن بسبب انخفاض عدد الطلبات أضطر حتى لإرسال طرد واحد بنفسي للحفاظ على ثقة الزبائن القلائل المتبقين"، مؤكدة أن "جزء من بضائعي أشتريه من تجار الجملة بالدَّين، وأنا بحاجة ماسة إلى السيولة النقدية، لذلك أصبح لكل طلب مهما كان صغيراً أهمية كبيرة بالنسبة لي".

كما تشير إلى أن بطء الإنترنت ساهم في تراجع ثقة العملاء "عندما يرسلون رسالة للسعر ويتأخر الرد بسبب ضعف الإنترنت، يظنون أن المتجر غير موثوق. كنت أرد بسرعة في السابق، لكن الوضع الآن مختلف تماماً".


ارتفاع تكلفة الإنترنت... ضغط مضاعف على الأعمال المنزلية

إلى جانب الانقطاعات المتكررة، فإن ارتفاع تكلفة الإنترنت والفيلتر (برامج تجاوز الحجب) شكّل ضغطاً مالياً إضافياً على المتاجر الإلكترونية.

تقول سارا محمودي، مديرة متجر إلكتروني لمستحضرات التجميل "الكثير من الناس لا يستطيعون شراء باقات الإنترنت أو الفيلتر المدفوع، ونتيجة لذلك انخفضت زيارات الصفحات وعدد العملاء. كما أن باقات الإنترنت أصبحت أغلى وأقل حجما".

وتضيف "للحفاظ على صفحة متجري وتنميتها، يجب أن أنشر محتوى يومياً وأحمّل فيديوهات تعليمية، وهذا يجبرني على شراء عدة باقات إنترنت شهرياً، ما يجعل جزءاً من دخلي يذهب لهذه التكاليف".

تُظهر الانقطاعات المستمرة في خدمة الإنترنت أن القضية لم تعد مجرد خلل تقني في الاتصالات، بل أزمة تمسّ البنية الاقتصادية والاجتماعية. فجزء كبير من سوق العمل الصغير بات يعتمد على المنصات الرقمية، وبالنسبة لكثير من النساء، خصوصاً في المناطق ذات الفرص المحدودة، أصبح البيع عبر الإنترنت المسار الوحيد نحو دخل مستقل.

إن استمرار هذه الاضطرابات لا يعني فقط تراجعاً مؤقتاً في المبيعات، بل يهدد بخروج تدريجي للفاعلين الصغار من السوق الرقمية، وزيادة الديون الشخصية، وتراجع مشاركة النساء اقتصادياً، وتعميق الفجوات الإقليمية في فرص العمل. كما أن عدم استقرار البنية التحتية للاتصالات يضعف ثقة المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في جدوى الاستثمار الرقمي، وهو القطاع الذي كان يُقدَّم في السنوات الأخيرة باعتباره محرّكاً للنمو الاقتصادي.

في ظل هذه المعطيات، يصبح ضمان استقرار الإنترنت ووضوح قواعد النشاط الرقمي ليس مطلباً تقنياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية لحماية معيشة الأسر وتعزيز مشاركة النساء في الاقتصاد.