من يوم المرأة العالمي إلى ملحمة روج آفا... التحديات والمؤامرات الدولية (2)

ثورة المرأة في روج آفا امتداد لمسار طويل من المقاومة ضد القمع، ورغم دور النساء الحاسم في هزيمة داعش، تعرضت مكتسباتهن لسلسلة من المؤامرات الدولية الهادفة إلى تقويض مشروع الأمة الديمقراطية وإفشال تجربتهن الريادية.

سيلفا الإبراهيم

كوباني ـ شهدت مدينة كوباني تحولات مفصلية مع تصاعد الهجمات في شمال وشرق سوريا، حيث تداخلت المواجهات العسكرية مع ولادة مشروع سياسي واجتماعي جديد يستند إلى مفهوم الأمة الديمقراطية، وبين تحديات الحرب ورهانات التغيير، برزت تجربة الإدارة الذاتية بوصفها نموذجاً يسعى لترسيخ التعددية والعدالة.

عقب هزيمة داعش في كوباني، والقضاء عليه في آخر معاقله في دير الزور، بدأت مرحلة جديدة عنوانها إعادة البناء المجتمعي على أسس ديمقراطية تشاركية، فقد تبنت قوات سوريا الديمقراطية، ومعها مؤسسات الإدارة الذاتية، نموذجاً مستلهماً من فكر القائد عبد الله أوجلان، يقوم على اللامركزية، والتعايش بين المكونات، وتمكين المرأة، في مواجهة تحديات داخلية وخارجية مستمرة.

 

الأمة الديمقراطية والتجربة التي قادتها نساء روج آفا

وعن توسع هذا المشروع ليشمل جميع المناطق التي تحررت من داعش، تقول الرئيسة المشتركة لهيئة البيئة في مقاطعة الفرات ألماز رومي عن ريادة المرأة الكردية لمشروع الأمة الديمقراطية "ثورة المرأة انطلقت من مدينة كوباني، إلا أنها توسعت وشملت نساء من مكونات مختلفة ومناطق أخرى، وكان الهدف هو نقل هذه التجربة لنساء سوريا لتكنّ صاحبات موقف وإرادة حرة لأن النساء قبل ذلك كنّ محرومات من ممارسة حقوقهن والتعبير عن أفكارهن، وكان لثورة المرأة دوراً مفصلياً في توفير فرصة لتعيد النساء تنظيم ذواتهن على الصعيد السياسي والدبلوماسي والعسكري".

ويُعد تحرير المرأة ركناً أساسياً في مشروع الأمة الديمقراطية، إلى جانب البعد البيئي الذي يدعو إلى انسجام المجتمع مع الطبيعة، ونقد الرأسمالية والحداثة السلطوية، كما يرتبط المفهوم بفكرة "الكونفدرالية الديمقراطية" كنموذج تنظيمي ينسق بين المجتمعات ذاتياً دون الحاجة إلى دولة قومية تقليدية، وبذلك تمثل الأمة الديمقراطية مشروعاً مجتمعياً يسعى إلى إعادة تعريف السياسة على أساس الديمقراطية القاعدية والتعددية والعدالة الاجتماعية.

وتشير ألماز رومي إلى أنه "مع تحرير المناطق من داعش كانت النساء منفتحات للتغيير خصوصاً أنهن عانين الويلات من انتهاكات داعش، وهذا ما جعلهن يستقبلن لحظات التحرير بالزغاريد، وسلكن بريادة النساء الكرديات نهج تحرير المرأة، وبهذا التكاتف نظمن أنفسهن وطورن من كفاحهن".

 

مؤامرة دولية ضد ثورة المرأة

تجربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا القائمة على المجالس واللامركزية والمشاركة الشعبية، والتي انخرطت فيها مكونات متعددة من عرب وكرد وسريان وآشوريين في إدارة مشتركة، عززت من التعايش والشراكة الفعلية في صنع القرار، وبرزت خصوصية التجربة في تركيزها على تحرر المرأة، من خلال نظام الرئاسة المشتركة ومشاركة النساء في مختلف المؤسسات، ما منحهن دوراً قيادياً غير مسبوق، بذلك قدمت نموذجاً ديمقراطياً تعددياً يتجاوز الانقسامات التقليدية ويؤكد أخوة الشعوب.

وترى ألماز رومي أن المنجزات التي حققتها النساء عبر نضال مشترك وطويل جعلت تجربتهن الثورية حالة فريدة، وهو ما جعلها محط استهداف من القوى المعادية التي سعت لتحويلها إلى هدف لمؤامرات دولية، مشيرة إلى أن الهجمات التي بدأت في 6 كانون الثاني/يناير الماضي، وما رافقها من انتهاكات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ضد الأهالي والنساء ترقى إلى مستوى الجرائم، وأن الصمت الدولي شكّل ضوءً أخضر لمرتكبيها، إذ استُهدفت إرادة الشعب والنساء بشكل مباشر.

وتضيف أن هذا الصمت شجع الجهاديين على تكرار الانتهاكات ذاتها في مدن الرقة والطبقة ودير الزور، حيث ظهرت ممارسات مهينة بحق النساء، من قص جدائلهن إلى رمي المقاتلات من شرفات المباني دون أي احترام لقوانين الحرب أو للمعايير الإنسانية الأساسية.

 

الانتقام لهزيمة داعش... وزرع الطائفية بين المجتمع السوري

واعتبرت ألماز رومي أن استهداف النساء بهذه الوحشية يُعدّ شكلاً من أشكال الانتقام لهزيمة داعش على يد المقاتلات الكرديات، فالقوى التي تقود الحرب الحالية ضد وحدة الشعوب. وترى أن ما يجري يعكس حقيقة الجمهورية السورية بعد وصول جهاديي هيئة تحرير الشام إلى الحكم، إذ تسعى لفرض عقيدتها ولونها الفكري على المجتمع السوري بأكمله، من دون أي احترام لخصوصية المكونات والطوائف المختلفة.

ومع انهيار نظام البعث وصعود جهاديي هيئة تحرير الشام إلى السلطة، بدأ المجتمع السوري بطرح نماذج سياسية متعددة تواكب تطلعاته نحو الحرية وضمان الحقوق، مثل إقامة جمهورية لا مركزية أو اعتماد نظام فدرالي. جاءت هذه الطروحات في إطار الحفاظ على التنوع الثقافي والديني، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها، إلا أن جميع هذه المقترحات قوبلت بالرفض، إذ أصرت الحكومة المؤقتة على إعادة إنتاج النظام المركزي نفسه الذي اتبعه البعث سابقاً، ما أثار موجة استياء شعبي واجهتها السلطات بالقمع والانتهاكات في الساحل السوري، والسويداء، وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وفي شمال وشرق سوريا.

 

كوباني أعادت ملحمة بطولية وهزمت الجهاديين مرة أخرى

وتشير ألماز رومي إلى أن الإدارة الذاتية التي انبثقت من مفهوم الأمة الديمقراطية، نموذج حي عن تآخي الشعوب، إلا أن القوة اعتادت على زرع الطائفية بين الشعوب وسعت لمحاربتها بشتى الوسائل، معتبرة أن الهجمات الأخيرة التي استهدفت المنطقة هو لخلق فتنة بين الشعب الكردي والعربي، وإفشال مشروع الأمة الديمقراطية "هذه الشعوب عاشت مع بعضها منذ آلاف السنين، وهذه الحرب لا تستطيع النيل من هذا التآخي".

وبينت أنه "منذ اندلاع ثورة روج آفا والجميع يحاول النيل منها، إلا أن دائماً كانت هذه الهجمات تحال دون هزيمتها، لأن الشعب بات مدركاً لحقيقة المؤامرة التي تحاك ضد الشعب الكردي وضد التآخي، لذلك رغم أن الهجوم الأخير كان شرساً ولكن موقف الشعب الكردي والتفافه حول قواته بتلبية نداء النفير العام وحمل السلاح لحماية أرضه كان الجواب لجميع هذه الهجمات".

شهد شمال وشرق سوريا تصعيداً عسكرياً تمثل في هجمات شنتها مجموعات جهادية منضوية ضمن هيئة تحرير الشام، في محاولة لإجهاض مشروع الأمة الديمقراطية واستهداف القوى والمجتمعات المنخرطة فيه، وأمام هذا التصعيد، أعادت قوات سوريا الديمقراطية تموضعها في المناطق ذات الغالبية الكردية، ولا سيما في كوباني ومقاطعة الجزيرة، بهدف حماية المدنيين وتفادي مزيد من إراقة الدماء.

ورغم استمرار الهجمات وفرض حصار على مدينة كوباني، ومحاولات فرض الاستسلام تحت مسميات اتفاقيات، قوبلت تلك الضغوط برفض شعبي واسع وتمسك بخيار الصمود. ومع إصرار شعوب المنطقة على الدفاع عن مكتسباتها، أُجبرت القوى المعادية في نهاية المطاف على الجلوس إلى طاولة الحوار. وأسفر ذلك عن التوصل إلى اتفاق يُراعي تضحيات شعوب روج آفا ويؤكد السعي نحو بناء سوريا ديمقراطية تكفل للكرد حقوقهم وحريتهم، وتضمن مشاركتهم في مستقبل البلاد، عبر الاندماج الديمقراطي.