ثماني سنوات من التهجير والعائدون إلى عفرين يطالبون بالعدالة

يتمسك أهالي عفرين في روج آفا، بحقهم في العودة إلى أرضهم، مؤكدين أن الأمن واستعادة الممتلكات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تمثل ركائز أي عودة حقيقية، بعد سنوات من التهجير القسري والتغييرات الديمغرافية.

نغم جاجان

قامشلو ـ لم تكن العملية العسكرية التي شنتها الدولة التركية على عفرين عام 2018 مجرد مواجهة عسكرية، بل حملت أبعاداً سياسية واجتماعية وثقافية عميقة، كان أبرزها فرض تغييرات ديمغرافية ومحاولات لتغيير هوية المنطقة. وبينما ترك التهجير القسري والحرب آثاراً قاسية على السكان، بقي ارتباط أهالي عفرين بأرضهم أقوى من محاولات اقتلاعهم، إذ تمثل الأرض بالنسبة لهم الهوية واللغة والثقافة والذاكرة الجماعية، وليست مجرد مكان للسكن.

رغم سنوات النزوح، حافظ أبناء عفرين على إيمانهم بالعودة، وواصلوا الدفاع عن حقهم في أرضهم أينما وجدوا. ولم تعد قضية عفرين شأناً إنسانياً فحسب، بل تحولت إلى ملف سياسي يرتبط بمستقبل المنطقة والتفاهمات السياسية والدبلوماسية الجارية.

لم تقتصر معاناة الأهالي خلال سنوات التهجير، على فقدان المنازل والأراضي ومصادر الرزق، بل شملت سلسلة واسعة من الانتهاكات بحق المدنيين، من مصادرة الممتلكات وفرض التغيير الديمغرافي، إلى الاعتقال والاختطاف والابتزاز والإكراه. وكانت النساء الأكثر تضرراً، إذ تعرضت كثيرات منهن، في ظل غياب الحماية القانونية، لانتهاكات جسيمة شملت الاعتقال والتعذيب والعنف والاعتداءات الجنسية.

 

تمسك بالأرض رغم الدمار

ومع المتغيرات السياسية والعسكرية في سوريا، والاتفاقات التي مهدت الطريق أمام عودة المهجرين، بدأت قوافل العودة تتجه تباعاً إلى عفرين، في مشهد أعاد الأمل إلى آلاف الأسر بعد سنوات من التهجير القسري. ورغم حجم الدمار والخسائر، يصر الأهالي على إعادة إعمار مدينتهم واستعادة حياتهم فوق أرضهم.

ويؤكد العائدون أن العودة الحقيقية لا تكتمل إلا بتوفير بيئة آمنة ومستقرة تضمن حماية المدنيين، وتحفظ حقوقهم، وتمنع تكرار الانتهاكات. كما يشددون على ضرورة إعادة الممتلكات المصادرة إلى أصحابها، وكشف مصير المفقودين، وتوفير الخدمات الأساسية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن عودة كريمة ويطوي سنوات طويلة من المعاناة.

 

"عادت سبع قوافل حتى الآن"

 

 

وقالت ثريا مصطفى، وهي من أهالي عفرين الذين هُجّروا قسراً عام 2018، إن مطلبهم الأول يتمثل في العودة الآمنة والعيش بكرامة على أرضهم وإعادة بناء حياتهم.

وأوضحت أن الاتفاق الموقع في 29 كانون الثاني/يناير بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تضمّن بنداً أساسياً يتعلق بعودة المهجرين "بعد سنوات طويلة عاد الناس إلى الأماكن التي ولدوا فيها وكبروا على أرضها. مجرد التفكير بذلك كان يمنحنا الأمل، أما اليوم فقد أصبح حقيقة. حتى الآن عادت سبع قوافل إلى عفرين، وما تزال عملية العودة مستمرة".

 

دمار واسع وقطع لأشجار الزيتون

وتحدثت ثريا مصطفى عن حجم الدمار الذي خلفته الفصائل المسلحة، مشيرة إلى أن العديد من المنازل دُمّرت أو أُحرقت، فيما تعرضت مساحات واسعة من بساتين الزيتون للتخريب.

وأكدت أن النساء يتحملن العبء الأكبر في هذه المرحلة "تقع مسؤولية الأسرة والحياة اليومية على عاتق النساء، لذلك يواصلن حماية مجتمعهن وقيمهن والسعي إلى بناء حياة آمنة".

وأضافت "قُطعت أعداد كبيرة من أشجار الزيتون التي ارتبطت بها حياة الناس لعقود. ورغم الألم الذي خلفه تدمير أرضنا وحقولنا وأشجارنا، سنعيد بناء كل ما دُمّر. فالنساء اللواتي اعتنين بهذه الأرض قادرات على إحيائها من جديد، لكن ما يحتاجه أهالي عفرين قبل كل شيء هو الأمن والاستقرار".

 

منازل لم تُعد إلى أصحابها

وشددت ثريا مصطفى على أن الحكومة السورية المؤقتة مطالبة بتنفيذ التزاماتها، وفي مقدمتها توفير الأمن وضمان عودة الأهالي إلى منازلهم.

وقالت "السلطة القائمة في عفرين مطالبة قبل أي شيء بتوفير الأمن والاستقرار. كما ينبغي للحكومة المؤقتة تنفيذ ما تعهدت به في الاتفاق، لأن عدداً من منازل أهالي عفرين ما يزال حتى اليوم خارج سيطرة أصحابها الأصليين".

وأكدت أن توفير الأمن يمثل الأساس لاستقرار المجتمع، داعية النساء إلى توحيد صفوفهن والدفاع عن حقوقهن "النساء اللواتي عدن إلى عفرين ما زلن يتعرضن لانتهاكات ويواصلن التعبير عن رفضهن لها. مطلبنا بسيط؛ أن نعيش بسلام وكرامة. ندعو جميع النساء إلى التكاتف والنضال من أجل الحرية، كما نطالب الحكومة السورية المؤقتة بضمان مشاركة المرأة في مختلف مجالات الحياة، وتعزيز دورها في إعادة بناء عفرين".