روج آفا على مفترق طرق بين الحرب والحياة

إن دعم روج آفا لا يعني دعم حكومة أو منطقة بعينها، بل هو تضامن مع حركات شعبية أخرى تسعى إلى الحقوق والحرية، روج آفا تُعلّمنا أن الحرية ليست مجرد رغبة، بل هي أسلوب حياة، ومنهج تنظيم، ونهج في العمل السياسي.

مقال بقلم بيسي شاماري

على أعتاب زمن تتداخل فيه الحرب مع الحياة، تواجه روج آفا خطر إبادة جماعية لم يعد مجرد احتمال، بل خطة مدروسة من قوى إقليمية ودولية لتدمير تجربة سياسية واجتماعية فريدة، هذا الهجوم إن وقع لن يهدد المنطقة فقط، بل سيقوّض معنى المقاومة والأمل عالمياً، ورغم تشبيه روج آفا بتشياباس أو غزة، فإن هذه المقارنة قد تُضلل الفهم، فتشياباس تمثل مقاومة مسلحة ضد الدولة القومية والرأسمالية، وغزة رمز لصمود مباشر ضد الاحتلال والحصار، أما روج آفا فهي أكثر من مجرد مقاومة، إنها مشروع مجتمعي جديد يضم الحوكمة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومشاركة المرأة والإدارة الذاتية، واختزالها في مفهوم "المقاومة" وحده يعني تجاهل جوهرها الحقيقي.

واجهت دبلوماسية روج آفا واقعاً قاسياً منذ البداية، لم تكن أي قوة إقليمية أو عابرة للأقاليم مستعدة للاعتراف بمشروع ديمقراطي يتمتع بالإدارة الذاتية كفاعل مستقل وشرعي، هذا الواقع ليس حدثاً عابراً بل هو بنية راسخة، بنية وُضعت فيها دبلوماسية روج آفا منذ البداية في خانة "آلية للبقاء"، البقاء في مواجهة الأعداء المباشرين، والبقاء في مواجهة قوى أكبر تسعى لإدارة الأزمة والسيطرة على جغرافية سوريا، هذان المستويان دفعا روج آفا نحو دبلوماسية طارئة وتكتيكية، لا دبلوماسية شرعية طويلة الأمد، ونتيجة لذلك حُددت دبلوماسية روج آفا منذ البداية في إطار "المساومة على الوقت"، لا "التفاوض على المستقبل".

في بداياتها، واجهت روج آفا داعش وفصائل مسلحة متعددة، لكن الخطر الأكبر كان عدم الاستقرار السياسي والحروب بالوكالة التي تديرها حكومات إقليمية، تحت هذه الظروف اضطرت روج آفا إلى الدخول في "لعبة القوى العظمى"، فاعتمدت مؤقتاً على الدعم الغربي لهزيمة داعش، قبل أن يتحول هذا التعاون إلى عبء سياسي بعد انتهاء المعركة.

وجدت دبلوماسية روج آفا نفسها أمام تناقض صعب، الحاجة إلى دعم دولي دون الوقوع في تبعية كاملة تفقدها استقلالها، فكانت النتيجة دبلوماسية متعددة الأطراف لكنها هشة، تحاول الموازنة بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والنظام السوري، مع الحفاظ على مطالب مجتمعها الداخلي، ومع ذلك لم يمنحها أي طرف اعترافاً سياسياً رسمياً، رغم استفادتهم من وجودها عملياً.

إذا ما حللنا مسار دبلوماسية روج آفا في إطار تاريخي، فيمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل عامة، المرحلة الأولى هي مرحلة التحالف التكتيكي مع الغرب ضد داعش، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة "معادلة البقاء" بعد هزيمة داعش، والمرحلة الثالثة هي مرحلة المواجهة مع النظام العالمي وتحول روج آفا إلى قضية جيوسياسية.

في المرحلة الأولى، نُظر إلى روج آفا كحليف تكتيكي في الحرب ضد داعش، استندت هذه المرحلة إلى مصالح مشتركة في مكافحة الإرهاب, مصالح كانت قبل كل شيء ضرورية للغرب لهزيمة داعش خلال هذه الفترة، كان الدعم عسكرياً واستخباراتياً في المقام الأول، وأقل سياسية ورسمية، استفاد الغرب من هذه التجربة لكنه في الوقت نفسه كان يخشى أن تصبح روج آفا قوة سياسية مستقلة، لماذا؟ لأنها قدمت نموذجاً سياسياً يتناقض مع منطق الدولة القومية والاستبداد الإقليمي، بهذا المعنى لم تكن روج آفا حليفاً دائماً للغرب بل "أداة" كان لا بد من احتواءها والسيطرة عليها بعد تحقيق هدفها.

خلال هذه الفترة، كانت دبلوماسية روج آفا أشبه بدبلوماسية "مستأجرة" مستأجرة بمعنى أنها استفادت من دعم لفترة زمنية محدودة ولغرض محدد, ورغم أن هذا الدعم أدى إلى هزيمة داعش، إلا أنه وضعها أمام سؤال صعب، ماذا سيحدث بعد داعش؟ هل الغرب مستعد لدعم مشروع ديمقراطي ومستقل أم سيتخلى عنه؟ كان الجواب واضحاً آنذاك سعى الغرب إلى الحفاظ على التوازن الإقليمي، لا إلى خلق نموذج جديد.

بعد هزيمة داعش، دخلت روج آفا مرحلة جديدة عنوانها "معادلة البقاء" لم تعد ضرورة عسكرية للغرب، بل قضية سياسية تتعارض مع مصالحه ومع سياسات تركيا، وجدت نفسها بين خيارين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، أو عقد تفاهمات مع دمشق وروسيا لردع الهجمات التركية، لكن دون أي اعتراف رسمي بشرعيتها.

في هذه المرحلة، برزت تركيا كأكبر تهديد، معتبرةً روج آفا خطراً على أمنها القومي بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني واحتمال امتداد نموذج الحكم الذاتي، عبر ضغوط سياسية وعسكرية وبمساندة أو صمت القوى الكبرى دفعت تركيا روج آفا إلى وضع دفاعي، ما أجبرها على اتفاقيات تكتيكية مع دمشق وروسيا، قدمت فيها تنازلات محدودة لتفادي الهجمات.

في هذه المرحلة، أثبتت دبلوماسية روج آفا أكثر من أي وقت مضى أن التهديد الأكبر لها ليس داعش، بل السياسات التركية ومنطق القوى الإقليمية، في الواقع وجدت نفسها في مأزق فمن جهة، كان عليها حماية نفسها من الهجمات العسكرية التركية، ومن جهة أخرى كان عليها تجنب أن تصبح أداة في يد دمشق أو روسيا هذه الازدواجية دفعت روج آفا إلى تحويل دبلوماسيتها من مشروع سياسي إلى مشروع دفاعي، مشروع كان البقاء فيه هو الأولوية القصوى.

مع المرحلة الثالثة، تداخلت أزمات تركيا الداخلية مع تغيّر السياسات الغربية وصراع روسيا والغرب، لتتحول روج آفا من قضية إقليمية إلى نقطة في التنافس الجيوسياسي العالمي، هذا الوضع وضعها أمام معادلة صعبة التقارب مع الغرب يعني خطر التحول إلى أداة، والتقارب مع روسيا أو دمشق يعني فقدان جزء من شرعيتها الداخلية، وهكذا كان عليها أن توازن بين الدعم الخارجي والحفاظ على هويتها السياسية.

دخلت دبلوماسية روج آفا اختباراً حقيقياً هل يمكنها الاستمرار دون اعتراف دولي؟ الجواب يكمن في طبيعتها؛ فهي ليست مشروعاً سياسياً تقليدياً، بل تجربة اجتماعية وثقافية تسمح بمشاركة الناس في السياسة، ما يجعلها قابلة للاستمرار حتى مع تراجع الدعم الخارجي. الأهم أن دبلوماسية روج آفا لم تكن مجرد علاقات بين الدول، بل فكرة تتحدى النموذج السياسي المركزي، وترمز لإمكانية ممارسة المجتمع للسياسة دون سلطة واحدة، هذه الفكرة المرفوضة من القوى العظمى، تشكل تهديداً للنظام العالمي القائم أكثر من أي قوة عسكرية.

لكن في ضوء هذا التحليل، لا بد من التساؤل، لماذا لا تزال روج آفا تُقارن بتشياباس (ولاية مكسيكية) أو غزة؟ الإجابة بسيطة، لأنها جميعاً رموز للمقاومة ضد القمع والاستبداد، وتبدو جميعها رموزاً لنضال أوسع نطاقاً من منظور عالمي، ولكن لتوضيح الاختلافات الجوهرية، يجب أن نذكر أن تشياباس وغزة وروج آفا تواجه كل منها ظروفاً مختلفة من منظور تاريخي وسياسي، تمثل تشياباس مقاومة اجتماعية ومسلحة في قلب الغابات ضد قوى محلية وأجنبية، وضد الحكومة الوطنية والرأسمالية العالمية، أما غزة فتمثل مقاومة مباشرة ودؤوبة ضد الاحتلال والحصار، لكن روج آفا إلى جانب المقاومة نفذت مشروعاً هيكلياً جديداً على مستوى المجتمع مشروعاً لا يقتصر على الدفاع فحسب، بل يشمل أيضاً الإدارة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومشاركة المرأة والإدارة الذاتية، لذلك إذا حاولنا تعريف روج آفا في سياق "المقاومة" فقط، فإننا نتجاهل جزءاً كبيراً من جوهرها.

روج آفا تمثل تجربة "توليد القوة من القاعدة"، حيث تُستمد السلطة من المجتمع نفسه لا من حكومة مركزية، هذا هو الفرق الجوهري بينها وبين تشياباس وغزة، فالأخيرة تشكلت في إطار المقاومة والدفاع بينما روج آفا إلى جانب المقاومة، تبني نظاماً اجتماعياً جديداً يقوم على الإدارة الذاتية، مشاركة المرأة، والعدالة الاجتماعية، هنا تصبح السياسة عملية اجتماعية تشرك الناس في صنع القرار وتهدف ليس فقط إلى البقاء، بل إلى بناء المستقبل.

لم تواجه روج آفا أعداءً عسكريين فقط، بل أيديولوجيين أيضاً، ممن خشوا من نموذجها الذي أثبت إمكانية ممارسة السياسة دون حكومة مركزية أو سلطة مطلقة، هذا الخوف جمع حكومات إقليمية وقوى رأسمالية وفاشية وإسلامية مسلحة ضدها، ما دفعها إلى توسيع دبلوماسيتها لتشمل المجتمع الدولي وتشكيل شبكة تضامن عالمية تتبادل الدعم والخبرات. في هذا السياق لعبت المرأة دوراً محورياً إذ أثبتت روج آفا أن أي مشروع ديمقراطي لا يمكن أن يستمر دون مشاركة نسائية فعّالة، فالقوة لا تُبنى في ساحات القتال فقط، بل أيضاً في الثقافة والتعليم والتنظيم الاجتماعي، ومن خلال تمكين المرأة وتعليمها برهنت روج آفا على أن القوة تُصنع من القاعدة، لا تُفرض من القمة.

روج آفا أثبتت أن المقاومة يمكن أن تترافق مع بناء نظام جديد، وهو ما يميزها عن تشياباس وغزة ويجعلها نموذجاً للمستقبل، ففي ظل أزمات النيوليبرالية وانهيار الدول القومية، تقدم روج آفا تجربة للإدارة الذاتية تُظهر إمكانية الخروج من رحم الأزمة بنموذج بديل، هذه التجربة، القائمة على قدرة الناس على تنظيم حياتهم بأنفسهم، تشكل تهديداً للنظام القائم لأنها تنقل السياسة من ساحات الحرب إلى المجتمع، في الشوارع والمصانع والمدارس والجامعات والحركات الاجتماعية، وهكذا تتحول المقاومة من ظاهرة محلية إلى مشروع عالمي يحتاج إلى تضامن واسع، وهنا يمكن القول أن روج آفا ليست مجرد مقاومة ضد الاحتلال والقمع، بل نموذج عملي للتضامن العالمي، يجمع بين مؤيدي تشياباس والمدافعين عن غزة وبين الحركات النسائية والبيئية والمناهضة للحرب، فهي تذكّرنا أن الحرية ليست قضية محلية، بل مسار مشترك لكل من يقف ضد القمع وعدم المساواة والحروب.

لروج آفا جذور تاريخية عميقة في فكرة أن "كردستان مستعمرة"، وهي حقيقة قاسية جرى تجاهلها سياسياً وثقافياً واقتصادياً من قبل حكومات المنطقة والنظام العالمي، لتتحول إلى شكل من "الاستعمار الخفي"، في تركيا بلغ هذا القمع ذروته حين سعى النظام إلى محو هوية الكرد ورموزهم، في واحدة من أبشع صفحات التاريخ.

لكن ما أريد دفنه تحت الخرسانة والإسمنت أصبح اليوم رمزاً للمقاومة، القبر ذاته تحوّل إلى مرآة تعكس الحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، هذا التحول ليس حدثاً عابراً، بل عملية تاريخية تُظهر أن من رحم القمع والتمييز والحرب يمكن أن يولد نظام فكري واجتماعي جديد، ومن هنا انبثقت تجربة روج آفا، كتجسيد حي للمقاومة والبناء معاً.

دعم روج آفا ليس دعماً لحكومة أو منطقة، بل هو دعم لصوتٍ ينتمي إلى الحركات الشعبية الساعية للحرية والحقوق، فهي تقدم نموذجاً اجتماعياً جديداً تُصنع فيه السلطة من القاعدة، ويشارك فيه النساء والأقليات والعمال والشباب والمجتمع المدني في بناء المستقبل، هذا النموذج يمثل أملاً يتجاوز حدود الكرد ليشمل كل من ضاق ذرعًا بالاستبداد والرأسمالية والحروب.

روج آفا ليست مجرد مقاومة محلية بل رسالة عالمية تقول إن البناء والتنظيم وإعادة تعريف الحياة ممكنة حتى وسط انهيار الدول القومية وأزمات النظام النيوليبرالي، ومن خلال التضامن يمكن تجاوز الحدود وصياغة مستقبل آخر، لهذا تُعتبر التجربة تهديداً للنظام القائم لكنها في الوقت نفسه ضوءً لا يمكن محوه، يذكّر كل من يؤمن بالتغيير أن هناك طريقاً آخر.

ختاماً، لا بدّ من القول إن الوقت ينفد والخطر بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، تقف روج آفا على مفترق طرق، فإذا تُركت وشأنها، فمن المرجح ألا تُسحق أرضها فحسب، بل ستُسحق معها إمكانية بناء مستقبل آخر، تحت وطأة الحرب وسياسات القوة، ولكن إذا تكاتفنا جميعاً من كل ركن من أركان العالم ومن كل حركة وكل مقاومة تؤمن بالعدالة والحرية، فبإمكاننا الحفاظ على هذه التجربة حية إذا أظهرنا تضامننا من تشياباس إلى غزة، ومن الحركة النسائية إلى دعاة حماية البيئة، ومن نشطاء مناهضة الحرب إلى دعاة السلام، ومن كل من لا يزال يؤمن بالإنسانية، فلن تنجو روج آفا فحسب، بل ستصبح رمزاً عالمياً للمقاومة والبناء، هذه دعوة دعوة للدعم العالمي للتضامن، لنُظهر أن العالم لا يزال بإمكانه أن يكون مختلفاً.