ندوة تسلط الضوء على التحديات الأمنية للنساء في مناطق الصراع
سلطت الندوة الرقمية التي نظمها تحالف "ندى" الضوء على تجارب نساء من فلسطين والسودان ولبنان والعراق في مواجهة الحروب والأزمات، مؤكدةً دورهن المتنامي في الحماية الذاتية وصنع القرار وبناء مسارات سلام أكثر شمولاً.
تونس ـ أكدت المشاركات في الندوة أن الوقت قد حان لتجاوز السردية التي تحصر النساء في دور الضحية، والخروج من اختزالهن في الأرقام التي تعتمدها المنظمات الدولية والهيئات لإعداد التقارير، وأن يُفسح المجال أمامهن ليصبحن صانعات قرار وشريكات فعليات في بناء السلام الشامل.
نظم تحالف "ندى" أمس الخميس 18حزيران/يونيو ندوة رقمية عبر منصة زوم بعنوان "النساء في مواجهة الحروب والأزمات الممتدة: من الحماية الذاتية إلى بناء الأمن والسلام الشامل ـ رؤى متقاطعة من فلسطين، السودان، لبنان، العراق"، وتناولت المتحدثات أهمية النضال المشترك على المستويين الإقليمي والأفريقي لتعزيز حضور النساء كصانعات قرار بعيداً عن حصرهن في صورة الضحايا خلال الحروب والصراعات، وأشارت المداخلات إلى أن النساء، سواء في السودان أو غزة أو سوريا، أثبتن خلال السنوات الأخيرة قدرتهن على التنظيم والحماية الذاتية ودعم مجتمعاتهن، وعدم الاكتفاء بدور المراقبة.
وحذرن من المد الرجعي الشوفيني في المنطقة والذي يسعى للحد من تقدم الحركات النسائية خاصةً وأن الصراع لم يعد داخلياً فقط بل تغذيه التدخلات الأجنبية على غرار تجربة سوريا، مؤكدات على أهمية تبادل التجارب والرؤى والخبرات لا فقط التضامن خاصةً مع ضعف الحماية للنساء في مناطق الصراع وحرمانهن من الوصول للخدمات الصحية ومواقع صنع القرار.
"ما يحدث في لبنان ليس حرباً"
وبدأت الناشطة اللبنانية خديجة الحسيني بالتأكيد على أن ما يحدث في لبنان ليس "حرباً" لأن الحرب بين طرفين، بينما هنا "معتدٍ وضحية"، وصفت الوضع بأنه مواجهة لا متناظرة وتطهير عرقي على غرار فلسطين، يستهدف محو معالم المنطقة وتشريد سكانها بدعم أمريكي وصمت عربي ودولي.
وأشارت إلى أن إسرائيل تواصل غاراتها بلا هوادة حتى بعد وقف إطلاق النار المزعوم، ودمرت القرى الحدودية وضاحية بيروت الجنوبية والبقاع، فيما تسميه تل أبيب "احتلال غير محدد المدة" عبر إنشاء "خط أصفر" أو "منطقة قتل" مشابه لقطاع غزة.
واستعرضت أرقاماً حتى الأول من حزيران/يونيو الجاري والذي بلغ مليون نازح 3500 قتيل، 10 آلاف إصابة، لكنها لم تقف عند الضحايا البشرية، بل ركزت على أن الحرب هي على الأرض والمياه والزراعة والذاكرة والآثار، فبحسب وزارة الزراعة تضرر 56.264 هكتار زراعي منها 6600 هكتار زيتون، و11075 هكتار أشجار فاكهة، و793 بيت زجاجي، ونفوق 1.8 مليون رأس ماشية ودواجن، إضافة لتلوث التربة بالفوسفور الأبيض، وقدرت الخسائر بـ 118 مليون دولار للبنية الزراعية و586 مليون دولار للمحاصيل، مؤكدةُ أن هذا يضرب صميم الاقتصاد الريفي.
وقالت إن المرأة تواجه ما يواجهه الرجل لكن مع أعباء جسدية خاصة مثل الحيض والحمل والرضاعة وهي أمور تتطلّب ظروفاً صحية آمنة وغالباً ما تكون غائبة، فوق ذلك تتحمّل وحدها في كثير من الأحيان مسؤولية الأسرة، ورعاية ذوي الإعاقة في ظل تراجع دور الدولة.
ورغم كل هذه الضغوط، شدّدت على أن النساء لا يرين أنفسهن ضحايا؛ فهن النازحات اللواتي يطبخن للآخرين، والمسعفات في الخطوط الأولى، واللواتي ينقلن المؤن للمقاتلين، والصحفيات العاملات في قلب الحدث ولهذا برأيها استهدفت إسرائيل الصحفيات لأنها تخشى الكلمة الحرة أكثر من الرصاص.
"إسرائيل لا تستهدف الجسد فقط"
بدورها قدمت الصحفية الغزية إسلام أبو صرار، ممثلة اتحاد لجان المرأة الفلسطينية في تحالف "ندى"، مداخلة بعنوان "الأمن الشامل للنساء الفلسطينيات بين حرب الإبادة في غزة والانتهاكات المتصاعدة في الضفة الغربية" عرضت فيها واقع النساء عبر سبعة مستويات أمنية مترابطة، موضحة أن إسرائيل لا تستهدف الجسد فقط بل تضرب منظومة الحياة بشكل كامل، أما على الصعيد الاقتصادي فقد دمرت المشاريع الصغيرة التي تقودها النساء وتحولت كثيرات إلى معيلات وحيدات بلا أي شبكة أمان بعد فقدان مصدر الدخل والبيت.
وأضافت "امتد المساس بحياة النساء ليشمل الأمن الغذائي مع الحصار والمجاعة في غزة وتوقّف المساعدات، فباتت النساء يقفن ساعات طويلة لتأمين الخبز أو الماء لعائلاتهن، كما تزعزع الأمن المجتمعي بفعل النزوح المتكرر الذي قطع شبكات الجوار والأقارب، وهي الروابط التي شكّلت تاريخياً مصدر دعم أساسي للمرأة".
وأكدت أن الأمن النفسي تعرض لضربة قاسية نتيجة صدمات فقدان الأبناء والعيش تحت القصف المستمر، ولم ينجُ الأمن السياسي والحقوقي من الاستهداف، إذ تُغيَّب النساء عن مسارات القرار والسلام، ويواجهن الاعتقال الإداري، إضافة إلى مصادرة الأراضي والمنازل في الضفة الغربية.
وعلى الرغم من هذا الحجم من المعاناة، خلصت إسلام أبو صرار إلى أن الفلسطينيات لم يبقين في خانة "الضحية"، بل برزن كقوة مجتمعية فاعلة وصنعن أشكالاً متعددة من الصمود، صمود أسري عبر الحفاظ على تماسك العائلة رغم الفقد، وصمود مجتمعي بإدارة مراكز الإيواء ومساندة النازحات، وصمود اقتصادي بإعادة تدوير الموارد من تحت الركام، وصمود إعلامي بالتوثيق والشهادة رغم استهداف الصحفيات بالقتل.
"واجهن العنف والنزوح"
وقدمت الناشطة السودانية ريم فرح، المتخصّصة في قضايا الحكم والسياسات، عرضاً لوضع النساء في السودان، موضحة أنهن واجهن العنف الجنسي والنزوح، واصطدمن بصعوبات كبيرة في الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية وسائر الخدمات الأساسية، مشيرةً إلى أن النساء لم يستسلمن لهذه الظروف، بل واصلن المقاومة من أجل البقاء، ونظّمن فرق استجابة تعمل على الحماية الوقائية رغم المخاطر والاعتداءات والاختراقات التي طالت الأدوات التي كنّ يعتمدن عليها "ابتكرت السودانيات وسائل ذكية للنجاة والدفاع، وتمكن من تجاوز القيود المفروضة عليهن، لذلك لن يقبلن بدور الضحية وستنجحن في كسر الحواجز لتأمين الحماية لأنفسهن ولغيرهن".
"يجب حماية النماذج النسائية"
وتحدثت الناشطة النسوية والسياسية أمينة عمر عن تجربة الإدارة الذاتية في إشراك النساء في مواقع القرار والتنظيم، موضحة أن هذا النموذج أتاح لهن الحضور الفاعل عبر وحدات حماية المرأة والبنى السياسية التي مكنتهن من تحقيق مكاسب واسعة وصولاً إلى تمثيل سياسي متساو مع الرجال.
وأشارت إلى أن التجربة التي برزت في شمال وشرق سوريا شكّلت مصدر إلهام للنساء في المنطقة، اللواتي تمنّين تعميمها، غير أن المد الرجعي الذي تشهده البلاد اليوم يثير مخاوف من تقويض ما تحقق "إن التجربة رائدة لكنها محاصرة، وإن التراجع بات هاجساً حقيقياً"، مشددةً على ضرورة حماية النماذج النسائية المتقدمة ودعمها كي تتوسع، وأن تُمنح النساء دوراً أساسياً في بناء السلام والإدارة الحكيمة لضمان استدامة ما تحقق.
"الصراع ليس داخلياً فقط"
من جانبها أشارت الناشطة النسوية السودانية نعمات كوكو، إلى أهمية دعم تجربة النساء شمال وشرق سوريا خاصة مع صعود الدولة الدينية، معتبرةً أن الصراع ليس داخلياً فقط بل يرتبط بتدخلات لها علاقة بقضايا إقليمية ودولي، مؤكدةً على أهمية استمرار التضامن والنضال وتبادل الخبرات من أجل النساء في المنطقة وشمال أفريقيا ليكن في صناعة القرار.