ندوة إقليمية في تونس تناقش قوانين الأحوال الشخصية في المنطقة

عبرت المشاركات في الندوة عن أهمية تبادل التجارب والخبرات خدمة لحقوق النساء في شمال أفريقيا التي تواجه تحديات كبرى وتراجعات واضحة من ناحية المساواة وتكافؤ الفرص والحريات.

زهور المشرقي

تونس ـ عقدت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أمس الأربعاء 12 آب/أغسطس، ندوة إقليمية بحضور ناشطات وناشطين من تونس وخارجها احتفالاً بالذكرى السبعين لصدور مجلة الأحوال الشخصية.

تأتي هذه الندوة في سياق الاحتفاء بمرور سبعة عقود على صدور المجلة، باعتبارها إصلاحاً قانونياً فارقاً أسهم في تحويل العلاقات الأسرية وبناء دولة المواطنة، وتتزامن مع سياق عالمي يشهد تراجع مكاسب النساء، وتصاعد الحركات المحافظة واليمينية المتطرفة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والبيئية وما تفرزه من أوجه عدم مساواة.

وتستند الندوة إلى تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة الصادرة في 8 آذار/مارس 2025، التي تؤكد تراجع حقوق النساء والفتيات عالمياً وتزايد التهديدات التي تواجههن، من تمييز وعنف ونقص في الموارد المخصصة لحمايتهن. كما تأتي في ظل استمرار التمييز في مجالات أسرية وقانونية، كالطلاق والولاية والنسب والإرث، بما يجعل هذا اللقاء فضاءً دولياً لتلاقي المنظمات النسوية والحقوقية ودعم مسار الحريات وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية والسياسية للنساء.

 

التجربة التونسية في مجلة الأحوال الشخصية

افتتحت رجاء الدهماني رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، الندوة الدولية التي تحتضنها تونس بهدف تقييم مدى تحقق المساواة داخل الأسرة وتبادل التجارب ووضع خارطة طريق مشتركة للنهوض بحقوق النساء في المنطقة، حيث شددت على أن تونس لا تنفصل على السياق الإقليمي والدولي الذي يعيش صراعات وتقهقر في حقوق النساء ما يحتم عليهن التنسيق وتبادل الخبرات والتجارب كحركات نسوية تحمل نفس الهدف. 

وأوردت أن تونس تشهد تراجعاً في الخطاب الحقوقي وهو تراجع يتخذ فترات مختلفة تصاعداً أو خفوتا بحسب الظروف والإرادات السياسية العامة، معتبرة أن "تونس تملك أحكاماً سباقة (مثل منع تعدد الزوجات)، لكن اليوم هناك دول أخرى متقدمة نوعاً ما في مجال حقوق النساء والمساواة".

وطُرح خلال الندوة سؤال "أين نحن من المساواة؟"، في ظل تحديات ما تزال تواجه النساء في تونس، من بينها مقترحات إخراج الطلاق من أروقة المحاكم وما قد يترتب عنها من مساس بحقوق النساء والأطفال، إلى جانب ارتفاع البطالة في صفوف النساء واستمرار الحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي لضمان استقلاليتهن ومواجهة صعوبات الحياة.

وأفادت رجاء الدهماني بأن التشريعات المتعلقة بحقوق النساء لا تزال تعكس مظاهر التمييز وعلاقات القوة بين الجنسين، رغم الإصلاحات القانونية في عدد من الدول، مشيرة إلى استمرار التمييز في مجالات الزواج والطلاق والولاية والنسب والحماية من العنف والاستقلالية الاقتصادية.

وأكدت أن الوضع الحالي يمثل خطراً على حقوق النساء وعلى مكتسبات الحركة النسوية، داعية إلى الحوار والمقاومة وتحمل الحكومة مسؤولياتها، خاصة في ما يتعلق باحترام التزاماتها الدولية وملاءمة القوانين الوطنية معها.

​وردت على رسائل وزارة المرأة التي تحذر من تفكك الأسرة والإدمان والظواهر الأخرى، بالتأكيد على أن مجلة الأحوال الشخصية والمطالبة بالمساواة لستا مسؤولتين عن هذه المشكلات، موجهة المسؤولية نحو إجراء مراجعة شاملة وكاملة تستند إلى دراسات سوسيولوجية ونفسية لمعرفة الأسباب المباشرة للظواهر الاجتماعية، مع التحذير من استهداف حقوق النساء والإساءة إليها تحت هذه الذرائع.

 

تجربة روج آفا فريدة وملهمة

​وفي لقاء خاص لوكالتنا قالت نوبهار مصطفى، الناشطة النسوية الكردية من سوريا، إن المشاركة في الندوة الخاصة بمرور 70 عاماً على صدور مجلة الأحوال الشخصية في تونس جاءت بناءً على تبادل التجارب بين البلدان وقوانين الأحوال الشخصية في إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مشيرةً إلى أن حضورها يهدف للحديث عن تجربة "روج آفا" وما تقدمه من قانون للمرأة يعد أكثر تقدمية وتطوراً نسبياً مقارنة بالقوانين الإقليمية الأخرى لتسليط الضوء على تجربة ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا.

و​أكدت أن قوانين الأحوال الشخصية في روج آفا تستند إلى عقد اجتماعي نسائي يجمع مختلف التيارات السياسية والمجتمعية والمدنية على مبادئ المساواة والعدالة والتمكين القيادي للنساء، والتي نتج عنها تنظيم قوانين الأسرة والمرأة التي أثارت تساؤلات حركات نسائية في دول أخرى بشأن مسائل كالمساواة في الميراث والحضانة، النفقة، إلغاء المهر وتعدد الزوجات، وتعديل ولاية الأطفال ومنع زواج القاصرات وفرض عقوبات جزائية ومالية على المخالفين.

​وأضافت أنه إلى جانب إقرار تلك القوانين، عملت الحركات النسائية في المنطقة على بناء الأكاديميات وعقد الندوات والمحاضرات لكل من النساء والرجال لتحقيق نهضة مجتمعية لا تقتصر على النصوص القانونية والعقوبات وحدها، بل تستند إلى قناعة ذهنية مجتمعية راسخة.

وبينت نوبهار مصطفى أن المرأة الكردية قادت نضالاً سرياً وعلنياً طيلة أربعين سنة شمل المجتمع بكامل أطيافه، بالرغم من الملاحقات الأمنية والاعتقالات والمحاكمات من قبل نظام البعث لكنها قاومت من أجل حقوقها، مشددة على أهمية أن يكون تطبيق القوانين نابعاً من قناعة مجتمعية وقناعة الفرد بغض النظر عن جنسه.

 

النساء خسرن حقوقهن في تعديل مدونة الأسرة

ومن العراق، قالت الناشطة النسوية بشرى أبو العيس إن الأحزاب الحاكمة في العراق دفعت نحو تعديل طائفي لقانون الأحوال الشخصية استناداً إلى المادة 41 من الدستور، بما يعزز اعتماد المذهب الجعفري في تنظيم قضايا الأسرة.

وأوضحت أن التعديل واجه رفضاً شعبياً وتشكيل "تحالف 188" للدفاع عن القانون الذي اعتبرته مكسباً مهماً لحقوق النساء والأطفال، لكونه يستند إلى أحكام الشريعة ويصوغها في مواد قانونية واضحة تراعي حقوق الأسرة.

وأضافت أن التعديل أُقر بالإجماع دون مناقشة كافية لمواده أو للمدونة الجعفرية، ما أثار انتقادات من المجتمع المدني والأحزاب الديمقراطية والاختصاصيين في الفقه.

وأكدت أن المدونة الجديدة، التي تضم نحو 320 مادة، تتضمن أحكاماً تُفقد النساء بعض الحقوق التي ضمنها قانون 188، خاصة في مسائل الزواج والطلاق والحضانة والإرث.

 

لا بد من تنقيح مدونة الأسرة

وفي السياق المقارن، أشارت المشاركة من المغرب عاطفة تيمجردين، إلى وجود مدونة سابقة تعود لعام 1958 تم إصلاحها في عام 2004، وسط انتقادات لإضفاء طابع القداسة على ذلك النص الذي أصبح غير منسجم تماماً مع واقع النساء اللواتي أصبحن متعلمات، مساهمات في الإنتاج الاقتصادي، ومشاركات بفعالية في الحياة السياسية.

وأبرزت أن إصلاحات 2004 أقرت الطلاق القضائي والمسؤولية المشتركة وضبطت سن الزواج والولاية، لكنها لم تشمل نظام المواريث. ورغم دسترة مبدأ المساواة وتحديد سن الزواج في 18 سنة، لا تزال مدونة الأسرة تواجه تحديات، أبرزها استمرار تزويج القاصرات وصعوبة تفعيل مبدأ المسؤولية المشتركة.

وأضافت أن مساهمة المرأة في المجتمع واقعية وميدانية، سواء في العمل المهيكل أو غير المهيكل، في حين تبقى النفقة واجباً على الزوج والأب، مشيرة إلى تصاعد المطالب بإصلاح مدونة الأسرة منذ 2023، خاصة بعد الدعوة الملكية إلى مراجعتها بما يواكب واقع المجتمع ويضمن حقوق المرأة.

وأوضحت أن اللجنة المكلفة بالمراجعة استمعت إلى مختلف الأطراف وتلقت 138 مقترحاً، لكنها اعتمدت 17 مقترحاً فقط، تراوحت الآراء بشأنها بين القبول والرفض.

واختتمت بالتأكيد على أن المقترحات المتعلقة بالإرث وسن الزواج لم تلبِّ تطلعات الحركة النسوية، خاصة مع تحديد سن الزواج في 17 سنة بدلاً من 18 سنة، مشددة على استمرار النضال والترافع من أجل إصلاح حقيقي لمدونة الأسرة يضمن للنساء حقوقهن ومواطنتهن الكاملة.