نضال المرأة في مواجهة المؤامرات السياسية ودورها في تحقيق المساواة
يشهد استمرار مشاركة المرأة الفعّالة في السياسة وجهودها للدفاع عن نفسها تأثيراً ملموساً على النظام الاجتماعي التقليدي وهيكل الدولة الذي يسيطر عليه الرجال، وتبرز المرأة بدورها كعنصر أساسي في تأسيس مجتمع حر يقوم على المساواة ويخدم كافة شرائح المجتمع.
بيريفان زيلان
يشهد العالم والمنطقة تصاعداً في الصراعات والحروب غير التقليدية التي تعتمد على قوى شبه عسكرية بشكل متزايد، في ظل إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية خصوصاً في الشرق الأوسط، هذه التغيرات تفتح المجال لاحتمالات جديدة تتجاوز أهداف القوى المهيمنة، الحرب في الشرق الأوسط وكردستان باتت تؤثر بشكل ملحوظ على المنطقة والعالم إلى جانب الصراع الروسي الأوكراني والتدخلات الأمريكية في مناطق كفنزويلا وتحركات أخرى تهدد استقرار دول مثل كوبا وإيران، التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤثر ليس فقط على علاقاتهما الثنائية بل على المنطقة بأكملها، مما يدفع دولاً مثل السعودية وتركيا والعراق وقطر إلى إعادة تقييم مواقفها الاستراتيجية، في ظل هذا المشهد المتغير الذي يعج بالفاعلين والتحالفات المتقلبة تبقى النتائج غير واضحة والتوقعات النهائية معرضة للخطأ.
الكرد وإنشاء نموذج بديل
في إطار الحرب العالمية الثالثة في سوريا، أدّى اتفاق باريس إلى شنّ هجوم واسع يوم السادس من كانون الثاني/يناير الماضي على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب بمشاركة قوى إقليمية وعالمية متعددة، امتدت الهجمات التي نفذها جهاديي هيئة تحرير الشام وداعش على مناطق شرق الفرات حيث تم استُخدمهم كأداة ثانوية ضد الكرد لإضعافهم ضمن تقارب مصالح الدول القومية، هذا التواطؤ الذي استهدف الحكم الذاتي عبر هذه الجماعات خدم مصالح القوى المهيمنة إقليمياً وعالمياً وسعى لتدمير نموذج مجتمعي تقوده المرأة، بينما لم يكن لدى أحمد الشرع (الجولاني) أي صراع أيديولوجي مع النظام القائم، فهو يدرك حدود نفوذه ويخفف خطابه دولياً، الكرد كشعب أصيل في المنطقة يقدّمون نموذجاً للحرية الثقافية والقيادة النسائية مما دفع الرأسمالية للنظر إليهم كتهديد لبنيانها وتحييدهم بكافة الطرق، هذه التطورات جعلت أحداث سوريا تُوصف كمؤامرة دولية ثانية بعد 15شباط.
الحرب الخاصة والنفسية
بالتزامن مع المؤامرة الدولية التي تم تنفيذها خلال هذه العملية والتي استهدفت إبادة الشعب الكردي، شهدت حملة مكثفة من التلاعب الإعلامي تهدف إلى التغطية على التحالف المشبوه الذي ظهر من خلال التركيز على "أسباب هزيمة الكرد" و"مواطن القصور"، تم تشويه الرأي العام بإطار في نجاح وفشل عسكريين محدودين بهدف خنق الأمل وإلغائه.
كما كشفت هذه الهجمات المدبرة، التي طالت القائد أوجلان عن عمق المؤامرة واتساع نطاقها، وصُوّر نموذج الدولة الديمقراطية على أنه غير واقعي ومتهالك، الهدف كان تحجيم دور القائد أوجلان في الكفاح من أجل حرية الشعوب والنساء وتقليص تأثيره على المستوى العالمي، بل إنهم كانوا على وشك أن يعلنوا أن مسألة تحرير المرأة ليست سوى حلم غير قابل للتحقيق، في ظل هذه الحرب الخاصة تم الترويج للحرب النفسية بشكل مكثف وشامل مع بث سموم القومية البدائية في عروق المجتمعات، وبالتأكيد فإن مواجهة خطاب الكراهية والطائفية والعنصرية ووضع أجندة واضحة لمواجهة تلك التحديات، أمر لا غنى عنه للرد على هذه الهجمات، ومع ذلك لن تُحقق الأهداف المنشودة ما لم يتزايد عدد الفاعلين السياسيين وتتعزز شبكات النضال في مختلف المجالات مع إنشاء منظمات تستند إلى رؤية مشتركة تشمل كافة الشرائح المبدئية.
أثر حركة الحرية
لطالما تحركت القوى الدولية المهيمنة في سياساتها الخارجية بناءً على مصالحها الذاتية، متجاهلة المعايير الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، وفي هذا السياق فأن تعريف "القوة" كقوة تهديد إرهابي لا يُبنى على نواياها في استخدام العنف فحسب، بل على إمكانية السيطرة عليها السبب الرئيسي وراء استهداف نهج القائد أوجلان وحركة الحرية الكردية لا يقتصر على دفاعها عن الهوية والحقوق الكردية، بل يتمثل أيضاً في التهديد الذي يشكله سعيها لإقامة نظام بديل، فالنموذج الذي تقدمه الحركة لتحرير المرأة ورؤية الأمة الديمقراطية يحملان إمكانية توحيد الشعوب بمختلف مذاهبها وآرائها المتباينة على أساس مشترك، وقد ظهرت تأثيرات هذه الحركة العالمية بوضوح خلال جهود الدفاع عن روج آفا، وهو ما شكل عامل خوف لدى القوى التي تعارض هذه الرؤية.
كان دور القائد أوجلان حاسماً في إيقاف عمليات الإبادة الجماعية قبل أن تبلغ ذروتها، كما أن النضال المتواصل لخمسة عقود ساهم بشكل غير متوقع في بناء نظام مستقر في روج آفا، ترك بصمته على مستوى عالمي، وأثار هذا الإنجاز موجات من التضامن والردود المؤيدة على الصعيدين الوطني والدولي، مؤكداً التأثير الكبير للحركة الكردية في تشكيل رؤية جديدة للمجتمعات والمستقبل.
يجب تكثيف النضال
في ظل ظهور مؤامرة جديدة مشابهة لمؤامرة 15 شباط، أصبحت الحاجة لتعزيز الحوار والتحالف والنضال المشترك أمراً ملحاً، وذلك بالاستناد إلى مفهوم الأمة الديمقراطية الذي يشمل جميع الأطياف والجماعات من الكرد والعلويين والدروز والسريان والأرمن والمسيحيين والعرب وغيرهم، في مواجهة محاولات التحريض والانقسامات وتأجيج الصراعات، تؤكد التطورات أهمية تحقيق الاعتراف المتبادل، وتعزيز الثقة، والعمل على ترسيخ أسس الأمة الديمقراطية بشكل أقوى من ذي قبل، فقط من خلال هذا النهج يمكن التصدي لمخاطر المجازر والإبادة الجماعية، خلاف ذلك فأن العواقب المحتملة ستكون مزيداً من الفوضى والدمار الذي يهدد النساء والشعوب على حد سواء.
توقفت الهجمات بعد اتفاق 29 كانون الثاني/يناير، ولكن المخاوف من احتمال استئنافها لا تزال قائمة، الوضع الحالي يكتنفه الغموض بشأن تطوراته المستقبلية، في حين حظي النضال المشروع في المناطق ذات الحكم الذاتي باهتمام غير مسبوق بين الكرد وحلفائهم، خاصة النساء والرأي العام الديمقراطي، وقد شهدت المرحلة الأخيرة تعزيز الوحدة الوطنية إلى مستوى ملحوظ بفعل الجهود الديمقراطية والمبادرات التي تعزز الشعور بالملكية الجماعية داخل كردستان وخارجها، على الصعيد العالمي كان للتحركات الدولية الواسعة تأثير كبير على مقاومة الكرد ودفاعهم عن وجودهم حيث تضاهت أهميتها مع النضال الذي خاضوه ضد داعش.
في المرحلة المقبلة، وبعد الاتفاق، يُتوقع أن تتواصل النضالات لتحقيق أهداف شاملة ضمن إطار عملية اندماج ديمقراطي، تشمل هذه الأهداف دمقرطة سورية وضمان إدراج الهوية والمعتقد وحرية الفكر كحقوق أساسية للمواطنة ضمن الدستور في هذا السياق يتزايد دور النساء بشكل بارز، إذ سيواصلن لعب أدوار قيادية من خلال مساهماتهن الفاعلة في البناء واتخاذ القرارات، إلى جانب مشاركتهن المتزايدة والحاسمة في المجالات السياسية والعسكرية والدبلوماسية والإدارات المحلية وكذلك منصات الإعلام المختلفة.
العنف ضد المرأة
على وجه التحديد، ينزلق الشرق الأوسط وكردستان إلى دوامة من التمييز الجنسي والقومي والديني والعسكري، نعيش اليوم فترةً تُستهدف فيها مكاسب المرأة أكثر من أي وقت مضى، في الوقت نفسه برزت حقوق المرأة، والمخاطر التي تواجه إنجازاتها وتصاعد حدة النضال ضدها بشكلٍ غير مسبوق في الشرق الأوسط والعالم، وقد شهدنا نشاطاً ملحوظاً في سياسات الدولة وفي ساحات النضال، من هذا المنطلق يكتسب القول بأن 24 ساعة في السياسة وقتٌ طويلٌ ودلالةً بالغة، في ظل هذه الظروف يصبح السؤال عن كيفية خوض نضالٍ نسائيٍّ فعّالٍ أمراً حاسماً.
في سياق عالمي متشابك، تتداخل هياكل السلطة الفاشية المتحيزة ضد النساء مع جماعات جهادية مسلحة في عدة مناطق حول العالم منذ عقود، هذه الأطر لم تتردد يوماً في استغلال هذا التحالف محلياً مما عزز تصاعد العنف ضد المرأة خاصة في أوقات الحروب والصراعات الداخلية التي يرسخها النظام الذكوري وهيمنته، حيث تصبح أجساد النساء ميدان معركة إذ تعتبر في العديد من الثقافات رمزاً لشرف الأمة ما يجعلها هدفاً مباشراً للهجوم.
على الأرض، تتجلى هذه الاعتداءات عبر العنف المباشر والقتل ضد النساء في أفغانستان، إيران، وسوريا، وغيرها. لكن الدينامية لا تقتصر على هذه المناطق فقط، إذ يظهر انعكاس لها في دول الغرب بطرق مختلفة خلال السنوات الأخيرة تصاعد تأثير الأنظمة اليمينية ذات التحيز الجنسي، وأرتبط ذلك بازدياد ملحوظ في الهجمات ضد النساء، تركيز الأحزاب اليمنية المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة على قضايا مثل الأسرة والخصوبة والقيم الوطنية يمثل محاولة واضحة لإعادة ترسيخ الفكر القائم على التمييز الجنسي.
في هذا السياق، توفر ملفات قضية إبستين مثالاً صارخاً على مستوى العنف الموجه ضد النساء داخل النظام الرأسمالي، فقد أظهرت هذه الملفات الوجه الخفي للعلاقات البنيوية التي تُمكِّن ازدهار هذا الشكل من القمع والتجاوزات الحقوقية، ما يجدر التوقف عنده هو أن هذا العنف الممنهج لا يقتصر فقط على ساحات المعارك واستخدام السلاح، بل يتمدد ليصبح جزءاً من البنية الاجتماعية والاقتصادية.
وعلى الرغم من ذلك، نجد أن أوجه التشابه مذهلة بين ما تمارسه الجماعة الجهادية المتطرفة وبين العنف الجنسي الناتج عن السلطة النخبوية فكلا النوعين ينبع من منطق سلطة موحد، لكن بينما تعامل الدول غالباً باستخفاف مع جرائم العنف ضد المرأة تفرض إجراءات قمعية صارمة على النساء اللواتي يتحركن سياسياً لمواجهتها.
في النهاية، يتضح جلياً أن الاعتداءات المستمرة على النساء سواء كانت بسبب مقاومتهن ومطالبتهن بالحرية كجزء من الأنظمة المهيمنة في الغرب، وتعكس تفاعلاً جوهرياً مع السياسات العالمية القائمة، وبذلك يستخدم العنف ضد النساء كأداة أساسية لتأمين استمرارية سلطات النظام العالمي الحالي.
سياسات تمييزية وعنصرية وفاشية
في تركيا، لا تزال النساء ترزح تحت وطأة سياسات تمييزية وعنصرية وفاشية، فضلاً عن الأزمات الاقتصادية والهجرة وتداعيات الحرب والبطالة، ويمكن بسهولة سلب الحقوق التي نالتها النساء والشعوب عبر النضال عندما تُحصر السياسة في مفاهيم كالأمن والقومية، فكلما خرجت النساء إلى الشوارع أو رفعن أصواتهن أو نظمن أنفسهن أو انخرطن في العمل السياسي، أو طمحن إلى أن يصبحن فاعلات سياسيات يُنظر إليهن كتهديد، وتُظهر تجارب إيران وأفغانستان بوضوح لماذا تُعد حقوق المرأة مشكلة نظامية ومنهجية، فسياسات مثل الحجاب الإلزامي وحرمان المرأة من التعليم والعمل ليست مجرد تنظيم "أخلاقي" بل هي إعلانٌ عمن سيستخدم المجال العام وكيف، هذه الممارسات هي نتاج استراتيجية معادية للمرأة في العقلية الذكورية، عقلية "إذا أردت السيطرة على المجتمع فسيطر على النساء" فالمجتمع الخاضع هو الهدف لأنه إذا تحررت المرأة ستتفكك الروابط الأسرية التي تُنتج السلطة وستُثار الشكوك حول سلطة الرجل وستتلاشى الروابط القومية، وسيفقد التسلسل الهرمي الديني معناه، ومن هنا ينشأ التمييز الجنسي وهذا لا يحدث فقط في البلدان المعنية بل يستمر إنتاجه باستمرار كسياسة دولة من خلال القانون والإعلام والتعليم والدين.
وفي ضوء هذه التطورات، تضطلع الحركة النسائية الكردية بدور محوري، فكما رُفعت شعارات "المرأة، الحياة، الحرية" والمطالب بالحرية في انتفاضات إيران وروج آفا، وقد أرست هذه الاحتجاجات الرمزية أساساً متيناً للتضامن، وتعمل الحركة النسائية الكردية على بناء نظام بديل من خلال شبكتها التنظيمية ودفاعها الذاتي، إن تحرير المرأة وإقامة نظام ديمقراطي وهما مصدر رعب للسلطة يمثلان الأمل الوحيد لشرائح واسعة من السكان والنساء والمجتمعات، وفي واقع روج آفا كان هذا هو الهدف الرئيسي للهجمات المضادة للثورة.
انخراط المرأة في السياسة والدفاع عن النفس
سيستمر التحول الاجتماعي الذي تقوده حركة تحرير المرأة الكردية في الصعود كخيار سياسي تحرري، إن نظام الحكم الذاتي الذي يتمحور حول تحرير المرأة ليس مجرد نضال من أجل الحقوق، بل هو التزام مشترك بالحكم الديمقراطي في مواجهة السلطة القائمة، وسيواصل انخراط المرأة الفعال في السياسة والدفاع عن النفس زعزعة النظام الاجتماعي التقليدي وبنية الدولة التي يهيمن عليها الذكور، ستؤكد المرأة على كونها عماد السلام والفاعلين المؤسسين لمجتمع حر ومتساوٍ متاح لجميع فئات المجتمع، وستبرهن على قدرتها على تحويل نضال المرأة، الذي اكتسب زخماً اجتماعياً وكان له تأثير عالمي إلى إنجازات سياسية ملموسة.