ناشطات تناقش سبل مواجهة العنف ضد النساء في ظل التحولات الاجتماعية في المغرب
ناقش ناشطون مدنيون وحقوقيون، سبل تعزيز التنسيق لمناهضة العنف ضد النساء في المغرب، في ندوة نظمتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة تحت عنوان "التفاعل الديني والمؤسساتي والمدني في مواجهة العنف ضد النساء".
حنان حارت
المغرب ـ في خضم النقاش الوطني المتواصل حول مراجعة مدونة الأسرة المغربية، يتجدد الجدل بشأن موقع المرجعيات المختلفة في صياغة السياسات المرتبطة بالأسرة وحقوق النساء، بين مقتضيات دستورية متقدمة، وتحولات اجتماعية متسارعة، وتأويلات دينية متباينة.
انعقد في الدار البيضاء، أمس الجمعة 27 شباط/فبراير، ندوة حول مناهضة العنف ضد النساء، جمعت فاعلين مدنيين وحقوقيين وممثلين عن مؤسسات رسمية وهيئات دينية، وتركّزت النقاشات، التي نظمتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة تحت عنوان "التفاعل الديني والمؤسساتي والمدني في مواجهة العنف ضد النساء"، على آليات تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين للحد من ظاهرة العنف وتحسين الاستجابة لها.
وتطرّق المشاركون إلى دور المؤسسات الدينية في نشر خطاب يناهض العنف، وإلى أهمية المقاربة الحقوقية في حماية النساء، إضافة إلى ضرورة تطوير التعاون بين المجتمع المدني والجهات الرسمية لضمان تدخلات أكثر فعالية، كما شددوا على أن مواجهة العنف تتطلب رؤية شمولية تجمع بين التوعية، والتشريع، والدعم الاجتماعي والنفسي للضحايا.
ولم تقتصر الندوة على عرض مواقف عامة حول رفض العنف، بل انخرطت في نقاش أعمق حول حدود التقاطع بين المرجعية الدينية والمنظومة القانونية، خاصةً في ظل مراجعة مرتقبة لمدونة الأسرة، واعتبر المتدخلون، أن المرحلة الحالية تمثل "مخاضا مجتمعياً" يعكس التحولات التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، مع تنامي حضور النساء في الفضاء العام، بما في ذلك داخل الحقل الديني ومؤسسات التأطير.
وفي هذا الإطار، برزت خطة "تسديد التبليغ" كمحور أساسي للنقاش، باعتبارها محاولة لإعادة توجيه الخطاب الديني نحو قيم الكرامة الإنسانية ونبذ العنف، وأكدت المداخلات أن العنف ضد النساء لا يمكن اختزاله في سلوك فردي معزول، بل يرتبط أيضا بتمثيلات وتأويلات تحتاج إلى مراجعة، إذ يكمن الإشكال أحياناً في التأويل قبل أن يكون في النص.
كما استحضرت تجربة مدونة الأسرة لعام 2004، التي شكلت انتقالا من مفهوم "الأحوال الشخصية" إلى إطار قانوني يقوم على الشراكة بين الزوجين، ويقر بجملة من الحقوق من بينها حق التطليق، غير أن عدداً من المشاركين شددوا على أن تعديل النصوص وحده لا يكفي، في ظل استمرار فجوة بين المقتضيات القانونية والتطبيق العملي، خاصةً على مستوى ولوج النساء إلى آليات الحماية والدعم.
وفي سياق متصل، أُثيرت مسألة ملاءمة مدونة الأسرة مع دستور 2011، الذي كرس مبادئ المساواة وحماية الحقوق، ما يجعل النقاش الحالي اختباراً لمدى انسجام المنظومة القانونية مع التطور الدستوري، كما أعيد طرح قضايا ظلت مثار جدل، من قبيل زواج القاصرات، وتدبير الممتلكات، والتعدد، باعتبارها نقاطاً عالقة تتطلب معالجة متوازنة تراعي المصلحة الفضلى للنساء والفتيات.
وخلال الندوة، أكدت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة أنها راكمت تجربة ميدانية في التوجيه والاستماع والوساطة والصلح في النزاعات الأسرية، مشيرةً إلى أن مراكز الاستماع لا تزال تستقبل شكايات مرتبطة بأشكال متعددة من العنف، وهو ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بالتنزيل الفعلي للنصوص القانونية.
خلق جسر تواصل إيجابي
وأوضحت بشرى عبدو، المديرة التنفيذية للجمعية، أن إشراك الفاعل الديني في مناهضة العنف يندرج ضمن مقاربة شمولية لا تقتصر على البعد المدني أو المؤسساتي، بل تشمل مختلف الجهات المؤثرة داخل المجتمع.
وأكدت أن الندوة تسعى إلى خلق جسر تواصل إيجابي مع الفاعل الديني، من أجل دعم الجهود الرامية إلى مناهضة العنف، وتعزيز فهم مستنير للقضايا العالقة في مدونة الأسرة، من قبيل زواج القاصرات وتدبير الممتلكات، والتعدد.
وشددت على أن الوصول إلى الحقوق الكاملة للنساء يمر عبر مسارين متكاملين، أولهما الاشتغال على تغيير العقليات السائدة التي تكرس أدواراً نمطية للنساء، وثانيهما تطوير القوانين وضمان انسجامها مع مبدأ المساواة ونبذ كل أشكال العنف والتمييز، سواء تعلق الأمر بقانون الأسرة أو غيره من التشريعات ذات الصلة.
ويعكس هذا النقاش سؤالاً أعمق حول ما إذا كانت مراجعة مدونة الأسرة ستشكل تحولاً بنيوياً في مقاربة قضايا الأسرة وحقوق النساء، أم أنها ستبقى في حدود إعادة ترتيب لمقتضيات قائمة، غير أن المشاركين أجمعوا على أن نجاح أي تعديل مرتقب سيظل رهيناً بمدى القدرة على ترجمة النقاشات النظرية إلى آليات عملية تضمن حماية فعلية للنساء، تتجاوز حدود الخطاب إلى واقع ملموس.