معتقلة سابقة تستعيد سنوات الاعتقال والنضال ضد نظام البعث العراقي
تستعيد السجينة السياسية السابقة بهرة عثمان ذكريات عقود من النضال في مواجهة نظام البعث العراقي، متحدثة عن سنوات الاعتقال والتحقيق والقيود التي تعرضت لها هي وعائلتها، والظروف القاسية التي عاشتها النساء والأطفال في المعتقلات.
ديرين رحيم
السليمانية ـ في إقليم كردستان، ومنذ سبعينيات القرن الماضي وحتى أوائل تسعينياته، ناضلت النساء ضد نظام البعث العراقي ومن بين هؤلاء النساء بهرة عثمان، وهي سجينة سياسية سابقة خاضت سنوات من النضال وتؤكد أن الحرية التي يعيشها الكرد اليوم لم تأتِ من دون ثمن، بل تحققت بفعل التضحيات والمقاومة، داعيةً الأجيال الشابة إلى الحفاظ على هذه المكتسبات ومواصلة الطريق الذي بدأه جيلها.
تحدثت بهرة عثمان عن مراحل مهمة من حياتها ونضالها، واستعادت ذكريات سنوات الاعتقال والمقاومة، قائلةً أن نظام البعث كان نظاماً قمعياً يقف باستمرار ضد الكرد، ولا سيما في مدينة السليمانية، لأنها كما تقول مدينة "حية"، ومدينة "للحراك والمقاومة والتظاهرات"، كما كانت مركزاً لإعداد الكوادر التي عملت داخل المدن وفي الجبال.
وقالت إن نظام البعث جمع كل ما لديه من قوة وقدرة وأدوات قمع في هذه المدينة بهدف إيقاف الأشخاص الذين قاوموا النظام، ولذلك كان الاعتقال مصير كل من يعارضه، وعائلتها من بين هؤلاء وكان الأمر بالنسبة لها شديد القسوة، خصوصاً أنها متزوجة في ذلك الوقت ومنزلها في كركوك.
وتروي أنه "في عام 1986 خرجت في مهمة، وكنت حينها ضمن التنظيمات السرية، وفي الطريق خضنا معركة عنيفة مع الجحوش، الذين كانوا قد هاجموا قوات البيشمركة، وفي منطقة قره داغ، استمرت المعركة من الساعة السابعة صباحاً حتى الخامسة مساءً".
ومصطلح "الجحوش" أو "الفرسان"، وأفواج "الدفاع الوطني" هو وصف شعبي أطلقه الكرد على المجموعات المسلحة الكردية التي تحالفت مع الحكومة المركزية في بغداد ونظام صدام حسين.
وتوضح محدثتنا أن "الجحوش استخدمونا كدروع لهم، حتى لا تتمكن قوات البيشمركة من مهاجمتهم، وبأي طريقة كانت، تمكنا من الخلاص من أيديهم، وبعد أن هاجمتهم قوات البيشمركة من الخلف، ذهبنا إلى قريتي ومن هناك عدت سيراً على الأقدام إلى السليمانية".
وعندما عادت إلى منزل والدها، لم يمض وقت طويل حتى جاؤوا لاعتقالها "بعد تناول الطعام، اقتحمت قوات خاصة والأمن ومخبرون المنزل، ولم نكن نعرف من أين دخلوا، من الباب أم من السطح. جمعونا في غرفة واحدة وفتشوا المنزل بأكمله، لكنهم لم يجدوا شيئاً ثم اعتقلوا شقيقيّ الاثنين".
وبقيت هي وأفراد أسرتها تحت الإقامة الجبرية في منزلهم لمدة ثلاثة أشهر، من دون هاتف ومن دون أي اتصال بالعالم الخارجي، وكانوا يجبرونهم أيضاً على إعداد الشاي والطعام لهم، وتقول بهرة عثمان إن أحد أسباب بقائهم على قيد الحياة كان إجادتها اللغة العربية، إذ كان من الغريب بالنسبة لهم أن تكون امرأة كردية قادرة على التحدث بالعربية.
وتضيف أن أفراد الأسرة نشطوا باستمرار في المجال التنظيمي، وأنها وشقيقتها كانتا تواصلان عملهما، وفي إحدى المرات وصل إليهما خبر بوجود حملة اعتقالات، وكانت حينها في رانية، فأرسلت شقيقتها إليها رسالة عاجلة قالت فيها "اعتُقل جميع أصدقائك، أنقذي نفسك ولا تعودي".
"السجن مكتظ بالنساء والأطفال الذين يتعرضون للتعذيب بلا رحمة"
في النهاية تم اعتقال بهرة عثمان وتعرضت للتحقيق "اعتُقلت في بداية آذار 1987، واقتادوني إلى الأمن الأحمر، وبقيت هناك حتى تموز من العام نفسه، وبسبب قدرتي على التحدث بالعربية والإجابة عن أسئلة المحققين، ساورهم الشك فيما إذا كنت ملمة بالسياسة أم لا، وكان ذلك سبباً في تخفيف الإجراءات بحقي وإنقاذي من أمن البعث".
أما ما رأته في المعتقل فوصفته بالقول "كان ذلك مكاناً يخاف فيه الناس إلى درجة أنهم لا يجرؤون على رفع رؤوسهم. لقد أجروا التحقيق مع جميع أفراد عائلتنا، حتى مع أصغر أطفالنا، وبما أنني كنت شابة، اعتقدت أنهم سيصدرون بحقي حكماً بالإعدام تحت التعذيب".
وتصف ظروف السجن قائلةً "كان السجن مكتظاً بالنساء والأطفال، والجلادون يعذبوننا ويمارسون الحرب النفسية ضدنا بلا تمييز وبكل قسوة حتى أصغر مشادة أو نقاش مع الجلادين كان يؤدي إلى إرسال الشخص إلى الزنزانة الانفرادية".
وتوضح أن أوامر اعتقالها هي ورفيقتيها سوركل وجنار كانت قد صدرت، وقد حُكم عليهما بالإعدام، لكنه أُفرج عنهما عام 1984 عبر عملية تبادل للأسرى.
وقالت أن صديقتها سوركل أخبرتها بأنه، قبل الإفراج عنهما، كان الجلادون يضعون الحبل حول أعناقهما ويتركونهما في حالة من الخوف والرعب من الموت، أما عدم معرفة مصير شقيقها لمدة عامين، فتصفه بأنه "ذكرى مؤلمة".
وتضيف "في آخر جلسة تحقيق في الأمن الأحمر، استدعونا مجدداً وطرحوا علينا الأسئلة لكنني تماسكت تماماً ولم أظهر أي ارتباك، حتى لا يشعروا بأي شيء"، وبعد الإفراج عنهم، صدر قرار يقضي بأن يغادروا كركوك خلال 24 ساعة، كما أُجبروا على نقل قيودهم ووثائقهم الرسمية إلى السليمانية.
"بفضل مقاومتنا تحققت الحرية"
بهرة عثمان تؤكد أنها أمضت نحو 40 عاماً في العمل الحزبي من دون انقطاع "لم أندم يوماً على النضال الذي خضته، لأننا تربينا على أساس الانتماء القومي، ومن المهم جداً أن يمتلك كل فرد في هذا المجتمع هذا الشعور، سواء كان يعمل داخل الحزب أو خارجه".
وأضافت لكن للأسف، ما أراه اليوم هو أن الانتماء القومي أصبح ضعيفاً جداً. شبابنا بعيدون عن ذلك النضال والانتفاضات والتضحيات والمعاناة التي أوصلت هذا المجتمع إلى المرحلة التي يعيشها اليوم، حيث يستطيعون أن يعيشوا بحرية، من دون رقابة أو قيود كبيرة، ويتنقلوا بحرية. كانت الأيام التي عشناها صعبة جداً. وصلنا في بعض المراحل إلى درجة كنا نضع فيها حياتنا على المحك حتى لا نلحق الضرر بأنفسنا ولا نقع في أيدي البعث".
وأعربت عن أملها في أن يستعيد الشباب ذلك الشعور بالانتماء القومي الذي تربوا عليه، وأن يواصلوا النهج الذي سار عليه جيلها "أتمنى أن يتبنّى شبابنا النهج الذي اتبعناه، وأن يحملوا الشعور القومي الذي كان لدينا، وأن يواصلوا عملية التثقيف الذاتي التي كنا نمارسها. يجب ألا يعتقدوا أن الحرية التي نعيشها اليوم جاءت إلينا على طبق من ذهب، بل تحققت بفضل التضحيات والجهود والمعاناة والمقاومة ".
وأكدت بهرة عثمان في ختام حديثها أن جيلها كان مستعداً للاستشهاد في سبيل قضيته "أتمنى ألا تضيع هذه الحرية وهذه المكتسبات، وأن يكون هؤلاء الشباب هم من يكملون الطريق الذي بدأناه".