مسيرة نضال نسوي ولدت من رحم المعاناة
صاغت جيمن عبد الكريم مسيرة استثنائية في العمل النسوي بإقليم جنوب كردستان امتدت لعقود، فرغم الترحيل القسري والانقطاع المبكر عن التعليم، قادت اتحاد النساء بمدينة كويه، مكرسةً حياتها لتمكين ضحايا الأنفال ومواجهة العنف ضد المرأة.
شلير كويي
كويه ـ من أزقة حي "هواوان" عام 1951 ومحطات التنقل الدراسي بين البصرة وكلار وكويه، صاغت جيمن عبد الكريم مسيرة استثنائية في العمل النسوي امتدت من عام 1991 وحتى اعتزالها في آب/أغسطس 2026 كمسؤولة لفرع اتحاد نساء كردستان في مدينة كويه، تاركة خلفها إرثاً حافلاً من العطاء رغم انقطاعها المبكر عن التعليم.
تحدثت جيمن عبد الكريم لوكالتنا عن حياتها المليئة بالتحديات قائلة "نشأت في عائلة وطنية شديدة الانتماء لكردستان، ودفعنا ثمن هذا الموقف تقلبات قاسية منذ طفولتي، فكنت أتنقل بين المدارس كل عام. فبسبب مواقف والدي السياسية ونفيه، جرى ترحيلنا إلى البصرة وأنا في الصف الثاني الابتدائي، ومنها إلى كفري ثم عدنا إلى كويه".
وأضافت "لم تتوقف الملاحقات، إذ نُفينا مجدداً إلى مدينة الرميثة كعقاب لوالدي الذي كان أول من قدم الدعم المالي لخزينة الثورة. عدت إلى كويه وواصلت تعليمي حتى الصف الخامس الإعدادي، لكن زواجي وضع حداً لطموحي الدراسي بسبب قانون جائر آنذاك يمنع المتزوجات من التعليم الصباحي ويحصرهم في المسائي، وهو ما لم يناسب ظروفي رغم شغفي بالتعلم. واليوم، أعوض ذلك الشغف برؤية أبنائي الستة وقد أتموا جميعاً دراستهم الجامعية بنجاح".
ولفتت إلى عملها المنظماتي "في شهر أيار من عام 1991، اتصلت بي سويل عثمان، وهي أول امرأة نقلت نضال النساء من الجبال إلى داخل المدن إبان الانتفاضة، وطلبت مني العمل كمسؤولة لفرع اتحاد نساء كردستان، فوافقت على الفور. ولاحقاً، عندما انطلقت المشاريع الخاصة بمدينة كويه، عيّنتني مسؤولة عن تلك المشاريع. وبدأت عملي الرسمي في المنظمة النسوية في 3 كانون الأول 1993، واستمريت في العطاء حتى اعتزلت في آب 2026".
"رغم الظروف العصيبة افتتحنا دورات متنوعة للنساء"
وأوضحت جيمن عبد الكريم حجم المعاناة في تلك الحقبة قائلة "إن الأوضاع الإنسانية حينها كانت في غاية السوء، وخاصة لعائلات الشهداء وضحايا عمليات الأنفال الذين فقدوا منازلهم بالكامل، وعانت أسرهم من فقر مدقع شلّ قدرة الأطفال على تأمين قوت يومهم".
وأضافت "أمام هذا الواقع المأساوي، سعينا بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية إلى تحسين الظروف المعيشية لهذه الفئات؛ لذلك أطلقنا دورات تدريبية ومهنية متنوعة شملت تعليم الخياطة، إلى جانب مشروع لتربية المواشي استفادت منه 460 امرأة من عائلات ضحايا الأنفال لتمكينهن اقتصادياً. ولم نكتفِ بالتدريب، بل كنا نقدم لهن آلات خياطة في نهاية كل دورة لتبدأ كل منهن مشروعها الخاص".
وأشارت إلى الجانب التعليمي والنفسي قائلة "لقد ركزنا بشكل أساسي على دورات محو الأمية نظراً لحرمان غالبية النساء من التعليم. كانت الظروف المحيطة بهن مروعة وقاسية؛ فبينهن من اعتقل زوجها، وأخريات فقدن جميع أطفالهن في غياهب المعتقلات. إن كارثة الأنفال تركت جروحاً غائرة وأضراراً جسيمة هددت حياة النساء، وما قمنا به برفقة المنظمات الدولية لم يكن سوى محاولة لمد يد العون، ودمجهن في سوق العمل لضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة".
ولم تخفِ جيمن عبد الكريم حجم العنف المستشري في ذلك الوقت "كان العنف ضد المرأة كبيراً جداً؛ فكثير من النساء كُن يُقتلن أو يُقدمن على حرق أنفسهن لمجرد رغبتهن في الزواج من الشخص الذي يختارونه. وإذا استشهد زوج امرأة شابة أو فُقد في الأنفال، كانوا يجبرونها على الزواج مجدداً، أو يقوم أهل زوجها بانتزاع أطفالها منها".
قصة واحدة من بين الآلاف
وكشفت عن حجم المخاطر التي واجهتها "تعرضت لتهديدات مسلحة واقتحامات لمقر الاتحاد ولمنزلي، وكنت أنجو في كل مرة"، معبرة عن صدمتها من قسوة المجتمع آنذاك "كنت أستغرب بشدة كيف يضرب رجل امرأة، ولم أستوعب ذلك لغيابه في عائلتي، بينما كانت الضحايا يقلن لي بيأس: لا حيلة لنا!".
وفي ختام حديثها، دعت جيمن عبد الكريم جميع المنظمات إلى أن تكون في خدمة المرأة والعمل على تطويرها، قائلة "ما زال أمامنا طريق طويل لنصل إلى أهدافنا. سأستمر في العطاء ما دمت قادرة على ذلك. ووجهت رسالة للنساء "اعملن قدر استطاعتكن، وكن طيبات مع كل من يحيط بكن".