مقاتلة: أحدثت YPJ تغيرات ملموسة في المفاهيم والعادات داخل المجتمع

بين جبهات القتال وإصابتها الخطيرة، تحولت بيريتان زنار المقاتلة ضمن صفوف وحدات حماية المرأة (YPJ) إلى واحدة من الأصوات التي ترى في المقاومة النسائية طريقاً للحرية وتغيير واقع النساء في مجتمعها.

رونيدا حاجي

الحسكة ـ في مدينة الطبقة، التي شكّل تحريرها عام 2017 على يد قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة نقطة انعطاف في تاريخ المنطقة، بدأت رحلة تحول عميقة في حياة الشابة بيريتان زنار.

القوة النسائية التي ظهرت كفاعل اجتماعي وسياسي وعسكري جديد بعد دحر داعش، لم تكن مجرد تشكيل عسكري، بل كانت مشروعاً لتغيير الوعي وإعادة تعريف دور المرأة داخل المجتمع.

لذا كانت لهذه الوحدات تأثير على بيريتان زنار (وهو اسم حركي) التي تنحدر من عائلة عربية في مدينة الطبقة، فالقوة النسائية التي كانت تبني الحياة وتنشر الوعي وتعزز الثقة داخل المجتمع، جذبت اهتمامها بشكل متزايد، وقد رأت أن وجود وحدات حماية المرأة أحدث تغييرات كبيرة في وعي المجتمع وفي مختلف مجالات الحياة.

وباتت YPJ تمثل حضور جميع النساء، ليس فقط الكرديات والعربيات، بل النساء من مختلف القوميات والأديان والمعتقدات حول العالم، اللواتي وجدن فيها طريقاً ومساحة للبحث عن ذواتهن وتحقيق تطلعاتهن.

 

كسر القيود المفروضة على النساء

ومع مرور الوقت، ازدادت الأسئلة والتحديات التي كانت تشغل تفكير بيريتان زنار، ووجدت في وحدات حماية المرأة الطريق الذي تبحث عنه، لذلك انضمت إلى صفوف YPJ عام 2021، لتصبح واحدة من النساء اللواتي تحدين القيود الاجتماعية القائمة على التمييز بين الجنسين في مدينتها.

وتلقت تدريبات فكرية وعسكرية متعددة، وكلما تعمقت في فهم طبيعة النظام الذكوري السائد، ازداد رفضها للظلم والتمييز، وكان هدفها الأساسي المساهمة في تغيير واقع النساء ومصيرهن، بدءاً من مجتمعها المحلي.
 


لم تتخلَّ عن القتال رغم إصابتها الخطيرة

تقول بيريتان زنار إنها شهدت تحولات كبيرة في شخصيتها وحياتها منذ انضمامها إلى الوحدات، وقد شاركت بشكل مباشر في المواجهات التي اندلعت في 13 كانون الثاني/يناير 2026 ضد الحكومة المؤقتة وجهاديي هيئة تحرير الشام، وتؤكد أنها كانت ترى في تلك الجماعات تهديداً مباشراً لوجود المرأة وحقوقها، ولذلك تمسكت بمواقعها القتالية.

وخلال المعارك في منطقة صرين، تعرضت لإصابة خطيرة في ساقها نتيجة هجوم نُسب إلى طائرات استطلاع تابعة للمرتزقة، ورغم إصابتها، حاولت الاستمرار في موقعها وعدم الانسحاب من الجبهة، إلا أن خطورة الجرح دفعت رفيقاتها إلى نقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج.

 

وجود YPJ أحدث تغييراً اجتماعياً

وأوضحت بيريتان زنار أن تحرير مدينة الطبقة على يد قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة ووحدات حماية الشعب أدى إلى تغيرات ملموسة في المفاهيم والعادات والتقاليد داخل المجتمع العربي "إن وجود المرأة في المجال العسكري لم يكن مجرد مشاركة في القتال، بل كان أيضاً وسيلة لتوعية المجتمع وفتح آفاق جديدة أمام النساء، ويمكننا القول إن تحرير الطبقة لم يكن فقط تحريراً من داعش، بل كان أيضاً خطوة مهمة نحو تعليم النساء وتمكينهن داخل المجتمع العربي".

 

من الثقة بالنفس إلى الانضمام لصفوف YPJ

وأكدت أن التأثير الذي تركته مقاتلات وحدات حماية المرأة في نفسها كان السبب الرئيسي لاختيارها هذا الطريق "تُعد YPJ طريقاً تستطيع المرأة من خلاله اكتشاف ذاتها والعثور على إجابات لأسئلتها الشخصية والوجودية، وعلى الرغم من الهجمات وحملات التشويه التي تستهدف وحدات حماية المرأة، فإن هذه المحاولات لم تنجح في كسر إرادة النساء، وأصبحت YPJ اليوم نموذجاً وهويةً تلهم النساء في مختلف الأماكن".

 

"فلسفة القائد أوجلان هي عودة إلى القيم المجتمعية"

وأشارت بيريتان زنار إلى أن العديد من النساء، بعد تحرير مناطق مثل الطبقة والرقة ودير الزور، تعرفن على فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان وانخرطن في النشاط المجتمعي والحراك الثوري "إن فلسفة القائد أوجلان انطلقت من واقع المجتمع وقيمه الأخلاقية، وفي ظل الظروف التي يواجه فيها العالم اليوم الأزمات والصراعات، يُنظر إلى أفكاره بوصفها طريقاً لعودة المجتمع إلى أسسه وقيمه الأصيلة".

 

مواصلة طريق المقاومة

وتحدثت بيريتان زنار عن أهمية الاستمرار في نهج المقاومة "في عام 2025، عندما تعرض سد تشرين للهجوم، جسّد المجتمع، بقيادة النساء وبروح الشعب الثائر، نموذجاً حياً للصمود. كنت أرغب بشدة في أن أكون جزءاً من تلك المقاومة، لكن مسؤولياتي ومهامي المختلفة حالت دون ذلك".

وأوضحت "شاركت ضمن عدد من العمليات، إلا أن مشاركتي المباشرة في القتال جاءت خلال الهجمات الأخيرة، عندما شنت هيئة تحرير الشام والفصائل المرتبطة بها هجمات على مناطقنا. كنت أفكر دائماً في كيفية الدفاع عن مجتمعنا وحمايته، وفي الطريقة التي يمكنني بها، مع سلاحي، الوقوف في وجه الخصوم".

وأضافت "بالنسبة لنا، لا يمكن التخلي عن مواقعنا الدفاعية، ولهذا السبب، عندما أُصبت في صرين، لم أكن أرغب في مغادرة موقعي، لكن رفاقي اضطروا إلى نقلي للمستشفى بسبب خطورة الإصابة. لقد استلهمنا معنى الصمود والمقاومة من الشهداء الذين سبقونا، وكانوا بالنسبة لنا مثالاً يُحتذى به في الثبات والتضحية".

 

دعوة إلى الاعتراف الرسمي بوحدات حماية المرأة

وأشارت بيريتان زنار إلى أن الاعتراف الرسمي بوحدات حماية المرأة (YPJ) لا يمثل مطلب المقاتلات فقط، بل هو مطلب شريحة واسعة من النساء.

وتقول "نحن كقوة نسائية، لا نقبل أن يُسرق تاريخنا مرة أخرى، أو أن تتحول الإنجازات التي تحققت بجهود النساء وتضحياتهن إلى مجرد جزء من مشاريع السلطة والنفوذ. تمتلك وحدات حماية المرأة تاريخاً طويلاً من المقاومة والتضحيات المعروفة ففي كل منطقة جرى تحريرها، توجد قصص نضال وتفانٍ لمقاتلات تركن بصماتهن في التاريخ، ففي كوباني برزت أسماء مثل آرين ميركان، وفي عفرين بارين كوباني وأفيستا خابور، وفي الشيخ مقصود الشهيدة دنيز، إضافة إلى آلاف النساء اللواتي أصبحن شاهدات على قوة المرأة وإرادتها، ورسمن ملامح مرحلة كاملة من النضال والصمود".