من جبال كردستان إلى المدن... النساء حاميات الطبيعة ومواجهات للحداثة الرأسمالية

مع اقتراب العالم من الاحتفال باليوم العالمي للمرأة وفي ظل مواجهة أزمات مناخية كبرى، يبرز دور المرأة كشخصية محورية في الحفاظ على توازن الطبيعة وتغيير السلوكيات الضارة.

هيفي صلاح

السليمانية ـ إن العلاقة بين المرأة والطبيعة في فلسفة حرية كردستان تمتلك جذوراً تاريخية وجوهرية عميقة، لأن كليهما كانا عبر التاريخ من أوائل ضحايا النظام الأبوي والسلطوي.

من هذا المنظور، فإن تدمير البيئة ونهب الموارد الطبيعية يُعدّان جزءاً من الذهنية ذاتها التي تضطهد المرأة، لذلك يؤكد القائد عبد الله أوجلان أنه "من دون تحرير الطبيعة من قبضة الاحتلال، فإن الحرية الحقيقية للمرأة والمجتمع مستحيلة".

وقد جعلت النساء الكرديات، من خلال علم المرأة "جنولوجيا"، هذه الحقيقة أساساً لنضالهن، ويقِفن في جميع الميادين ضد "إبادة البيئة"، لأنهن ينظرن إلى تدمير الطبيعة بوصفه هجوماً على ثقافة وتاريخ وهوية الشعب الكردي.

وتُظهر نماذج مثل قرية (جنوار) في روج آفا والمجالس الإيكولوجية أن المرأة قادرة على ريادة اقتصاد بيئي تكون فيه علاقة الإنسان والطبيعة قائمة على الانسجام التام، وهذا يشكل رداً عملياً على الهجمات التي تسعى، عبر حرق الغابات وتجفيف مصادر المياه، إلى كسر إرادة الشعب والنساء المناضلات من أجل الحرية.

 

80% من المتضررين من التغير المناخي نساء

لقد أثبت تاريخ البشرية أن النساء كنّ دائماً في طليعة المتأثرين سلباً بالتدهور البيئي، وتشير الإحصاءات الدولية إلى أن نحو 80% من الأشخاص الذين يُهجّرون بسبب التغير المناخي هم من النساء، وقد أدى ذلك إلى تشكل وعي عميق لديهن بأهمية حماية الأرض والماء والهواء، لأن مسؤولية تأمين الاحتياجات الأساسية تقع في معظم المجتمعات على عاتقهن، وأي تغير في الطبيعة ينعكس مباشرة على حياتهن.

إن مسألة حماية البيئة من قبل النساء ليست مجرد شعار عالمي، بل هي ممارسة يومية تبدأ من داخل البيوت وتمتد إلى مراكز صنع القرار السياسي، فالنساء يؤدين دور المربيات البيئيات في تغيير طريقة تفكير الأطفال تجاه الطبيعة وتعليمهم احترام كل مكوّن من مكوناتها.

ومن جهة أخرى، في قطاعي الزراعة والصناعة، تسهم النساء عبر الابتكارات البيئية وتقليل النفايات الضارة في تخفيف الضغط على الأرض وحماية التنوع النباتي والحيواني من الانقراض، وهو ما يُعد جزءاً أساسياً من استراتيجية التنمية المستدامة.

 

النساء حاميات البيئة

إن تاريخ النشاط البيئي مليء بأمثلة لنساء شجاعات مثل وانغاري ماثاي، أول امرأة أفريقية تنال جائزة نوبل للسلام، وذلك لتأسيسها حركة الحزام الأخضر وزراعة ملايين الأشجار في كينيا، مما كان له أثر كبير في إحياء الطبيعة، وكذلك الشابة غريتا تونبرغ التي تمكنت من تحريك ملايين الشباب حول العالم لحماية الأرض وجذب انتباه القادة إلى مخاطر الاحتباس الحراري.

وقد أظهرت دراسات الأمم المتحدة أن الشركات التي تضم نساء في مجالس إدارتها تكون أكثر التزاماً بخفض الانبعاثات الضارة واستخدام الطاقة النظيفة، لأن رؤية النساء تميل أكثر نحو حماية الصحة العامة وتوفير بيئة سليمة للجميع، وبذلك فإن نجاح أي خطة بيئية في العالم يرتبط بمدى إشراك النساء كشريكات حقيقيات وفاعلات، لأن تهميشهن يعني خسارة أكبر طاقة بشرية قادرة على إنقاذ الأرض من الكوارث البيئية وضمان حياة كريمة للجميع.

"الأرض كالأم"

تحدثت الناشطة والمدافعة عن حقوق المرأة سيڤان رستم من إقليم كردستان عن قضية البيئة والمرأة، وقالت إن البيئة والمرأة أمران لا يمكن فصلهما، لأن المرأة "ترتبط بعلاقة قوية جداً بالطبيعة فكما تحتضن الأم طفلها، تحتضن الأرض جميع البشر" لذلك فإن الأرض والحياة والبيئة مفاهيم مترابطة لا تنفصل.

وكما تؤكد "من المهم جداً أن تكون النساء أكثر وعياً بالتاريخ؛ فبالعودة إلى بدايات البشرية نجد أن للنساء دوراً في حماية البيئة ومصادر المياه، وفي توعية أطفالهن بمعرفة الطبيعة والحفاظ عليها، وهذه كلها من صفات النساء، ما يعني أن المرأة والبيئة لا يمكن فصلهما".

وأضافت أنه في الوقت الراهن "أصبحت البيئة قضية دولية"، وبسبب التغيرات المتسارعة واستخدام التكنولوجيا واتساع المجتمعات وانتشار الآلات وهيمنة نمط الحياة الرأسمالي، فإن البيئة "تتعرض لتدمير وتلاعب كبيرين". لذلك تبين أنه "من الضروري أن يسهم كل فرد في حماية البيئة بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا واجب الأمهات والنساء بشكل خاص، إذ ينبغي أن يمنحن أهمية أكبر لحماية البيئة باعتبارها مصدر وجودنا، ومن مسؤولية المرأة الأساسية أن تضع برامج مشتركة مع جميع الأطراف لحماية البيئة كيلا تتحول إلى بيئة معادية للإنسان".

"في الثامن من آذار تجدّد النساء وحدتهن"

وبمناسبة اليوم العالمي لنضال المرأة، قالت سيڤان رستم إن الثامن من آذار هو يوم لوحدة النساء وإبراز إنجازاتهن "رغم أن النساء تعملن معاً باستمرار، إلا أنهن في هذا اليوم تجدّدن وحدتهن، لذلك من المهم أن يتحول هذا اليوم إلى مناسبة للتأكيد على حماية البيئة والتشديد على أن نظافة البيئة هي مصدر حياة البشر، وأدعو النساء إلى أن يكنّ متحّدات، بغض النظر عن اختلاف آرائهن، من أجل حماية البيئة ونيل حقوقهن".