من العدالة إلى القمع... السجن أداة للحكم السلطوي في إيران ـ 3ـ

إن وفاة محامٍ ليست مجرد حادثة فردية، بل هي رمز لقمع مؤسسة ومهنة المحاماة وتقييد لغة الدفاع في إيران، ومظهر من مظاهر الدورة المتكررة للاحتجاج والسجن والغضب الاجتماعي.

شیلان سقزي

مركز الأخبار ـ في الجزء الثاني، تناولنا بنية القمع وانهيار العدالة في إيران، ودور القضاء كذراع أيديولوجي للنظام، والقمع المباشر للجسد، ولا سيما أجساد المتظاهرات، أما الآن، في الجزء الثالث، فنتناول هشاشة مؤسسة المحامين كمثال على القمع المهني والهيكلي، ونُحوّل أنظارنا إلى نطاق أوسع من القمع الاجتماعي والسياسي، من السجون إلى الشوارع والاقتصاد.

 

المحامي عدو والقانون بلا لغة

لم يكن خسرو علي كردي مجرد محامٍ، بل ضحية نظام يقضي على لغة الدفاع. إن وفاته في السجن، في ذكرى اعتقاله، ليست حادثة معزولة، بل هي النتيجة المنطقية لنظام لطالما اعتبر مهنة المحاماة لا أداةً للعدالة، بل تهديداً للنظام الأمني.

في النظام السياسي والقضائي للجمهورية الإسلامية، يُعدّ المحامي المستقل مصدر إزعاج، لا وسيطاً للقانون، بل مُخلاً ​​بالنظام، في مثل هذا النظام، حتى اللغة القانونية، إذا تجاوزت حدود المسموح، تُعتبر عدواً، إن وفاته ناقوس خطر يُنذر بهذا الواقع المرير ففي إيران، لم تعد ممارسة المحاماة بمنأى عن القانون، بل أصبحت جريمة.

 

قمع مهنة المحاماة والقضاء على آخر وسيط

في النظام الشمولي، تعمل الحكومة تدريجياً على إقصاء الوسطاء لترسيخ سلطتها، وقد أظهر مقتل خسرو علي كردي أنه في ظل النظام الحالي، حتى "الدفاع" يُجرّم. في هذا النظام، يُعتبر المحامي عدواً، لأن القانون لا يُطبّق إلا عندما يخدم السلطة، ولهذا السبب، فإن موت المحامي ليس نهاية القضية، بل بداية لتساؤل خطير: في بلد لا يشعر فيه حتى المدافعون عن القانون بالأمان، كيف يُمكننا الحديث عن العدالة؟

الصحفي عدو. الجامعة تهديد. الناشط المدني سبب للاضطرابات، والمحامي أيضاً يتحول تدريجياً من مدافع عن الحقوق إلى "شريك للمشاغبين"، إن القتل التدريجي للمحامين من خلال الضغط والحرمان والتهديدات والسجن، وفي حالة خسرو علي كردي، بوفاته المشبوهة، دليل على أن النظام قد تجاوز حدود القانون تماماً إلى عالم الأمن المطلق.

في عالم ديمقراطي، يُمثّل المحامي صوت القانون، فهو من يُوازن بين السلطة والمواطنين، بين المتهم والحكومة، لكن في الجمهورية الإسلامية، انقلب هذا الدور رأساً على عقب. يُصبح المحامي محبوباً إن دافع عن الحكومة، وعدواً إن وقف إلى جانب الشعب.

وحتى على المستوى المؤسسي، حدّت المحاكم الثورية فعلياً من سلطة المحامي. تُوجّه تهم مثل "الدعاية ضد النظام"، و"إثارة الرأي العام"، و"التعاون مع وسائل إعلام معادية"، و"تشكيل جماعة غير قانونية" لا ضد المجرمين، بل ضد المحامين المستقلين، ويُظهر هذا النهج بوضوح أن الجمهورية الإسلامية تتعامل مع مؤسسة مهنة المحاماة لا من منظور القانون، بل من منظور التهديد السياسي.

إن وفاة علي كردي في صمت، دون علم أسرته، ودون تشريح مستقل للجثة، وفي ظل ظروف نفسية وجسدية قاسية، هي أكثر من مجرد "حادثة مؤسفة"، هذه الوفاة هي "رسالة" و"تحذير" في آنٍ واحد: رسالة إلى المحامين الآخرين بالتزام الصمت وإلا سيتم عزلهم. تحذير للمجتمع بأن لغة الدفاع لم تعد آمنة.

 

السجن مهد الغضب

في الرواية الرسمية للدولة الإيرانية، يُمثل السجن نهاية الاحتجاج، والمحطّة الأخيرة في مسيرة المحتج. لكن الواقع السياسي والاجتماعي في إيران يُشير إلى خلاف ذلك: فالسجن ليس النهاية، بل بداية دورة جديدة من الاحتجاج؛ احتجاج أكثر جذرية، وغضباً، وتركيزاً.

على مدى أربعة عقود، سعت أجهزة القمع في الجمهورية الإسلامية إلى إسكات حركات الاحتجاج بالاعتقالات الجماعية، وأحكام السجن المطولة، والتعذيب، والإعدامات، وبثّ جو من الترهيب، ولكن ما النتيجة؟ من تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وانتفاضة "JIN JIYAN AZADÎ"، إلى كانون الأول/ديسمبر 2025، لم يتم خفض حجم الاحتجاجات وشدتها ونطاقها، بل اتسعت. وهذا يُشير إلى فشل السياسة العقابية في كبح جماح الرغبة في التغيير.

 

السجن ليس القمع المطلق بل الذاكرة الجماعية

تصاحب كل موجة احتجاج اعتقالات واسعة النطاق. لكن المعتقلين والمعتقلات، بعد إطلاق سراحهم، يصبحون حاملي ذاكرة، وناقلين للتجارب، وفاعلين في الأحداث اللاحقة. لقد أصبح السجن فضاءً وزماناً لتراكم الغضب، والوعي السياسي، وتماسك الشبكات. أصبحت ذكرى التعذيب، ورفقاء الزنزانة، والحبس الانفرادي، والاستجواب، والمقاومة، لم تعد تتشكل في الشوارع فحسب، بل تتغذى من داخل سجون ديزل آباد في كرماشان، سنه، وإيفين، ورجائي شهر. بات القمع الآن هو مُنتِج السياسة نفسها.

بدلاً من الحوار، لطالما اعتمدت السلطات الإيرانية على الأدوات الجنائية والأمنية: الاعتقال الوقائي، وإعداد الملفات الأمنية، وإصدار أحكام قاسية بهدف التأديب، والإعدامات الموجهة. لا يُضعف هذا النهج شرعية الدولة في نظر المجتمع فحسب، بل يُحوّل الشعور بالظلم إلى تجربة جماعية، وهذه التجربة الجماعية تزرع بذور الاحتجاجات اللاحقة في صميم المجتمع. كل سجين سياسي يُطلق سراحه شاهد حي على عنف الدولة ومقاومة المجتمع. يظن النظام الحاكم أنه بسجنه يُخمد الاحتجاج، غافلاً عن أنه يزرع بذور التمرد القادم في التربة نفسها.

 

المفارقة الجوهرية... الدولة تعتقل لكن الاحتجاج يُعيد إنتاج نفسه

على مدى العقود الماضية، دأبت السلطات الإيرانية على قمع كل حركة احتجاجية عبر القضاء وقوات الأمن، إلا أن هذا الرد، في كل منعطف تاريخي، أدى إلى تصاعد الكراهية الاجتماعية، وتراجع رأس المال الاجتماعي للدولة، وظهور خطابات ولغات أكثر تطرفاً. ففي انتفاضة "JIN JIYAN AZADÎ"، حتى قتل الأطفال الرضع والمراهقين لم يُفلح في ترهيب المجتمع. بل على العكس، أشعلت ذكرى الشابة نيكا شاكرمي والطفل كيان بيرفالك جذوة الحركة. عاد الطلاب الذين اعتُقلوا مراراً وتكراراً إلى طليعة الاحتجاج. بالنسبة لهذا الجيل، لم يعد السجن نهاية المطاف في العمل السياسي، بل هو نقطة انطلاق.

باعتمادها على القمع الجنائي، خلقت الجمهورية الإسلامية حلقة مفرغة: احتجاج، قمع، سجن، ذكرى، ثم عودة إلى الاحتجاج. ولن تتوقف هذه الحلقة إلا عندما تُقرّ السلطات بالمجتمع بدلاً من اعتباره تهديداً. لكن حتى ذلك الحين، ستظل كل زنزانة سجن، وكل قاعة دراسية للمقاومة، وكل سجين سياسي، حاملةً لخطاب التحرير. في إيران، لا تزال السياسة نابضة بالحياة، لأن السجون تعجّ بالمتظاهرين.

الخبز والسجن... الاقتصاد والاستبداد متشابكان

عندما ينهار الاقتصاد، يتفاقم القمع؛ فتزامن أزمة المعيشة مع السجن ليس مصادفة. في إيران اليوم، لا تُعدّ الطوابير الطويلة لشراء السلع الأساسية، وأقساط الطعام، والتضخم المتواصل، وبطالة الشباب، وتراجع مستويات الدخل مجرد علامات على انهيار اقتصادي؛ بل إنّ ما يُكمّل هذه الأزمة هو تزامنها مع قمع سياسي وأمني وقضائي واسع النطاق.

 في كانون الأول/ديسمبر 2025 بينما كان المجتمع يواجه تضخماً جامحاً، وانهيار العملة وضياع فرص العمل، امتلأت الشوارع بالاحتجاجات الشعبية؛ فماذا كان ردّ السلطات؟ اعتقال ما لا يقل عن 1200 شخص في 9 أيام، وقمع عنيف في آبدانان، وملكشاه، وسنقر، وإسلام آباد غرب (شاباد)، وبيرجند، وإيلام، وطهران، وكرماشان، وإعدامات.

في النظام الديمقراطي، تتطلب الأزمة الاقتصادية سياسات مسؤولة؛ ضرائب عادلة، وإعادة توزيع للموارد، وشفافية اقتصادية، وحوار اجتماعي. لكن في إيران، لم يقتصر الأمر على خصخصة الاقتصاد، بل شمل أيضاً تأمينه، فالأزمة الاقتصادية ليست جرس إنذار للسلطة، بل ذريعة لزيادة السيطرة السياسية، وفي غياب حل اقتصادي، يصبح القمع وسيلة الحكم. ولا يتحقق "الاستقرار" بالنمو، بل بالسجن.

 

تزامن محسوب... احتواء الغضب قبل اندلاعه

في العديد من الأمثلة التاريخية في إيران، منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019 وحتى انتفاضة "JIN JIYAN AZADÎ"، وقع القمع تحديداً عند منعطفات اقتصادية حاسمة، حين ارتفعت أسعار البنزين، وتأخرت الرواتب، وتجاوز التضخم الغذائي 80%، واحتج الطلاب على طاولات الطعام الفارغة، وكانت قوات الأمن في حالة تأهب قصوى، وقوائم المعتقلين جاهزة، وبدأ انقطاع الإنترنت، وبدأت وسائل الإعلام الرسمية في بثّ الخوف، ليس هذا من قبيل الصدفة، بل هو تصميم السلطة. لا يمكن للانهيار الاقتصادي أن يستمر دون دكتاتورية، وقد خلصت الجمهورية الإسلامية إلى أن الحفاظ على بنية اقتصادية جائرة أمر مستحيل دون قمع سياسي.

إن النظام، سبب الأزمة وقمع الاحتجاجات ضدها، السلطات ومؤسساتها التابعة (الحرس الثوري، والمؤسسات، ومكتب المرشد الأعلى)، حوّلت على مدى عقود بنية الاقتصاد إلى نهب مؤسسي، فقد خصصت الموارد العامة لمشاريع ريعية ودمرت البنية التحتية للرعاية الاجتماعية.

ونتيجة لذلك، عندما تشتد الأزمة ويخرج الناس إلى الشوارع، تجد السلطات نفسها في مواجهة المجتمع بدلاً من الاستجابة، فالقمع، في هذا السياق، ليس "استجابة طارئة"، بل هو جزء من بنية السلطة، إن السجن ليس حلاً اقتصادياً، بل هو حل سياسي من أجل البقاء الاقتصادي للسلطة.

تُفضّل السلطات ملء السجون على ملء الطاولات، لأنّ الطاولة الفارغة تُصبح مُطالبة، والمطالبة عدوّ النظام القائم، وخلافاً للادعاءات الرسمية، فإنّ القمع ليس من أجل "الحفاظ على الأمن"، بل للحفاظ على الريع والفساد والاحتكار وعدم المساواة الاقتصادية التي تضمن بقاء الطبقة الحاكمة، وفي إيران اليوم، تُهدّد "الحياة"، ليس فقط على المستوى البيولوجي، بل أيضاً على المستوى السياسي، تُهدّد سُبل العيش، ويُقابل الاحتجاج على هذا التهديد بتهديدٍ جديد: السجن والجلد والإعدام.

إنّ السلطات التي لا تستطيع توفير الخبز تُضطر إلى توسيع السجون، ولهذا السبب فإنّ القمع السياسي ليس مجرّد رد فعل، بل هو أيضاً جزء من النظام الاقتصادي للجمهورية الإسلامية. عندما يغيب العدل الاقتصادي، يصبح العدل الجنائي بلا معنى. في هذا النظام، يصبح العدل ضحية لبقاء السلطة.

 

هندسة الإرهاب كسياسة وقائية

في الجمهورية الإسلامية، لا تُواجَه السياسة بالرد، بل بالوقاية؛ ليس بمنع العنف أو الأزمات، بل بمنع السياسة نفسها، والتنظيم، وتكوين كيان جماعي. الاعتقالات قبل التجمعات، والأحكام القاسية في اللحظات الحرجة، والإعدامات في ذروة الاضطرابات، ليست رداً على "تهديد"، بل هي بالأحرى سيطرة على إمكانية التغيير. ما نراه في إيران هو شكل بنيوي من "هندسة الإرهاب"، ليس فقط لقمع الواقع، بل لتدمير ما يمكن أن يكون.

في كثير من الحالات، يُعتقل النشطاء السياسيون والطلاب والعمال والمدنيون قبل أي تجمع أو احتجاج. بناء ملفات أمنية، وتصنيفات مثل "التجمع والتواطؤ" و"الدعاية ضد النظام" و"تحريض الرأي العام"، أصبحت وسيلة للقضاء على النشطاء المحتملين. أحياناً لا علاقة لهذه الاعتقالات بـ "فعل" محدد؛ إنها تتعلق بإمكانية الفعل، ولقد جرّمت السلطة إمكانية الاحتجاج.

عندما يُحكم على طالب بالسجن خمس سنوات لمشاركته في مظاهرة، أو يُجلد عامل لمطالبته بأجور متأخرة، فإن الهدف ليس هو وحده، بل المجتمع الذي قد ينتفض مكانه. هذه الأحكام رسالة للجميع تقول "قبل أن تفكر، تذكر أن لكل فعل ثمن"، في الواقع، نحن بصدد نظام إنذار مبكر؛ إنذار ليس لمنع العنف، بل لمنع التفكير والاحتجاج.

في ذروة الانتفاضات، تتسارع وتيرة الإعدامات. قضايا ظلت معلقة لأشهر تصل فجأة إلى مرحلة التنفيذ، والسبب واضح: الإعدامات في ذروة الغضب أداة للسيطرة النفسية على المجتمع، لا لإقامة العدل، بل لإظهار قوة الموت، والسطات لا تُدمر الجسد بالإعدامات، بل تُرهب أي محاولة سياسية. الإعدامات في لحظة التنفيذ هي أعلى صرخة "خنق" يمكن أن تُطلقها السلطة على المجتمع.

 

تدمير التنظيم وإنكار التعددية

القاسم المشترك بين كل هذه الأساليب الوقائية هو شيء واحد: تفكيك أي جماعة قبل أن تتشكل، قبل أن تتبلور لغة مشتركة، تفكيك الجماعات الطلابية برفع الدعاوى، تقسيم الجماعات العمالية بالتهديد، إسكات وسائل الإعلام البديلة بالترشيح والقمع، واعتقال وترهيب أو تصفية الأفراد المحتملين قبل أن ينطقوا بكلمة. هنا نرى أن الجمهورية الإسلامية ليست معارضة للسياسة فحسب، بل عدوة لإمكانية وجودها.

إن سياسة الإرهاب الوقائية ليست مجرد "حل"، بل هي مشروع فعلي لإدارة المجتمع من خلال إنكار السياسة. في ظل هذا النظام، لا يحق للناس المطالبة بالتغيير، حتى لو لم يصرحوا بذلك. مجرد كون المرء ناشطًا سياسياً كافٍ لتحويله إلى "تهديد أمني". هذا النظام يعاقب بدلاً من الحوار. بدلاً من الإصغاء، يقطع الطريق، وبدلاً من مواجهة السخط، يقمعه في مهده. والنتيجة هي مجتمع يعيش تحت وطأة الخوف وحكم الإرهاب، ويعلم أنه مع انهيار شرعيته، فإن الشيء الوحيد المتبقي له هو أداة العنف.


         


        

القمع الواسع النطاق لا يبني السلطة بل يقوضها

عندما ينتشر القمع على نطاق واسع، يصبح الخوف ذاكرة جماعية، لا عائقاً أمام الاحتجاج. السلطة السياسية، خلافًا لما تفترضه هياكل القمع، لا تُبنى باستخدام القوة وحدها. قد تُسكت القوة، أو تُرهب، أو تُثير الترقب، لكنها لا تدوم إذا ما فُقدت الشرعية. ما نواجهه في إيران اليوم هو التآكل التدريجي للوظيفة السياسية للقمع، سلطة لا تزال تمارس القمع لكنها لم تعد تُرهب.

في الماضي، كان القمع مُخططاً له بدقة؛ انتقائياً، ومُستهدفاً، ومُركّزاً على الشخصيات البارزة. ولذلك، بدا ثمن الاحتجاج باهظاً، وكان الخوف بمثابة رادع. لكن في السنوات الأخيرة، ومع انتشار الاحتجاجات، تحوّل مستوى القمع من استثناء إلى قاعدة. الطلاب، والمعلمون، والعمال، والفنانون، والكتاب، والناشطون، والصحفيون، ومستخدمو الإنترنت العاديون، والنساء المُحتجّات، وتلاميذ المدارس، وأطفال الشوارع... الجميع تعرّض للقمع. عندما يُصبح الجميع هدفاً، لم يعد القمع "رادعاً"؛ بل أصبح مجرد دليل على عجز السلطة.

 

تطبيع الخوف... مرحلة معاكسة

في العلوم السياسية، تنجح السلطة في "إصلاح" الأمور عندما تُرسّخ الخوف في المؤسسات؛ لكن الخوف، إذا تكرر كثيراً، يصبح أمراً طبيعياً، وتطبيع الخوف ليس دليلاً على السلطة، بل بداية انهيارها. عندما يمر كل بيت بتجربة السجن، وعندما يصبح الحبس الانفرادي، والحرمان من الرعاية الصحية، والأحكام القاسية جزءاً من الذاكرة العائلية للمجتمع، لم يعد الخوف فردياً؛ بل أصبح ذاكرة جماعية، وهذه الذاكرة هي أساس الغضب المنظم.

تظن الجمهورية الإسلامية أنها قادرة على "تجميع" الاحتجاجات عبر دوامة من القمع، لكن الحقيقة أن هذا القمع، وإن كان يُسكت صرخات الشارع مؤقتاً، إلا أنه يُراكم السخط، وما يتراكم ليس مجرد غضب، بل وعي. وعي بأن هذا النظام لم يعد قابلاً للإصلاح، ولا خاضعاً للمساءلة، ولا شرعياً.

أحد الأهداف الرئيسية للقمع الجنائي هو "تلقين الآخرين درساً"، لكن هذا الهدف يُنتهك عندما يكون عدد الضحايا كبيراً لدرجة أن لا أحد يتعلم درساً، بل يكون الجميع قد ذاقوا مرارة التجربة بأنفسهم. في هذه الظروف، لم يعد السجن "مخيفاً"، بل أصبح مدرسة للوعي السياسي، تتسرب السياسة من بين ثغرات جدران الزنازين.

 

تآكل السلطة في غياب الشرعية

في الأنظمة الديمقراطية، تستمد الشرعية من الأصوات، وفي الأنظمة الاستبدادية، أحياناً من الرضا الضمني أو الخوف، لكن في إيران، لا الرضا ولا الخوف الدائم. فالناس الذين واجهوا الرصاص، وشهدوا الإعدام، وقاوموا في السجون، لم يعودوا يخشون الوسائل المتكررة؛ فالسلطة التي لا تعرف سوى القمع تصبح في نهاية المطاف عاجزة. والقمع، إن استمر وكان مسلطاً على الجميع، لا يُنشئ سلطة، بل يُقوّضها. الخوف الذي يصبح عاماً يفسح المجال للجرأة، والسلطة التي لا تتحدث إلا عن السجن والإعدام تنهار مع أول انتفاضة اجتماعية واسعة، أمام ذكريات جرحى مترابطة. القمع الذي لا ينتهي يجد نهايته في قلب مجتمع لم يعد يخشى شيئاً.

 

انفجار غضب متراكم

عندما نريد فهم معنى ودلالة الاحتجاجات التي عمت إيران في سياق التاريخ المعاصر، يجب أن نتجاوز مجرد "الحادثة" وننظر إليها كمظهر لعملية متراكمة. لم تكن احتجاجات عام 2019، كما كشفت أحداث عام 2025، رد فعل عابراً على غلاء سلعة واحدة، بل انعكاساً لغضب جماعي من تراكم سنوات من القمع والإعدامات والسجن والإذلال الممنهج وانعدام الثقة بالقانون وانعدام الرؤية للمستقبل.

في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 اندلعت الاحتجاجات بسبب ارتفاع أسعار البنزين، لكن عمق ردود الفعل أظهر أن السعر لم يكن سوى عامل محفز، وليس السبب الرئيسي، بل السبب الحقيقي لما تراكم في المجتمع على مدى فترة طويلة: عمليات إعدام متتالية وظلم في تنفيذ الأحكام؛ وسجن الناشطين المدنيين والسياسيين لفترات طويلة؛ وملفات قضايا أمنية وحرمان من حق الدفاع عن النفس؛ وإذلال اجتماعي ومنهجي للنساء ومختلف المكونات؛ وانهيار حقوق الإنسان إلى حد القضاء التام على الضمانات القانونية. لعبت هذه التجارب دوراً في الذاكرة الجماعية، وأصبحت الخلفية العاطفية والسياسية للاحتجاجات الأوسع.

إذا نظرنا إلى الاحتجاجات نظرة سطحية، فقد نراها "احتجاجاً على ارتفاع الأسعار"، لكن الواقع الاجتماعي يُظهر بوضوح أن ما حدث لم يكن مجرد احتجاج على التضخم، بل كان أيضاً نتاجاً لتراكم ضغوط الظلم البنيوي على مدى عقود.

لم يكن رد فعل المجتمعات بسبب ارتفاع أسعار الخبز، بل بسبب انعدام الثقة في النظام ومؤسساته. انهارت الثقة في القضاء، وأصبحت المحاكمات سريعة وغير شفافة، وحُرمت المجتمعات من المحامين المستقلين، وتحولت القضايا إلى قضايا أمنية بدلاً من الجنائية. انهارت الثقة السياسية، وفرضت الرقابة على الإنترنت وعُطّلت خدماته، وكُبتت أصوات النقابات العمالية ووسائل الإعلام المستقلة. انهارت الثقة الاجتماعية، وظهر التمييز على أساس الجنس والعرق، وتعرضت فئة من المجتمع للإذلال في العلاقات الرسمية.

 

لم يكن القمع هو الحل بل كان عاملاً مسرعاً للغضب

بدلاً من مواجهة الأزمات والاستجابة للمطالب بشكل عادل، لجأت السلطات إلى النمط المتكرر نفسه من القمع، والاعتقالات الجماعية، وأحكام السجن المطولة، والإعدامات الصورية، وسرقة ملفات الأمن. هذه التكتيكات، بدلاً من إسكات الاحتجاجات، جعلتها أكثر تطرفاً وقوة. فكل موجة قمع أصبحت رمزاً للظلم، وفي كل مرة يكتسب المجتمع تجربة جديدة من الإذلال والألم الجماعي، بعبارة أخرى، لم يكن القمع نهاية الاحتجاج، بل غذّى الغضب المتراكم، ما نشهده ليس مجرد تكرار للأحداث، بل هو تراكم لتجارب مؤلمة ترسخت في الذاكرة الجماعية للمجتمع، وتنفجر كلما بلغت ذروتها.

في مجتمعٍ تُعاني فيه الحقوق الأساسية في الحياة (العيش الكريم، والصحة، والتعليم) من أزمةٍ حقيقية، ويُقابل فيه الحق في الاحتجاج بالعنف، وتحوّلت فيه المؤسسات القضائية إلى أدواتٍ للقمع، وحُرمت فيه المساحات العامة من الحوار والاحتجاج السلمي، لم يعد الصمت خياراً آمناً في هذا السياق. لماذا؟ لأن ثمن الصمت يتزايد يوماً بعد يوم: تتراكم ديون الأسر، وتتقلص مساحات المعيشة، ويتلاشى الأمل في المستقبل، وتستحيل المشاركة في صنع القرار الجماعي، ويستمر القمع دون أي مساءلة.

 

نمط من نوبات الغضب

ترتبط تجربة الاحتجاجات الأخيرة بتجربة مماثلة، بدأ كلا الاحتجاجين بسبب جوهري، وهو خلل في البنية الاجتماعية والقانونية، مما حوّلهما إلى حركة شاملة. في كلتا الحالتين، شكّل القمع، لا التكميم، طاقة سياسية، وفي كلتا الحالتين، أدت الاحتجاجات إلى جيل ساخط فقد الأمل في أي حل رسمي.

في الواقع، تُعدّ احتجاجات عام 2019 و2025 فصلين من ظاهرة واحدة، انفجار غضب متراكم في مجتمع لم يعد يحتمل الوضع الراهن؛ ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، بل أيضاً بسبب تراكم القمع والظلم والإذلال واليأس، في مثل هذا المجتمع، لم يعد الاحتجاج مجرد رد فعل سطحي على الضغوط الاقتصادية، بل هو تعبير عن ألم جماعي كُبت لسنوات.

في مثل هذا المجتمع، لم يعد الاحتجاج مجرد رد فعل سطحي على الضغوط الاقتصادية، بل هو تعبير عن ألم جماعي كُبت لسنوات. إذا أرادت السلطة احتواء الأزمات، فعليها أولاً أن تفهم هذا الجرح العميق المتراكم وتستجيب له، بدلاً من الاستمرار في دوامة القمع المتكررة لإسكات الأصوات. فكل قمع يزيد الغضب ولا يقلله، وإذا بلغ حداً لا يُطاق، فلا يمكن إسكاته.

 

السجن في مواجهة السياسة الشعبية... المواجهة غير المستدامة بين القمع والاحتجاج

في إيران المعاصرة، لا يهدف ما يُنفذ باسم "الأمن" إلى توفير منصة للمشاركة السياسية، بل إلى خنقها. لقد أُقصيت السياسة من المؤسسات الرسمية والأحزاب والإعلام والمجالس، وحتى الجامعات، ولم يبقَ لها سوى الشارع. الشارع في مواجهة مباشرة مع السجن. هذه المواجهة أصبحت ثنائية محورية في الحياة السياسية الإيرانية اليوم: الشارع في مواجهة السجن.

في الأنظمة التي تستمد شرعيتها من المشاركة السياسية، يُعد الشارع مكاناً للاحتجاج المؤقت، لا للاستقرار الدائم. لكن في ظل البنية الحالية للجمهورية الإسلامية، لم تعد المؤسسات فعّالة فحسب، بل أصبحت أيضاً غير ديمقراطية وإقصائية وقمعية. الأحزاب تُحل أو تُحظر فعلياً، والإعلام أصبح ناطقاً رسمياً، والانتخابات مجرد مسرحية بلا نتائج. في مثل هذه الحالة، لا تجد السياسة الحقيقية سبيلاً سوى الشارع.

يصبح الشارع ساحةً لا يطالب فيها الناس بوجودهم السياسي فحسب، بل يستعيدونه أيضاً. تُظهر النساء والشباب ومختلف المكونات والعمال والطلاب، في غياب التمثيل المؤسسي، من خلال وجودهم المادي في الشارع أن المجتمع لا يزال على قيد الحياة حتى لو كان النظام السياسي ميتاً.

 

السجن أداة للحكم لا للعدالة

لا يتمثل رد الدولة في الإصلاح، بل في تكثيف الأدوات العقابية، والاعتقالات الاحترازية، والأحكام المطولة، والإعدامات الصورية، والقمع العنيف في الشوارع، وملء السجون كـ"سياسة للسيطرة" على السكان المحتجين، وفي هذه الآلية، لا يُعد السجن نتيجة لجريمة، بل نتيجة للاحتجاج. لم يعد "السجين السياسي" استثناءً، بل أصبح القاعدة. في غياب الحوار والقانون والمساءلة، اعتمدت الجمهورية الإسلامية على السجن كبديل للسياسة.

لكن على الرغم من القمع الواسع النطاق، لم تخلُ الشوارع بعد. لماذا؟ لأن السياسة لا تتحمل الفراغ. طالما لم يُعترف بالاحتجاج، تظل الشوارع هي الركيزة الطبيعية للسخط، وهي التي تحمل الذاكرة التاريخية، والروايات البديلة، والغضب المتراكم. عندما يُستبعد السياسيون من النظام، يصبح الشعب نفسه سياسياً. الشارع هو مهد المقاومة، ومهد التضامن، ومهد إعادة تصور المستقبل. كل موجة من القمع ليست نهاية المطاف، بل هي ميلاد حقبة جديدة من الاحتجاج، بلغة جديدة، ونشطاء جدد، وبجرأة أكبر.

 

تناقض جوهري: أمن يُولّد انعدام الأمن

تزعم الجمهورية الإسلامية توفير "الأمن" باللجوء إلى أجهزة القمع والسجن، لكن هذا الأمن في حقيقته هو أمن السلطة من الشعب، لا أمن الشعب من الأزمات، ونتيجةً لذلك، لا تُحل الأزمات الاقتصادية، وتتفاقم أوجه عدم المساواة، وتتآكل الشرعية السياسية، ويشعر الناس بانعدام الأمن الوجودي بدلاً من الأمن. وكلما ازداد انتشار نظام السجون، ازداد الشعور بالتهديد في المجتمع، لأن المواطن، بدلاً من أن يكون متلقياً للحقوق، يصبح موضع شك دائم من قِبل النظام القائم.

 

العودة إلى السياسة هي السبيل الوحيد لإنهاء المواجهة

لا يمكن تحقيق الأمن المستدام بالإعدامات والسجن، بل بالعودة إلى العمل السياسي. أي بالاعتراف بحق الاحتجاج، واستقلال المؤسسات القضائية، وإلغاء أوامر الأمن المفروضة على النشطاء، وإتاحة المجال لمشاركة سياسية حقيقية، وإنهاء القمع المؤسسي.

ما دام الشارع هو المنصة الوحيدة للسياسة والسجن هو رد الفعل الوحيد، فلن تُحل الأزمات فحسب، بل ستتراكم وتتعمق وتصبح أكثر حدة. في الواقع، المواجهة بين الشارع والسجن هي مواجهة بين منطقين: منطق المطالبة والمشاركة والاستحقاق في مقابل منطق الطاعة والخوف والإقصاء. ما دام الأخير هو السائد، فلن يتراجع الأول. هذه ليست مجرد معركة سياسية، بل مواجهة حول معنى الحياة الجماعية في إيران: هل نعيش في ظل الإرهاب أم نعيش في إطار الحقوق والكرامة؟