معاناة النساء الأفغانيات والإيرانيات وجهان لواقع واحد

تكرّر تاريخ نضال ومقاومة الشعب الإيراني مراراً عبر العقود وبعد حركة Jin Jiyan Azadi بلغ الألم هذه المرة أقصى مداه، خاصة لدى النساء اللواتي قدّمن دماءهن على طرقات إيران، ووقفن شامخات في مواجهة القمع، عازمات على إسقاط النظام الديني.

بهاران لهيب

بغلان ـ شهدت إيران في الأشهر الأخيرة موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية في مدن مختلفة، احتجاجات نابعة من استياء عميق على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتشير إلى استمرار أزمة الثقة بين الشعب والحكومة، ورغم أن هذه الاحتجاجات بدأت ظاهرياً بمطالب تتعلق بتحسين سبل العيش، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى ساحة للتعبير عن مطالب اجتماعية ومدنية أوسع.

أدى الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانتشار البطالة، لا سيما بين الشباب، وتراجع القدرة الشرائية للأفراد، إلى إرهاق شرائح المجتمع المختلفة في إيران، ما دفع الكثيرين إلى الخروج للشوارع للاحتجاج على تدهور الأوضاع، وقال المواطنون المحتجون "لم يعد بإمكانهم تلبية احتياجاتهم الأساسية، ولا يرون مستقبلاً مشرقاً لأنفسهم ولأبنائهم".

وإلى جانب المشاكل الاقتصادية، تُعتبر القيود الاجتماعية والثقافية، والرقابة الصارمة على نمط الحياة، وانعدام الحريات المدنية، من العوامل الرئيسية التي أشعلت فتيل الاحتجاجات، ويعتقد العديد من المتظاهرون أن أصواتهم لم تُسمع لسنوات، وأنه لا سبيل أمامهم للتعبير عن مطالبهم سوى النزول إلى الشوارع.

كان دور المرأة بارزاً للغاية في الاحتجاجات الأخيرة في إيران، فقد كانت النساء، اللواتي لطالما عانين من اضطهاد القوانين التمييزية والتقييدية، في طليعة هذه الاحتجاجات، مطالبات بالكرامة الإنسانية، وحق الاختيار، والحريات الأساسية، وقد أضفى حضورهن الفعال على هذه الاحتجاجات طابعاً مختلفاً وذا مغزى.

وأثارت حملة القمع التي شنتها قوات الأمن ضد المتظاهرين، والاعتقالات الجماعية، واستخدام العنف، والقيود المشددة على الإنترنت والإعلام، مخاوف جدية بشأن وضع حقوق الإنسان في إيران، ومع ذلك لم تنجح هذه الإجراءات في إخماد الاحتجاجات بشكل كامل، ولا يزال السخط قائماً في مختلف شرائح المجتمع.

إن الاحتجاجات الأخيرة في إيران ليست مجرد حدث محلي، بل هي انتفاضة ضخمة تتجاوز الحدود، ويتابعها سكان المنطقة بحساسية وتعاطف خاصة الأفغانيات، اللواتي واجهن الحرمان والتمييز والقمع الممنهج لسنوات.

 

"ليس مجرد حدث عابر"

وفي هذا السياق عبّرت شكرية نوابي، وهي متظاهرة أفغانية، عن تضامنها مع المحتجين في إيران "رغم أنني لست في شوارع إيران، إلا أنني أشارك الشعب الإيراني آلامه بعمق، فنحن النساء الأفغانيات نعاني من ذات المعاناة منذ سنوات طويلة".

وأوضحت أن "ما يجري من احتجاجات شعبية في إيران لا يُعد بالنسبة لي مجرد حدث عابر، بل هو انعكاس لمعاناة مشتركة تعيشها نساء المنطقة، اللواتي حُرمن من حق التصويت، ومن حرية الاختيار، ومن المشاركة الفاعلة في المجتمع، إنني أرى أن جذور الكثير من الأزمات في إيران وأفغانستان واحدة، فهي أنظمة أبعدت الناس لا سيما النساء عن مواقع صنع القرار، ودفعت بهم إلى الهامش".

وأكدت أن موقف المرأة الإيرانية يمنح الأمل للمرأة الأفغانية، أملٌ تتنفسه بصعوبة في ظل القمع الشديد، وكل صرخة تُرفع في شوارع إيران يتردد صداها في قلوب النساء الأفغانيات "عندما تحتج المرأة الإيرانية بشجاعة، نشعر أننا لسنا وحدنا، وأننا ما زلنا نؤمن بالتغيير حتى وإن كان هذا الطريق طويلاً وشاقاً".

وترى شكريه نوابي أن الاحتجاجات في إيران تكشف حقيقة أساسية "فالقمع قد ينجح في إسكات الأصوات لبعض الوقت، لكنه عاجز عن إخماد الغضب أو القضاء على الوعي الجمعي، الذي سيجد طريقه عاجلاً أم آجلاً كما انتقدت الموقف المتردد للمجتمع الدولي"، مشيرةً إلى أن معاناة شعوب المنطقة، وخاصة النساء، غالباً ما تُختزل في تقارير وتصريحات رسمية دون أن تتحول إلى خطوات عملية ملموسة.

وكشفت الاحتجاجات الأخيرة للشعب الإيراني مجدداً أن مطالب الشعب لا تقتصر على تحسين الأوضاع الاقتصادية فحسب، بل تشمل أيضاً تغييرات جذرية في الحكم، واحترام الحقوق المدنية، وإنهاء القمع، وفي ظل هذه الظروف تكتسب التضامن بين النساء الإيرانيات والأفغانيات أهمية خاصة، تضامنٌ قائم على تجربة مشتركة من الألم والتمييز والمقاومة وقالت شكرية نوابي في ختام حديثها "نحن نساء أفغانستان وإيران على الرغم من أن الحدود تفصلنا، إلا أننا قريبون من بعضنا البعض في المعاناة والنضال، ونسمع أصوات بعضنا البعض".