لورستان درويش: الإعلام هو الذاكرة الحية للمجتمع

بينما يوثق الإعلام الحر نضالات الشعوب ويحمي هويتها من الزوال، تمنح الرؤية النسائية للأرشيف الحي عمقاً إنسانياً، وتحول الكلمة إلى جسر تاريخي يحمل صوت الحقيقة والمقاومة بأمان عبر الأجيال.

نغم جاجان

قامشلو ـ الإعلام المسؤول هو القوة التي تبني وعياً حراً وفكراً نقدياً لدى المجتمع، حيث يتجاوز دوره نقل الأخبار المجردة ليكون شاهداً حياً على التحولات، وصوتاً للحقائق المخفية، وأرشيفاً يوثق تجارب ونضالات الشعب، مما يضمن حماية هويته وذاكرته الجماعية من الزوال وينقلها بأمان عبر الأجيال.

حول دور الإعلام في بناء الوعي وأهميته في حماية الذاكرة المجتمعية، فضلاً عن نقل الحقائق التاريخية من جيل إلى جيل، أجرت وكالتنا مع الصحفية لورستان درويش الحوار التالي:

 

ما هو تأثير الإعلام في بناء مجتمع واعٍ وذي إدراك؟

أساس الإعلام ينبع من المجتمع، وبلا شك، فإن تأثيره إيجاباً وسلباً يقع على المجتمع ذاته. يُعرف الإعلام بأنه السلطة الرابعة، لكنه في القرن الحادي والعشرين بات في الممارسة العملية أحد القوى الرئيسية التي توجه المجتمع وتؤثر فيه. من الجانب الإيجابي، يلعب الإعلام دوراً بارزاً في حماية قيم المجتمع، وجوده، هويته، ومكتسباته، ويصبح صوتاً له.

إن العمل الصحفي ليس بالأمر السهل، ويواجه الصحفي في مسيرته ظروفاً وشروطاً صعبة. ولكن رغم كل العوائق، من الضروري أن يكون صوتاً لمجتمعه بمعنى أن يقوم بحماية الثقافة والتاريخ والقيم والهوية ونقلها.

ومن هذا المنطلق، يجب أن يتحول الإعلام إلى ذاكرة تحفظ أحداث وتجارب وتحولات المجتمع من أجل الأجيال القادمة. وفي هذا الإطار، ومع تطور الإعلام في خضم ثورة روج آفا، تمكنا من التعرف عن قرب على الكثير من الثقافات والقيم المجتمعية وتوسيع آفاق فهمنا للآخر نظراً لتنوع المنطقة بمكوناتها المختلفة والمتعددة.

ويلعب الإعلام دوراً حيوياً في تقريب وتمتين العلاقات بين المكونات، ونشر القيم المشتركة. وحتى اليوم، وبفضل الإعلام، يرغب الكثير من الناس في تعلم لغات بعضهم والتعرف على ثقافاتهم بشكل أفضل. وهذا يدل على أن الإعلام ليس مجرد أداة لإيصال المعلومات، بل هو جسر يربط بين المجتمعات، ويساعد في بناء التفاهم، والقبول المتبادل، وتقدم المجتمع.

 

كيف يمكن للإعلام أن يتحول إلى ذاكرة وينقل تاريخ المجتمع من جيل إلى آخر؟

لا يقتصر دور الصحفي على توثيق الأحداث فحسب، بل يقوم أيضاً ببناء أرشيف حي للتاريخ ويحمي حقيقته من الزوال. وبفضل البحوث والجهود الإعلامية، تم تسليط الضوء على الكثير من الحقائق التاريخية التي كانت غامضة بالنسبة لنا في السابق.

إن التاريخ الذي كنا نعرفه سابقاً، كان غالباً يُكتب وفقاً لذهنية ورؤية الدول، أما اليوم فبإمكاننا النظر إلى تاريخنا برؤية مختلفة والتعرف على الحقائق التي تم إخفاؤها. وهذا هو نتاج الأبحاث، التقصي، والنضال الطويل من أجل الوصول إلى الحقيقة.

من خلال نضال حركة التحرر الكردستانية المستمر منذ قرابة 50 عاماً، تعرفنا على جوانب كثيرة من تاريخنا المخفي، وأدركنا أن حماية التاريخ هي جزء من النضال لأجل وجودنا وهويتنا. وبالتأكيد، سيكون هذا التاريخ ميراثاً مهماً للأجيال القادمة، لكي يعرفوا في ظل أي ظروف عاش مجتمعنا، وماذا قدم من تضحيات للوصول إلى مكتسباته الحالية.

كل صحفي لا ينقل المعلومات للشعب من خلال الخبر فحسب، بل يطور الوعي أيضاً، ويكشف الحقائق، ويجعل من أحداث العصر جزءاً من الذاكرة المجتمعية. وفي هذا السياق، فإن الحرب التي دارت في روج آفا جرى توثيقها على نطاق واسع بفضل الإعلام، رغم كل الظروف الصعبة والمخاطر.

لقد واجه الصحفيون في روج آفا ظروفاً قاسية جداً هددت حياتهم، لكنهم استمروا في العمل لإيصال صوت الحقيقة وتوثيق الأحداث. وفي كثير من الأحيان، كانوا يتوجهون إلى مواقع الأحداث ويكشفون الحقيقة للعالم، وهم يدركون تماماً أنهم قد لا يعودون من ذلك الطريق. هذا الأمر يثبت أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي مسؤولية تاريخية تحمي الحقائق وتوصل صوت المجتمع إلى الأجيال الحالية والقادمة.

 

كيف يمكن للصحفيات نقل صوت المرأة وقضاياها إلى المجتمع؟

المرأة هي أساس المجتمع وتلعب دوراً بارزاً في كافة مجالات الحياة. وفي المجال الإعلامي أيضاً، تستطيع الصحفيات، عبر رؤيتهن الخاصة وفهمهن العميق للمشكلات المجتمعية، تسليط الضوء على الجوانب المختلفة للأحداث، وإيصال صوت الفئات المجتمعية المتنوعة إلى الشعب. إن الصحافة بالنسبة للمرأة ليست مجرد مهنة، بل هي فرصة هامة لنقل الحقائق، وحماية الحقوق، والمشاركة في بناء الوعي المجتمعي.

مع تطور ثورة روج آفا، اتخذت النساء خطوات تاريخية في المجال الإعلامي نظراً لدورهن في تأسيس قنوات تلفزيونية، ووكالات أنباء، وإذاعات، ومجلات، الأمر الذي يظهر أن المرأة قادرة على تحمل مسؤولية المؤسسات الإعلامية بشكل مستقل، وأن يكون لها دور في اتخاذ القرار.