لماذا تخشى الدولة الإيرانية تسليم جثث معارضيها؟
في إيران لا يتوقف القمع عند الموت، فإخفاء الجثث وحرمان العائلات من الحداد يُستخدمان للسيطرة على الرواية والذاكرة، ومنذ ستينيات القرن الماضي تحول وفيات المعارضين إلى حدث صامت تُحجب دلالاته السياسية.
ندى أميدوار
مركز الأخبار ـ في إيران لا ينتهي القمع بقتل المعارض، بل يبدأ طوره الثاني، فبعد التخلص الجسدي من الضحية، يجري التخلص الاجتماعي منها عبر إخفاء الجثة وترك مكان الدفن مجهولاً وحرمان الأسرة من الوداع، لتحويل الحزن إلى قلق دائم. هذا النمط ظهر منذ السنوات الأولى بعد 1979، ثم ترسّخ كسياسة واضحة في مجزرة 1988 وقضية خاوران.
أُعدمت الدولة الإيرانية آلاف السجناء السياسيين بإجراءات موجزة، ودفنت جثثهم في مقابر فردية وجماعية مجهولة الهوية، وحرمت عائلاتهم من معرفة الحقيقة، وقد وصفت شبكة حقوق الإنسان في كردستان ومنظمة العفو الدولية هذه المجزرة بأنها "عمليات قتل جماعي سرية"، وذكرتا أن الدولة أخفت الضحايا قسراً، ودفنتهم في مقابر مجهولة الهوية، واستمرت في ارتكاب الجريمة نفسها من خلال إخفاء مواقع الدفن وتدمير المقابر الجماعية.

هذه الجثث ليست مجرد كتل هامدة، بل وثائق وشواهد ومواقع لتشكل الذاكرة الجماعية، فإذا تمكنت العائلة من رؤية الجثة والتعرّف عليها ودفنها والاجتماع عند قبرها، يرتقي الموت من مستوى "حادث أمني" إلى مستوى "كارثة سياسية" ولهذا السبب في قضيتي عام 1988 وخاوران، لم تكتفِ الدولة برفض تسليم الجثث إلى عائلات الضحايا، بل امتنعت أيضاً عن إبلاغهم بمكان الدفن، ومن منظور القانون الدولي يُعدّ هذا الرفض استمراراً للاختفاء القسري، ما يعني أن حرمان العائلات من حقها في معرفة الحقيقة ومن حقها في الحداد يشكّل نوعاً من التعذيب النفسي والمعاملة القاسية.
وفي عام 1999، شوهد نمط آخر من نفس المنطق في حركة 9 تموز/يوليو 1999وهو قمع الطلاب والسيطرة على أماكن التذكر مما سمح للدولة بسحب الاحتجاج من مستوى المدينة إلى مستوى القضايا التأديبية وفرض الصمت.
وفي الحركة الخضراء عام ٢٠٠٩، ورغم أن نمط "اختفاء الجثث" لم يكن منهجياً ومنتشراً على نطاق واسع كما كان عليه الحال في عام ٢٠٠٨، إلا أن منطق السيطرة على الموت والتحكم في الرواية كان جلياً، فقد تسببت الدولة في أزمة حقوق إنسان خطيرة من خلال قمع الاحتجاجات بعنف، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، والاعتقالات التعسفية والتعذيب. ووفقاً لمنظمات حقوق الإنسان، ظلت عائلة أحد المعتقلين في الحركة الخضراء في حيرة من أمرها لأسابيع قبل أن تتلقى نبأ وفاته.
تُظهر هاتان الحركتان أنه حتى قبل أن تصل الدولة إلى المستوى التالي من "إخفاء الجثث"، كانت حساسة لـ "السيطرة على الموت" و "السيطرة على الحداد" منذ البداية. ويمكن ملاحظة هذا المنطق أيضاً في حالات محددة من الإعدامات السياسية والوطنية، ففي أيار/مايو 2010، أُعدمت الدولة الإيرانية شيرين علم هولي وزملائها سراً، دون علم عائلاتهم بالإعدام، ودون أن تسلم جثثهم.

وفي عام 2018 أيضاً، أُعدم ثلاثة سجناء سياسيين كرد دون إخطار عائلاتهم مسبقاً، ولم يُعاد جثمان أحدهم إلى أهله، بل دُفن في مكان مجهول. وفي عام 2020، كتبت منظمة العفو الدولية عن سجين كردي آخر محكوم عليه بالإعدام، حيث أعدمته الدولة سراً وأبقت عائلته في جهل تام، بل وأمرتهم بالذهاب إلى المقبرة؛ وهذا الحكم بحد ذاته يُظهر بوضوح منطق التهديدات والوحشية التي يمارسها النظام.
إذ، السؤال الرئيسي ليس لماذا لا تُسلّم حكومة "قاسية" جثة معارضها، بل لماذا يكون لذلك وظيفة سياسية؟ يكمن الجواب في ثلاثة مستويات، المستوى الأول هو إنكار الشهود، بمعنى أنه إذا لم تُسلّم الجثة، يصبح من الصعب إجراء تشريح مستقل وتوثيق نوع الجريمة وتحديد المسؤولية، المستوى الثاني هو الانضباط الاجتماعي، بمعنى أن العائلة التي تبحث عن الجثة تُجبر على العيش في خوف وصمت، وتخوض مفاوضات مُذلّة مع الأجهزة الأمنية، المستوى الثالث هو كبت الذاكرة بمعنى أنه إذا بقي القبر مجهولاً، أو دُمّرَت المقبرة الجماعية، تتضاءل إمكانية تحويل الحداد إلى مقاومة سياسية.
ولهذا السبب بالذات، حذرت منظمة العفو الدولية في عام 2017 من أن تدمير مقبرة جماعية في الأهواز، تحتوي على رفات ما لا يقل عن 44 ضحية من ضحايا الإعدام خارج نطاق القضاء، لم يكن إجراءً تنموياً بل كان تدميراً لأدلة على جرائم ضد الإنسانية، وكتبت مبادرة حقوق الإنسان في عام 2015 أن تحويل أجزاء من بهشت الزهراء إلى موقف سيارات كان استمراراً لنفس منطق محو آثار الجريمة.

في مجزرة تشرين الثاني/نوفمبر 2019، اتضحت هذه الحقيقة جلياً، فقد أظهر تقرير جديد صادر عن بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق وتقييمات حقوق الإنسان أن الحكومة من خلال قتل المتظاهرين وتصنيف الضحايا، وحرمان عائلاتهم من العدالة سعت إلى كتابة "روايتها الخاصة عن الموت"، ويشير تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة العفو الدولية إلى أن السلطات تخفي "الحقيقة حول المتظاهرين الذين قُتلوا" وتحرم العائلات من حق الحداد أو حتى معرفة مصير أحبائها.
حرمان من الحداد العلني
وفيما يتعلق بأحداث تشرين الثاني/نوفمبر 2019، تُظهر بعثة تقصي الحقائق والوثائق ذات الصلة أن الدولة صنّفت الضحايا بأوصافٍ مثل "شبيهة بقوات الباسيج" و"مثيري شغب" و"ضحايا جانبيين" بهدف التهرب من المسؤولية عن جريمة القتل، هذه هي الآلية السياسية نفسها لـ"إخفاء هوية الضحية"، ما يعني أنه عندما يُختزل موت شخص ما إلى مجرد تصنيف أمني، تُحرم عائلته أيضاً من حقها في الحداد العلني.
في الانتفاضة الشعبية في إيران عام 2022 تجلّت هذه السياسة بصورةٍ أكثر وضوحاً وجرأة. فبدلاً من السماح لعائلات ضحايا هذه الانتفاضة بالحداد بحرية، تعرّضت لضغوطٍ شديدة شملت الاستدعاءات والاعتقالات والمراقبة الأمنية والتهديدات بتدمير قبورهم، حتى أن شواهد القبور دُمرت وحاولت الدولة إسكات مراسم الذكرى بالقوة، وفي الحالات نفسها ادّعت العائلات أن الدولة لم تكتفِ بقتل أبنائها بل عاقبتهم أيضاً لمطالبتهم بالعدالة، ومن الأمثلة الرمزية البارزة على ذلك نيكا شاكرمي، التي "اختُطف" جثمانها من عائلتها، ثم دُفن في مكانٍ بعيد دون موافقة العائلة. وفقاً لمصادر إعلامية وحقوقية، هنا يصبح الجثمان أداةً للضغط، إذ يجب على العائلة إما التزام الصمت أو التعرّض للإذلال لاستلام الجثمان، ففي منطق هذه الدولة لا يُعدّ جثمان الضحية أمانةً للعائلة، بل رهناً في يد السلطة.

الدفن الجثة في مكان مجهول
لقد نقل شتاء عام 2025 هذا المنطق إلى مستوى جديد، فقد ذكرت بعثة تقصي الحقائق أنه بعد احتجاجات عمت البلاد، أخفت السلطات الإيرانية "الحجم الحقيقي للقمع"؛ ولم تتمكن العائلات من العثور على أحبائها في المستشفيات أو مراكز الاحتجاز أو الطب الشرعي، وأُجبر البعض على دفع المال أو التوقيع على تعهدات مهينة لاستعادة جثثهم، وشنّت السلطات حملة واسعة النطاق من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والاعترافات القسرية وحتى الإعدامات السرية في أعقاب مجازر كانون الثاني/يناير الماضي.
وثقت منظمات حقوق الإنسان، مثل شبكة حقوق الإنسان في كردستان ومنظمة العفو الدولية، حالات بحثت فيها عائلات عن موتاها بين الجثث في المشرحة، واضطرت أحياناً لدفن الجثة في مكان مجهول وعلى عجل، خوفاً من احتجاز الدولة للجثة أو طلب رشاوى مقابل إطلاق سراحها، في مثل هذه الحالة يُعدّ قطع الإنترنت جزءاً من السياسة نفسها، ما يعني أنه عند انقطاع الاتصالات يُحجب الموت نفسه عن المجال العام.

طمس الأدلة
عنصر آخر مهم يجب أخذه في الاعتبار هنا هو تدمير القبور والمقابر، بتحويل أجزاء من مقبرة بهشت الزهراء إلى موقف سيارات، تقوم الدولة فعلياً بتغطية رفات من أُعدموا في ستينيات القرن الماضي بالإسفلت، وهذا ليس مجرد مشروع حضري بل محاولة "لطمس الأدلة" و"قطع خيط الذاكرة"، لسنوات واجهت عائلات ضحايا قضية خاوران حظراً وتهديدات واعتقالات لدخول المقبرة، وبعبارة أخرى لا تريد الدولة أن يعرف أحد من قُتل فحسب، بل لا تريد حتى أن يعرف أحد أين يبكي، هنا يصبح الحق في الحداد حقاً سياسياً، الحداد الحر يُنشئ مجتمعاً والمجتمع يُنشئ ذاكرة والذاكرة تُنشئ إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية، تخشى الدولة هذه السلسلة تحديداً، لذلك فإن تدمير القبور في منطقها هو استمرار للجريمة وليس نتيجتها.
وفي حالة الكرد تتجلى هذه السياسة بشكل أوضح، حيث غالباً ما تنظر الدولة إلى الكرد على أنهم يمثلون تهديداً "للأمن الإقليمي" و "تهديداً سياسياً"، ويتم استهدافهم بسبب هويتهم السياسية والعرقية، ولأن أجسادهم قد تصبح رموزاً للمقاومة. حتى عندما لم يكن الحكم يتعلق بنشاط مسلح ولكن بتهم غامضة مثل "الحرابة" أو "التمرد"، كان الغرض الحقيقي في كثير من الأحيان شيئاً يتجاوز العقوبة القانونية، استعراض القوة، وترهيب الأقليات، وخلق شعور بالعجز.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن عدم تسليم الجثة في هذه الدولة ليس مجرد "عنصر ثانوي للعنف" بل هو ركنها الأساسي، فبذلك تؤخر الدولة تحقيق العدالة وتسرق الرواية، وتضغط على العائلة وتمحو القبر من الذاكرة، وترسل رسالة إلى المجتمع مفادها أن حتى موت المعارضة بات في يد الدولة.

لهذا السبب يمكن رؤية خطٍّ متصل يمتد من عام 1988 إلى 2009، ومن احتجاجات تشرين الثاني/نوفمبر 2019 إلى الانتفاضة الشعبية في إيران عام 2022، وكذلك من القمع والقتل الذي طال ما لا يقل عن خمسين ألف شخص في الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد حتى اليوم، خط تحويل الجسد إلى أداة سياسية، هذا الخط على الرغم من تغير أشكاله في كل مرحلة، ظل محافظاً على منطقه الأساسي، إذ إن أي سلطة تسعى إلى حماية روايتها تجد نفسها مضطرة إلى إلغاء جسد المعارض ومنع إمكانية الحداد عليه، وطالما لم يُكسر هذا المنطق، سيظلّ الموت في إيران ليس حدثاً بيولوجياً فحسب، بل قضية سياسية لم تُحل بعد.