كيف وصلت إيران إلى حافة الإفلاس البيئي؟
تكشف المعطيات البيئية في إيران عن أزمة متفاقمة تتجاوز حدود التحذير التقليدي، لتصل إلى مرحلة تغيّرات غير قابلة للعودة. فبينما تتجه دول العالم نحو حلول خضراء، تتراجع إيران بيئياً بوتيرة متسارعة، حتى باتت على أعتاب ما يُعرف بـ "الإفلاس البيئي".
مركز الأخبار ـ تواجه إيران اليوم واحدة من أخطر أزماتها البيئية في تاريخها الحديث، حيث أدت عقود من سوء الإدارة والسياسات غير المستدامة إلى جفاف الأنهار والأهوار، وتدهور الغابات، واتساع العواصف الترابية، وهبوط التربة بمعدلات كارثية.
بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة، الذي يصادف الخامس من حزيران/يونيو، يكشف تقييم الواقع البيئي في إيران عن صورة شديدة القلق لأزمة عميقة وبنيوية ومتداخلة الأبعاد. أزمة يرى عدد كبير من الخبراء أنها لم تعد في مرحلة التحذير، بل تجاوزتها نحو مسار تغيرات غير قابلة للعودة. فجفاف الأنهار والأهوار، وتدهور الغابات، والهبوط الواسع للتربة، واتساع العواصف الترابية، وتلوث الهواء المزمن، ليست سوى بعض المؤشرات على الانهيار التدريجي للبيئة في البلاد.
وفي الوقت الذي تبذل فيه دول عديدة جهوداً لمواجهة التحديات البيئية عبر التكنولوجيا الحديثة، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وتطبيق الاتفاقيات الدولية، يؤكد المنتقدون أن عقوداً من سوء الإدارة، وسياسات التنمية غير المستدامة، والفساد البنيوي، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، دفعت إيران إلى حافة ما يمكن وصفه بـ "الإفلاس البيئي".
الأزمة البيئية العالمية... كيف يواجه العالم الكارثة؟
يواجه العالم اليوم مجموعة من الأزمات البيئية المتزامنة؛ من الاحتباس الحراري وتغير المناخ إلى تدمير الغابات، ونقص المياه، وتلوث الهواء، وتراجع التنوع البيولوجي. ويقول خبراء البيئة إن زيادة الغازات الدفيئة الناتجة عن استهلاك الوقود الأحفوري أدت إلى ارتفاع حرارة الأرض، وذوبان الجليد القطبي، وارتفاع مستوى البحار. وفي مواجهة هذه الأزمة، وضعت دول كثيرة اتفاق باريس، وتطوير الطاقة النظيفة، والسيارات الكهربائية، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري ضمن أولوياتها.
وفي الوقت نفسه، أصبح التلوث البلاستيكي تهديداً خطيراً للكائنات البحرية وصحة الإنسان، ما دفع العديد من الدول إلى الحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام. كما أن تراجع التنوع البيولوجي، وتدمير الغابات، ونقص الموارد المائية، من الأزمات التي تعمل الحكومات والمنظمات الدولية على مواجهتها.
من أزمة بيئية إلى أزمة قابلية العيش
في إيران، لا تقتصر الأزمة البيئية على تغير المناخ. إذ يرى الخبراء أن مزيجاً من الجفاف، والسياسات غير الفعالة، والإدارة غير العلمية للموارد الطبيعية، والمشاريع العمرانية المدمرة، وضع النظام البيئي الإيراني في وضع غير مسبوق.
ويعتقد المنتقدون أن كثيراً من أزمات اليوم هي نتيجة عقود من اتخاذ القرارات دون تقييم بيئي، وتقديم المشاريع السياسية والاقتصادية على مصالح الأرض طويلة المدى.
غابات إيران؛ رئتان تنطفئان
تعرضت غابات الهيركاني وزاغروس، وهما نظامان بيئيان حيويان، لتدمير متزايد خلال السنوات الأخيرة. فالغابات الهيركانية، المسجلة ضمن التراث العالمي لليونسكو، تواجه خطر التدمير بسبب تهريب الأخشاب، وبناء الفلل، وتغيير استخدام الأراضي، والرعي الجائر، وتراكم النفايات.
وفي غرب إيران، فقدت غابات البلوط في زاغروس جزءاً كبيراً من غطائها بسبب الجفاف والحرائق المتكررة والآفات النباتية وإنتاج الفحم. كما تشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 30% من غابات البلوط في زاغروس تعرضت لأضرار جسيمة أو على وشك الزوال.
ولادة بؤر العواصف الترابية
تحولت الأهوار في إيران، التي تلعب دوراً أساسياً في تنظيم المناخ والحفاظ على التنوع البيولوجي ومنع العواصف الترابية، إلى واحدة من أبرز ضحايا الأزمة البيئية.
فأهوار مثل كاوخوني، هور العظيم، شادكان وأنزلي، فقدت جزءاً كبيراً من حصتها المائية، وبعضها جفّ تماماً. وقد أدى جفاف هذه الأهوار إلى ظهور بؤر جديدة للعواصف الترابية تهدد صحة ملايين الأشخاص.
وفي محافظات مثل خوزستان وسيستان وبلوشستان وكرمنشان، أصبحت العواصف الترابية جزءاً من الحياة اليومية.
بحيرة أورمية؛ رمز فشل مشاريع الإحياء
كانت بحيرة أورمية يوماً ما واحدة من أكبر البحيرات المالحة في العالم، لكنها أصبحت اليوم رمزاً لأزمة إدارة المياه في إيران. فرغم الوعود المتكررة بإحياء البحيرة، جف معظمها، وأصبحت العواصف الملحية الناتجة عن قاعها الجاف تهدد حياة ملايين السكان في شمال غرب البلاد.
ويعتبر الخبراء أن السدود الكثيرة، وتوسع الزراعة كثيفة الاستهلاك للمياه، والاستخراج المفرط من المياه الجوفية في حوض أورمية، من أهم أسباب هذه الكارثة البيئية.
تلوث الهواء
ولم يعد تلوث الهواء في إيران أزمة موسمية، بل أصبح أزمة دائمة. فمدن كبرى مثل طهران وأصفهان والأهواز وأراك وكرج تعاني من الهواء غير الصحي. ففي الشتاء، يؤدي الاستخدام الواسع للمازوت في محطات الطاقة والصناعات بسبب نقص الغاز إلى ضخ كميات هائلة من الملوثات في الهواء. وفي الصيف، يؤدي جفاف الأهوار وزيادة الغبار إلى تدهور جودة الهواء. ويتسبب تلوث الهواء في وفاة آلاف الأشخاص سنوياً.
هبوط الأرض
ويعد هبوط الأرض أحد أخطر الأزمات البيئية في إيران، وينتج عن الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية. فسهول طهران وأصفهان وفارس وكرمان وخراسان تعاني من معدلات هبوط مرتفعة. وفي بعض المناطق، يهبط سطح الأرض أكثر من 50 سنتيمتراً سنوياً، وهو رقم كارثي عالمياً.
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع قد يهدد البنى التحتية الحيوية، وخطوط النقل، والطرق، والآثار التاريخية، والمناطق السكنية.
دور الحرس الثوري والمشاريع العمرانية الكبرى
يتركز جزء كبير من الانتقادات على المشاريع العمرانية الواسعة التي نفذتها مؤسسات تابعة للحكومة، خصوصاً الحرس الثوري. ويقول المنتقدون إن السدود الكثيرة، ومشاريع نقل المياه بين الأحواض، وتطوير الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه دون تقييم بيئي دقيق، ألحق أضراراً لا يمكن إصلاحها بالموارد الطبيعية.
ويعد سد كتوند مثالاً بارزاً، إذ أدى بناؤه على طبقات ملحية إلى زيادة ملوحة مياه كارون وتدمير الزراعة في أجزاء من خوزستان.
سياسة الاكتفاء الذاتي واستنزاف المخزون المائي
يرى الخبراء أن سياسة الاكتفاء الذاتي الزراعي من أهم أسباب الضغط على الموارد المائية. فالتوسع في زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق الجافة، وحفر الآبار العميقة، والاستخراج المفرط للمياه الجوفية، استنزف جزءاً كبيراً من المخزون الاستراتيجي للبلاد.
وفي الوقت نفسه، أدى تطوير صناعات مثل الفولاذ والبتروكيماويات والحديد في المناطق قليلة المياه إلى تفاقم الأزمة والإخلال بالتوازن البيئي.
التعامل الأمني مع الناشطين البيئيين
إلى جانب الأزمات الطبيعية والإدارية، تعرض الناشطون البيئيون خلال السنوات الأخيرة لضغوط أمنية واعتقالات وقيود. ويقول المنتقدون إن النظرة الأمنية تجاه الناشطين المستقلين قللت من الرقابة الشعبية وإمكانية نقد السياسات البيئية المدمرة.
إن مجموعة الأزمات البيئية المتزامنة، من جفاف الموارد المائية وتدمير الغابات إلى هبوط الأرض واتساع العواصف الترابية، دفعت كثيراً من الخبراء إلى استخدام مصطلح "الإفلاس البيئي" لوصف وضع إيران.
ويرى هؤلاء أن استمرار الوضع الحالي قد يهدد قابلية العيش في أجزاء من البلاد، ويؤدي إلى موجات هجرة مناخية واسعة، وأزمات اجتماعية، وتوترات اقتصادية.
ويؤكد الخبراء أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إصلاحات جذرية في السياسات الكبرى، وإدارة المياه، ونموذج التنمية، والنظام الزراعي، وبنية الحوكمة؛ وهي إصلاحات يقول المنتقدون إنه لم تظهر حتى الآن إرادة جدية لتنفيذها.