حين تأخذ الهجرة ملامح امرأة

بقلم الصحفية المغربية حنان حارت

خلال اليومين الماضيين، انشغلت بمتابعة موجة الهجرة التي شهدها شمال المغرب في اتجاه سبتة المحتلة، المدينة المغربية الخاضعة للإدارة الإسبانية. لم تكن المشاهد هذه المرة تشبه ما اعتدناه في السنوات الماضية، فلم يعد البحر يستقبل فقط شباناً يحاولون العبور، بل ظهرت عائلات بأكملها، وآباء وأمهات يحملون أطفالهم، وحتى رضعاً، في مشاهد فتحت نقاشاً حول ما الذي يدفع أسرة كاملة إلى المجازفة بما تملك من أجل الضفة الأخرى.

ومن بين أكثر الصور التي علقت في ذهني، صورة شاب يحمل والدته على ظهره وهو يحاول الوصول بها إلى سبتة، وكأن الرحلة لم تعد قرار فرد، بل قرار عائلة بأكملها. لكن وسط كل تلك المشاهد، توقفت طويلاً عند صورة مختلفة؛ صورة فرح، بطلة السباحة التي وصلت إلى سبتة رافعة شارة النصر.


         


        

لم يكن ما شدني أنها اجتازت البحر، فذلك البحر عرف قبلها آلاف محاولات العبور، وسيظل يعرف غيرها، لكن ما شدني هو أن الصورة أصبحت مرآة أسقط عليها كل طرف قراءته الخاصة.

ومن بين تلك القراءات، استوقفتني تدوينة الحقوقية بشرى عبدو، التي رأت في شارة النصر صرخة احتجاج صامتة، وكأنها تقول إن النجاح في الوصول إلى الضفة الأخرى يكشف فشلاً في توفير شروط العيش الكريم داخل الوطن، مؤكدةً أن النجاة الحقيقية لا ينبغي أن تتحقق بالفرار، بل بانتزاع الحق في حياة كريمة.

وفي الاتجاه نفسه، ولكن من زاوية مختلفة قرأت ما كتبته الناشطة السياسية كبيرة شاطر، التي رأت في ابتسامة فرح تعبيراً عن تمرد جيل كامل خاصةً الفتيات، على واقع يضيق أحلامهن وعلى خطاب لا يزال يختزل مستقبل الكثير من النساء في الزواج، بينما أصبحن يطالبن بحقهن في الدراسة والعمل والاستقلال وصناعة خياراتهن بأنفسهن.

في هاتين التدوينتين، لم أكن أبحث عن تفسير لابتسامة فرح، بل عن تفسير للنقاش الذي ولدته تلك الابتسامة، فالصور لا تقول كل شيء، ولا أحد يستطيع أن يتحدث باسم امرأة لا نعرف روايتها الكاملة، لكنها في المقابل، تكشف الكثير عن المجتمع الذي ينظر إليها وعن الأسئلة التي تشغلها. وربما لهذا السبب لم تتوقف ذاكرتي عند صورة فرح وحدها، بل قادتني إلى صور أخرى بقيت عالقة في ذهني منذ سنوات من التغطية الصحافية.

ففي أحيان كثيرة، لا تصبح الصورة مجرد توثيق للحظة، بل تتحول إلى مرآة تختزل أسئلة مجتمع بأكمله، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، فخلال احتجاجات جيل Z، انتشرت صورة امرأة تشد شاباً من بين أيدي عناصر الأمن وهي تحتج على اعتقاله.

يومها أيضاً، تجاوزت الصورة حدود لحظتها، ولم تعد مجرد مشهد في احتجاج، بل أصبحت تعبيراً عن خوف الأمهات، وعن تضامن النساء، وعن شعور جيل كامل بأن مستقبله أصبح محل صراع. ولم تكن تلك الصورة الوحيدة التي بقيت عالقة في الذاكرة، فقد أعادتني أيضاً إلى نساء فكيك، اللواتي يواصلن الاحتجاج دفاعاً عن الحق في الماء، في مشهد أكد أن النساء لا يقفن على هامش التحولات التي تعيشها مجتمعاتهن، بل في قلبها.

ما جمع بين تلك النساء لم يكن الحلم بالرحيل، بل الحلم بفرصة، واعتراف، وكرامة، ومكان يسمح للأحلام بأن تكبر، ولهذا لم تبد لي صورة فرح قطيعة مع تلك القصص، بل امتدادا لها.

ولعل هذا ما تكشفه صورة فرح أيضا، فالنساء في المغرب، كما في بلدان أخرى من جنوب المتوسط، أصبحن أكثر حضوراً في التحولات التي تعيشها مجتمعاتهن، في سوق العمل، وفي الاحتجاج، وفي الرياضة، وفي الفضاء العام، وحتى في قصص الهجرة، لم يعد الرحيل يحمل وجه الشاب وحده، بل أصبح يحمل أيضاً ملامح امرأة.

وفي الوقت الذي كانت فيه صورة فرح تثير كل هذا النقاش، كانت الأخبار تتحدث عن وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة، من المغرب ومن بلدان افريقية مختلفة وعن نقاشات حول إعادتهم، بدت المفارقة لافتة، فبينما كان البعض يقرأ الصورة بوصفها لحظة انتصار، كانت الوقائع تذكر بأن الوصول إلى الضفة الأخرى ليس نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة أخرى تحكمها الحدود والقوانين والسياسات.


         


        

وربما هنا تكمن أهمية صورة فرح، لأنها لا تقدم أجوبة بقدر ما تثير الأسئلة وكان السؤال الذي تركته مفتوحاً أمامي هو: ماذا يعني أن تصبح الهجرة، بالنسبة إلى بعض النساء كما الرجال، احتمالاً مطروحاً عندما تضيق مساحات الحلم داخل أوطانهم؟.

وهذا سؤال لا يخص المغرب وحده، فمن يتابع ما يجري في غرب المتوسط يدرك أن البحر لم يعد يروي قصة المغاربة وحدهم، بل أيضا قصة التونسيين والجزائريين والليبيين، وقبلهم وبعدهم آلاف المهاجرين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، تختلف اللغات والجنسيات، لكن تتشابه الأسئلة التي يحملها العابرون وهم يبحثون عن أفق يعتقدون أنه أكثر اتساعاً.

وربما لهذا بقيت صورة فرح عالقة في ذهني، ليس لأنها بطلة سباحة اجتازت أمواج البحر، ولا لأنها أثارت جدلاً واسعاً، بل لأنها ذكرتني بأن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً بخطابات سياسية أو بأرقام رسمية، بل أحياناً بصورة واحدة تكشف ما يختبئ خلفها من أسئلة أكبر من أصحابها، فصورة فرح، في النهاية لا تتعلق بفتاة عبرت البحر فحسب، بل بمجتمع يبحث عن الكيفية التي تجعل شاباته وشبابه يرون مستقبلهم ممكناً داخل أوطانهم، قبل أن يشعروا بأن الضفة الأخرى هي الأفق الوحيد المتاح.