'حماية حقوق النساء تبدأ من الوعي ولا تتحقق دون إرادة سياسية حقيقية'

أكدت مديرة أكاديمية المرأة القيادية في العراق بسمة محمد، أن الطريق نحو العدالة والمساواة لا يزال طويلاً رغم الجهود المبذولة، وأن الانتهاكات اليومية، وضعف المشاركة السياسية للنساء، وغياب تفعيل القوانين، كلها عوامل تجعل النضال من أجل الحقوق ضرورة ملحّة.

هيفي صلاح

السليمانية ـ رغم وجود القوانين، إلا أن غياب تفعيلها إلى جانب التحديات الاقتصادية، يجعل الطريق نحو حماية حقوق النساء مليئاً بالعقبات.

على مدى السنوات الأخيرة، تصدر ملف حقوق الإنسان وحماية حقوق النساء دائرة الاهتمام محلياً ودولياً، خصوصاً في الدول التي لا تزال تواجه تحديات قانونية واجتماعية، هذا الواقع يفرض ضرورة اتخاذ خطوات أكثر جدية وفاعلية في تطبيق القوانين، إذ ما تزال النساء يواجهن أشكالاً متعددة من العنف والعقبات في حياتهن اليومية.

وفي هذا السياق أوضحت مديرة أكاديمية المرأة القيادية في العراق بسمة محمد، أن حقوق الإنسان تشكل ركناً أساسياً لا غنى عنه لأي فرد كي يعيش بسلام وكرامة داخل مجتمعه، ولأن هذه الحقوق تمثل قاعدة جوهرية، تبذل المنظمات المحلية والدولية جهوداً كبيرة لضمان صون كرامة الإنسان وتأمين حقوقه الأساسية "مع ذلك، ما زلنا نشهد؛ ليس في إقليم كردستان فحسب، بل في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، انتهاكات يومية ومتنوعة لحقوق الإنسان، وتبرز من بينها جرائم قتل النساء وحرمانهن من حقوقهن، إضافة إلى ضعف حضور المرأة في الحياة السياسية، حيث لا تمتلك النساء في مواقع السلطة دوراً فعلياً في ممارسة حقوقهن داخل مؤسسات الدولة".

وترى أن النساء لم يتمكن بعد من انتزاع الحقوق التي يناضلن من أجلها، رغم أن جزءاً مهماً من العمل قد أُنجز بالفعل، وما تحقق ليس قليلاً، ومع ذلك، يبقى الطريق طويلاً، وما زال هناك الكثير مما يجب القيام به حتى تنال النساء حقوقهن كاملة وبشكل عادل.


"النضال من أجل انتزاع الحقوق ضرورة لا يمكن تجاوزها" 

ولفتت إلى أنه رغم وجود مجموعة من القوانين الجيدة، إلا أنها غير مفعلة بالشكل المطلوب، وهو ما يشكل إحدى أبرز المشكلات، مشيرةً إلى أنه من المهم أن تعرف النساء أي القوانين غائبة أو غير مطبقة لكي يوجهن جهودهن نحوها، ولا شك أن هذا يتطلب نضالاً مستمراً إلى أن تفعل تلك القوانين وتطبق فعلياً.

وأضافت "لا يتحقق هذا الهدف عبر وعي النساء وحده، بل يحتاج أيضاً إلى تنسيق جاد بين السلطات والبرلمان والمنظمات، لضمان حماية الحقوق وتفعيلها، صحيح أن على النساء السعي لانتزاع حقوقهن، لكن ذلك لن يكتمل دون وجود إرادة سياسية حقيقية تعمل بجد لصالح قضايا المرأة، كما يجب أن تكون حقوق النساء جزءاً أساسياً من أولويات، وأن تعمل المنظمات بفاعلية لضمان تحقيق هذه الحقوق على أرض الواقع".


"لا يزال المجتمع حتى اليوم يفتقر إلى الثقة بعمل المنظمات" 

وأوضحت بسمة محمد، أن سؤالاً يتكرر دائماً "ماذا حققتم كمنظمات في مجال حماية حقوق النساء؟"، مشيرةً إلى أن الإجابة ليست بسيطة، لأنها تحمل جانبين، فمن جهة، تواجه المنظمات عقبات عديدة، من أبرزها التحديات المالية التي ازدادت في السنوات الأخيرة، سواء في كردستان أو العراق أو حتى على مستوى العالم، حيث أثّرت الأزمات الاقتصادية بشكل مباشر على قدرة المنظمات على تنفيذ نشاطاتها كما ينبغي.

وتضيف أن أحد التحديات الأساسية يتمثل في ضعف ثقة المجتمع بعمل المنظمات، بل يمكن القول إن نسبة القبول لا تصل إلى المستوى المطلوب، وهذه كلها صعوبات تواجهها المنظمات بشكل مستمر، ومع ذلك، تؤكد بسمة محند أنهن بوصفهن جزءاً صغيراً من هذا القطاع، بذلن جهوداً حقيقية في مجال حقوق المرأة، إلا أن ما تحقق ما زال دون مستوى الطموح، وما زال الطريق طويلاً للوصول إلى النتائج المرجوّة.


"التغيير الحقيقي يبدأ من الفكر"

وأوضحت أن أي تغيير فعلي لا يمكن أن يتحقق ما لم يسبقه تغيير في طريقة التفكير، فالعقل هو نقطة البداية لكل تحول، وما جرى للنساء في البصرة وبعض المناطق الأخرى ليلة رأس السنة مثال واضح على مستوى الوعي السائد في المجتمع "بدلاً من إدانة المعتدي، رأينا بعض وسائل الإعلام تلقي اللوم على النساء لمجرد خروجهن في تلك الليلة، وهو أمر مؤسف يعكس استمرار ثقافة لوم الضحية بدلاً من محاسبة الجاني".

وأشارت إلى أن العمل الفكري هو الأصعب، لأنه في جوهره عملية تربوية طويلة تبدأ من داخل الأسرة وتمتد إلى المدرسة، ولهذا من الضروري أن يكون العاملون في هذا المجال أشخاصاً مؤهلين وواعين بطبيعة هذا العمل "للأسف، ما زالت بعض الموضوعات المهمة مثل حقوق الإنسان لا تدرس بالشكل الصحيح أو على يد مختصين، مما يحد من قدرة الطلاب على فهمها واستيعابها".

وترى أنه لا يمكن الجزم بنجاح تدريس مادة الحقوق في المدارس أو فشله دون بيانات دقيقة، لكن من خلال الملاحظة العامة يتضح أن هذا الموضوع ما زال مهمشاً ولا يحظى بالاهتمام الكافي "في الوقت الذي تمنح فيه مواد مثل العلوم والرياضيات أولوية كبيرة، ينبغي أن يحظى موضوع حقوق الإنسان بالقدر نفسه من الاهتمام، لأنه لا يقل أهمية عنها. ومن هنا يمكن القول إن تدريس مادة الحقوق في المدارس ما زال دون المستوى المطلوب".


إعلاميون يفتقرون إلى المعرفة الأساسية بحقوق الإنسان

ونوهت بسمة محمد إلى أن منظمتهم ركزت في بدايات عملها على قضايا النساء فقط، لكن مع توسع نشاطهم في مجال حقوق الإنسان لم يعد هناك فصل بين الرجل والمرأة، فالجميع في النهاية بشر يعيشون ويتفاعلون ويعملون معاً، كما أن الأب والأم يشتركان في تربية الأبناء، ومن هنا، تؤكد ضرورة تجاوز النظرة التي تفرق بين الجنسين.

وأوضحت أن بعض المواقف اليومية تكشف عن ذهنية تحتاج إلى تصحيح، فحتى عند وقوع حادث سير يقال إن "السائقة امرأة"، وكأن الرجال لا يرتكبون الأخطاء أو لا يتعرضون للحوادث، وهو خطاب يعكس تحيزاً واضحاً.

وشددت على الدور المحوري للإعلام، مؤكدة أن العاملين فيه بحاجة إلى تدريب متخصص في حقوق الإنسان وحقوق النساء والأطفال، فالأخطاء الإعلامية التي نراها يومياً قد تكون خطيرة، وقد تتسبب أحياناً في مشكلات اجتماعية وأسرية، لأن بعض الإعلاميين يفتقرون إلى الوعي الكافي بهذه القضايا، ولهذا من الضروري أن يستخدم الإعلامي لغة مهنية دقيقة، وأن يعرف كيف ينقل الخبر بما يتناسب مع طبيعة الحدث وسياقه.