حجز قانوني يستهدف اتحاد المرأة في تونس ومخاوف حول مصير المنظمة
أثار تنفيذ الحجز القانوني "العُقلة" على مكتب رئيسة اتحاد المرأة راضية الجربي وقاعة اجتماعاته، تنفيذاً لحكم قضائي، موجة من ردود الفعل والمخاوف حول مستقبل المنظمة النسائية الأعرق في البلاد.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ أكدت رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية راضية الجربي، أن قرار الحجز القانوني "العُقلة" الذي استهدف المقر الرئيسي، يعكس استهدافاً ممنهجاً يسعى لتشتيت وتهميش المنظمة النسائية، والنيل من مكاسب المرأة وطمس تاريخها النضالي.
تلقت رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية راضية الجربي، ومجموعة من الناشطات في المجتمع المدني، والإعلاميات، والنساء بمختلف توجهاتهن أمس الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر، بصدمة كبيرة قرار "العقلة" (الحجز القانوني) الذي استهدف مقر الاتحاد وقاعة اجتماعاته.
ولم تتوقف تداعيات القرار عند البعد الرمزي للمنظمة، بل تضاعفت الصدمة والمعاناة لدى الموظفين والموظفات، الذين يعملون بلا أجور منذ سنتين، ويعيشون في ترقب مستمر لتسوية أوضاعهم المادية الصعبة، وتتفاقم أزمتهم الإنسانية في ظل معاناة بعضهم من أمراض، فضلاً عن تهديد إحداهن بـ "العُقلة" على منزلها (الحجز عليه) نتيجة عجزها عن سداد أقساط القروض المتخلدة بذمتها.
محاولات ممنهجة
وخلال اتصال هاتفي أجرته وكالتنا مع راضية الجربي، قالت إن العُقلة شملت آخر ما تبقى للمنظمة؛ وهو مكتبها وقاعة الاجتماعات "أن هذا الإجراء يأتي تنفيذاً لحكم صادر عن المحكمة الابتدائية بقفصة منذ 14 عاماً، أي قبل توليها رئاسة الاتحاد، ويتعلق بمستحقات مالية قديمة تعود للفترة الممتدة من 1987 إلى 2012".
وأشارت إلى أن المنظمة واجهت محاولات ممنهجة لضرب الاتحاد وتشتيته والقضاء عليه بعد الثورة خلال فترة حكم الإسلاميين، حيث تم اعتماد سياسة الأجور المتدنية لإغراق المنظمة، وهو ما دفع الاتحاد حينها لمطالبة الحكومة بتكفل أجور الموظفين باعتبارها الجهة المعنية وليس الاتحاد.
كما انتقدت التوقيت والخلفية وراء هذه القضايا، مؤكدة أن هناك موظفات لم يطالبن بحقوقهن طوال عهد بن علي، لكنهن رفعن قضايا بعد الثورة للمطالبة بمستحقات تعود إلى الفترات الممتدة من 1980 إلى 1987 وحتى عام 1979، أي قبل صدور قانون الضمان الاجتماعي نفسه.
"هناك تكتيكاً قضائياً مدروساً يُعتمد ضد المنظمة"
واعتبرت أن هناك تكتيكاً قضائياً مدروساً يُعتمد ضد المنظمة؛ يتمثل في إصدار أحكام قضائية في ولايات داخلية أخرى دون علم إدارة الاتحاد (مثل ولايتي قفصة وقابس)، ثم يتم التوجه لتنفيذ هذه الأحكام فجأة في العاصمة تونس مما وضع المنظمة أمام أمر واقع ومعقد.
وأكدت أن مقرات الاتحاد المركزي وسياراته تعرضت للمصادرة والاستيلاء، وآخرها إغلاق المكتب وقاعة الاجتماعات، مما سيجبرهم على مواصلة العمل أرضاً، لافتةً الانتباه إلى غياب دعم الدولة ووزارة المرأة في الوقت الذي يحاول فيه الاتحاد مساعدة موظفيه لتجاوز الأزمة، حيث يتلقى بدلاً من ذلك ضربات متتالية.
كما أوضحت راضية الجربي أن المشاكل المادية الحالية ناتجة عن موقف سياسي لحكومات ما بعد الثورة التي أغرقت الاتحاد في الديون وتركته يواجه مصيره بمفرده، ونتيجة لذلك ستعقد اللجنة المركزية اجتماعاً اليوم الجمعة لبحث هذا الوضع الحرج واتخاذ القرارات المناسبة.
استياء كبير
وأثارت العقلة التي تم تنفيذها على الاتحاد استياء كبيراً من قبل الناشطين والاعلاميين وموجة من التضامن والمساندة لهذه المنظمة العريقة. وكتبت الصحفية منى بن قمرة "اعتبار الاتحاد الوطني للمرأة التونسية مجرد هيكل قابل للإلغاء أو التهميش، هو محاولة لمحو صفحة من تاريخ تونس، وتجاهل عقود من النضال النسوي الذي رافق بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال، كيف يمكن استهداف معلم تاريخي ونضالي بهذا القدر من الوقاحة والسماجة؟ كيف يمكن ممارسة كل هذا الضغط والمضايقة على مؤسسة تحمل جزءاً من ذاكرة النساء التونسيات، وعلى موظفاتها ومناضلاتها اللواتي يواصلن العمل في ظروف لا تليق بتاريخ هذا الصرح؟ إن من يستهدف نضالات النساء، ويحاول النيل من مؤسساتهن ومكاسبهن لا يعادي الاتحاد وحده، بل يعادي حق المرأة في النجاح، وفي الاعتراف بتاريخها، وفي مواصلة معركتها من أجل الكرامة والمساواة".
وأكدت على استمرارها في مساندة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية "سأقف إلى جانب كل موظفاته ومناضلاته اللواتي يتعرضن للمضايقات اليومية، فالمؤسسات لا تُختزل في أشخاص والتاريخ لا يُمحى بقرار والنضال لا يُلغى بحملات الضغط والترهيب، ولكل من يظن أن هذا الكلام موجه إليه: تونس التي نعتز بها بُنيت أيضاً بنضالات نسائها ونجاحاتهنّ وتضحياتهن، لا يمكن إلغاء تاريخهن، ولا مصادرة حاضرهن، ولا إقصاؤهن من معركة المستقبل، تونس ليست ملكاً لمن يريد إعادة كتابة تاريخها على مقاسه ونساء تونس لسن عابرات في هذا التاريخ، بل هن من صانعاته، كل الدعم لموظفات الاتحاد الوطني للمرأة التونسية والمناضلات التونسيات".