غزة... جلسة حوارية تناقش حضور الصحفيات في السياسات الإعلامية

سلطت الجلسة الحوارية التي نظمها مركز التنمية والإعلام المجتمعي في غزة الضوء على واقع مشاركة الصحفيات في صياغة السياسات الإعلامية، واستعرضت تحديات حضورهن في مواقع القيادة وفرص تعزيز دورهن في صناعة القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

نغم كراجة

غزة ـ أكدت صحفيات وإعلاميات مشاركات في الجلسة الحوارية أن تعزيز حضور المرأة في المؤسسات الإعلامية لم يعد يقتصر على مشاركتها في التغطيات الميدانية، بل بات مرتبطاً بتمكينها من الإسهام الفعلي في رسم السياسات التحريرية وصناعة القرار.

عُقدت في مدينة غزة اليوم الأربعاء 22 تموز/يوليو، جلسة حوارية نظمها مركز التنمية والإعلام المجتمعي (CDMC) بعنوان "تعزيز مشاركة الصحفيات في النقاشات والسياسات الإعلامية"، ضمن مشروع "الأصوات الحرة: صحافة مراعية للنوع الاجتماعي وبناء الثقة في الإعلام في قطاع غزة" بالشراكة مع WACC.

وشارك في الجلسة مجموعة من الصحفيات والإعلاميات، حيث ناقشن واقع حضور النساء في صياغة السياسات الإعلامية، واستعرضن أبرز التحديات التي تعيق مشاركتهن، إلى جانب الفرص التي يمكن أن تدعم دورهن في دوائر صنع القرار.

وافتتح المركز الجلسة بالتأكيد على أهمية فتح مساحة حوارية تتيح للصحفيات التعبير عن تجاربهن المهنية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، وما فرضته الحرب من تحديات مضاعفة على العمل الإعلامي، ولا سيما بالنسبة للنساء العاملات في الميدان.

وأدارت الجلسة الصحفية ريهام أبو حسنين، التي فتحت باب النقاش أمام المشاركات لاستعراض تجاربهن الشخصية والمهنية، وما واجهنه من تحديات إنسانية ومهنية خلال الحرب، إلى جانب العقبات المرتبطة بالنوع الاجتماعي، والتي لا تزال تحد من وصول النساء إلى مواقع التأثير وصناعة القرار داخل العديد من المؤسسات الإعلامية.

 

المرأة الصحفية أثبتت كفاءتها في الميدان

وخلال الجلسة، أكدت الإعلامية منى بكر في لقاء خاص مع وكالتنا أن الصحفية الفلسطينية أثبتت حضورها في أصعب الظروف، وأن الوقت قد حان للانتقال من الاعتراف بقدرتها على التغطية الميدانية إلى الاعتراف بحقها في قيادة المؤسسات الإعلامية "لقد أثبتت المرأة الصحفية كفاءتها في الميدان ومن الطبيعي أن يمتد هذا النجاح إلى مشاركتها في صياغة الخطط الاستراتيجية للمؤسسات الإعلامية، وصنع السياسات التحريرية والمعايير المهنية والأخلاقية، إننا بحاجة إلى رؤية المزيد من النساء في مواقع رئيسات التحرير، ومديرات المؤسسات الإعلامية، وصانعات القرار".

وأضافت أن تمكين الصحفيات ينبغي ألا يقتصر على تناول قضايا المرأة التقليدية، بل يجب أن يمتد إلى إشراكهن في الملفات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، باعتبارهن شريكات كاملات في صناعة المشهد الإعلامي.

 

محاولات تهميش

من جهتها، استعرضت الصحفية حنان الريفي تجارب عكست استمرار هيمنة بعض العقليات التقليدية داخل المؤسسات والاتحادات الإعلامية، مؤكدة أن النساء كثيراً ما يُستدعَين لدعم قرارات سبق أن اتخذها الرجال، دون أن يكن شريكات حقيقيات في صناعتها "واجهت الصحفيات في أكثر من مناسبة محاولات لتهميش حضورهن في الهيئات النقابية والإعلامية، بل وصل الأمر إلى ممارسة ضغوط على بعضهن لثنيهن عن الترشح للمواقع القيادية، ومع ذلك، أثبتت التجارب أن التضامن بين الصحفيات قادر على فرض التغيير وانتزاع الحقوق".

وأشارت إلى أن الصحفيات نجحن، من خلال العمل الجماعي والمناصرة في الدفاع عن حق المرأة في التمثيل داخل بعض الاتحادات الإعلامية، رغم محاولات الالتفاف على هذا الحق أو حصر النساء في لجان هامشية لا تمتلك تأثيراً فعلياً في صناعة القرار.

بدورها، قدمت الصحفية نسرين راضي شهادة عكست التباين الواضح بين سياسات المؤسسات الإعلامية تجاه النساء، موضحةً أنها تعرضت سابقاً للرفض من إحدى المؤسسات لمجرد كونها صحفية ترغب في العمل الميداني "أُبلغت صراحة بأن المؤسسة لا توظف صحفيات للعمل الميداني، ليس لاعتبارات مهنية، وإنما لأنها سياسة داخلية لكن تجربتي الحالية أثبتت العكس؛ فقد منحتني مؤسستي الثقة الكاملة، وشاركت في التغطيات الميدانية طوال الحرب، وأثبتت أن الكفاءة وحدها هي المعيار الحقيقي".

وأشارت إلى أن الصحفية الفلسطينية لم تغب عن الميدان رغم المخاطر، "وكانت الشهيدة والجريحة والأسيرة، واستمرت في أداء رسالتها الإعلامية"، مؤكدة أن المرأة تمتلك في كثير من الأحيان قدرة أكبر على الوصول إلى قصص إنسانية يصعب على الصحفي الرجل الوصول إليها، خاصة في البيئات المحافظة.

 

"قدرة النساء على تطوير الأداء"

أما الإعلامية مي أبو حسنين، فقد استعرضت تجربتها في التأثير المباشر على السياسات التحريرية داخل إحدى المؤسسات الإعلامية، مشيرة إلى أن تحقيق هذا التأثير لم يكن سهلًا، بل جاء بعد سنوات من الإصرار والدفاع عن الأفكار المهنية "في بدايات عملي كانت السياسات التحريرية تنفذ دون مشاركة حقيقية من الصحفيات لكنني اقترحت اعتماد جلسات مراجعة تحريرية دورية، ورغم رفض الفكرة في البداية، أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من الخطة البرامجية للمؤسسة، كما نجحت في تغيير سياسة كانت تمنع نشر أسماء الصحفيين على المواد الصحفية حتى أصبح من حق كل صحفي أن يُنسب عمله إليه".

وأكدت أن هذه التجارب تثبت قدرة النساء على تطوير الأداء المؤسسي متى أُتيحت لهن الفرصة للمشاركة في التخطيط وصنع القرار.

 

التحديات

وشهدت الجلسة نقاشاً موسعاً حول أبرز العقبات التي ما تزال تواجه الصحفيات، وفي مقدمتها صعوبة الوصول إلى أماكن التغطية خلال الحرب، ومحدودية الحركة، وانقطاع وسائل الاتصال، وصعوبة إرسال المواد الصحفية، إلى جانب استمرار بعض السياسات المؤسسية التي تمنح مقترحات الرجال أولوية على الأفكار التي تقدمها الصحفيات.

كما سلطت المشاركات الضوء على الدور المحوري الذي اضطلعت به الصحفيات في توثيق الانتهاكات والقضايا المرتبطة بالنساء، والحفاظ على خصوصيتهن وكرامتهن الإنسانية، وإيصال أصواتهن إلى المؤسسات المحلية والدولية، بما يعزز إنتاج محتوى إعلامي أكثر حساسية تجاه النوع الاجتماعي وأكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمع، واستعرضنّ إحدى المشاركات تجربتها في إعداد خطة استراتيجية متكاملة لإحدى المؤسسات الإعلامية، تضمنت تطوير السياسات التحريرية، وإعداد استراتيجية للإنتاج الإعلامي.

وفي ختام الجلسة، خلصت المشاركات إلى أن المرأة الفلسطينية لم تعد بحاجة إلى إثبات كفاءتها المهنية، بعدما أثبتتها في أصعب ظروف الحرب، وإنما أصبحت بحاجة إلى سياسات مؤسسية تضمن حقها في المشاركة المتكافئة في مواقع القيادة، وإدارة المؤسسات الإعلامية، وصناعة السياسات التي ترسم مستقبل العمل الصحفي.

 

التوصيات والمخرجات

وأوصت الجلسة بضرورة ضمان تمثيل الصحفيات في مجالس الإدارة واللجان والهيئات الإعلامية، وتطوير سياسات مؤسسية قائمة على تكافؤ الفرص وعدم التمييز، وإدماج منظور النوع الاجتماعي في مختلف السياسات الإعلامية والتحريرية.

كما دعت إلى تصميم برامج متخصصة في القيادة والإدارة والتخطيط الاستراتيجي للصحفيات، وتعزيز برامج الإرشاد المهني، وتوسيع الشراكات بين المؤسسات الإعلامية ونقابة الصحفيين والجامعات، وإنشاء شبكات مهنية للصحفيات لتبادل الخبرات والدعم، وتشجيع إنتاج محتوى إعلامي يعزز المساواة بين الجنسين، إلى جانب فتح حوار مستدام مع أصحاب القرار بما يضمن توسيع مشاركة الصحفيات في رسم السياسات الإعلامية.

وأكد المشاركات أن النقابات والمؤسسات الإعلامية، رغم ما واجهته من تحديات وإمكانات محدودة خلال الحرب، بذلت جهوداً ملموسة في دعم الصحفيين والصحفيات والدفاع عن حقوقهم، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه الجهود، وتطوير آليات أكثر استدامة لحماية الصحفيات، وتعزيز حضورهن في مواقع القيادة، وتمكينهن من الإسهام الكامل في صناعة القرار الإعلامي.