بعد سنوات من الجفاف الأمطار في أفغانستان تتسبب بكوارث عديدة

مع مطلع العام الجديد في أفغانستان، وجدت البلاد نفسها أمام مشهد طبيعي متناقض؛ أمطار غزيرة وثلوج كثيفة بدت في البداية كأنها بشائر خير بعد سنوات من الجفاف، لكنها سرعان ما تحولت إلى سلسلة من الكوارث التي اجتاحت البلاد من أقصاها إلى أقصاها.

بهاران لهيب

كابول ـ بدأ عام 2026 في أفغانستان بمشهد طبيعي يبدو للوهلة الأولى مبشراً؛ أمطار غزيرة تهطل بلا توقف، وثلوج تتساقط على عدد من الولايات، في ظاهرة نادرة بعد سنوات من الجفاف القاسي.

أغلب الناس استقبلوا هذه الأمطار بفرح وامتنان، آملين أن تعيد الحياة إلى الأراضي العطشى، وأن تنقذ البلاد من أزمة مائية خانقة. لكن خلف هذا التفاؤل، كان المزارعون يعيشون قلقاً عميقاً؛ فالبرد القارس يهدد محاصيلهم، وقد يحول الحقول إلى مساحات متجمدة بلا إنتاج.

ومع مرور الأيام، تحول المطر من نعمة منتظرة إلى كارثة جديدة. فقد اجتاحت السيول معظم الولايات، مخلفة دماراً واسعاً، وأودت بحياة 61 شخصاً وأصابت أكثر من 200 آخرين. وفي بعض المناطق، انهارت أسقف المنازل فوق رؤوس ساكنيها، لتضيف فصولاً جديدة من الألم إلى حياة الأفغان.

وفي الثالث من نيسان/أبريل 2026، ضرب زلزال العاصمة كابول، فقتل 12 شخصاً، بينما لقيت طفلة في العاشرة من عمرها حتفها في ولاية لغمان إثر انهيار أرضي. كانت البلاد تعيش سلسلة متلاحقة من الكوارث، وكأن الطبيعة قررت أن تختبر قدرة الناس على الصمود مرة أخرى.

من بين القصص التي هزت الرأي العام، قصة عائلة كانت تعيش في مديرية بَغرامي، في منطقة كوسفنددره شرق كابول؛ عائلة فقدت جميع أفرادها التسعة في ليلة واحدة، بعدما انهار الجدار عليهم تحت وطأة الزلزال والأمطار. تحول منزلهم إلى كومة من الأنقاض، وبقيت قصتهم شاهداً على هشاشة الحياة في مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان.

كوسفنددره مثل كثير من مناطق أفغانستان، تقع بين جبال كابول. وعلى مدى عشرين عاماً، تحولت تدريجياً من منطقة ريفية إلى تجمع سكني متنامٍ. كانت مخصصة لمشاريع تنموية ضخمة، مجمعات سكنية للمعلمين والعائدين، مدن صناعية، مراكز تعليمية وخدمية.

لكن معظم هذه المشاريع تعثرت بسبب الفساد، وغياب الإدارة الفعالة، والسيطرة على الأراضي من قبل أصحاب النفوذ. ومن أبرزهم عضو البرلمان السابق "ملا تره‌ خيل"، الذي استولى على مساحات واسعة من أراضي كابل وباعها بأسعار باهظة، بل واستحوذ بالقوة على أراضٍ وزعتها الحكومة على موظفيها. وكانت كوسفنددره إحدى المناطق التي طالها هذا العبث.

 

 

عندما وصلنا إلى القرية، كانت الطرق ضيقة خالية من الحركة، سوى بضعة أطفال يسيرون بملابسهم التقليدية نحو المدرسة الدينية التي بُنيت قبل أن تتحول المنطقة إلى حي سكني. ورغم قرب القرية من العاصمة، إلا أنها تفتقر إلى عيادة أو مدرسة حكومية، ما يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه.

قادتنا نور ضيا كلنور، إحدى جارات العائلة المنكوبة، إلى موقع الحادث. كانت ترتجف وهي تتحدث، والخوف واضح في عينيها. توقفت عند باب المنزل المهدم وقالت بصوت خافت "لا أستطيع الدخول". ثم تابعت والدموع تنهمر "قبل ليلتين فقط، أخرجنا ثمانية جثث من هذا المكان، خمس منهن نساء. عندما انهار الجدار فوقهم بينما كانت الأمطار تهطل بغزارة، بدأت النساء بالصراخ. وبعد أن أخرجنا الجثث، جاءت سيارات وتم نقلها إلى المستشفى".

أسندت نور ضيا ظهرها إلى الجدار، وكأن المشاهد تعود لتنهش ذاكرتها. وبعد لحظات صمت، قالت "هذه العائلة كانت قد رُحلت من إيران قبل شهر فقط. جاءوا من ولاية تخار، ونصبوا خيمة داخل فناء لا يحتوي سوى أربعة جدران. عرضنا عليهم غرفة مجانية، لكنهم رفضوا. كانت خيمتهم ملاصقة للجدار، وعندما انهار، دفنهم جميعاً، كان هناك طفل واحد نجا، لكنه كان مصاباً بجروح خطيرة. لكنه توفي ليلة البارحة".

الجيران جميعهم أكدوا أن تلك الليلة كانت مرعبة. بعض الأطفال ما زالوا يرفضون الخروج من منازلهم، بعدما فقدوا أصدقاءهم الذين كانوا يلعبون معهم كل يوم. الخوف أصبح جزءاً من يومياتهم.

تأتي هذه المأساة في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من أفغانستان من نقص الخدمات الأساسية، وغياب البنى التحتية، وضعف إدارة الأزمات. ومع أن الناس يأملون أن تنقذهم الأمطار من الجفاف، إلا أن الكوارث المتتالية تكشف هشاشة الواقع، وتُبقي المخاوف قائمة من تكرار المآسي واستمرار الخسائر البشرية والمادية.