اعتقالات جماعية واعترافات قسرية تكشف عن تصعيد أمني جديد في إيران
على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في إيران، كشفت تقارير عن ارتفاع ملحوظ في وتيرة الاعتقالات والاختفاء القسري وانتزاع الاعترافات تحت الضغط، ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق القمع المنهجي وتعمّقه، بما يدل على دخول البلاد مرحلة أكثر صرامة.
مركز الأخبار ـ مع تزايد القيود على الحريات العامة، تشهد إيران موجة جديدة من الإجراءات القضائية التي تطال بشكل خاص الناشطات والمعتقلات المفرج عنهن، وذلك تزامناً مع تشديد الرقابة وتنامي الضغوط على الأصوات المنتقدة.
في الأسابيع الأخيرة وبالتزامن مع ظروف الحرب واستمرار القيود الواسعة، سُجّلت موجة جديدة من الاعتقالات في مدن متعددة داخل إيران وشرق كردستان مثل أرميه، سقز، سنه، بوكان، بانه، مهاباد، إيلام، وكرماشان، إضافة إلى مدن أخرى كطهران، شيراز، مشهد، كرمان، تبريز، يزد، أصفهان، الأهواز، دورود، قم، أستارا، أردبيل، ناتانز، سرباز، سيريك، ولورستان.
وقد جاءت هذه الاعتقالات غالباً مرفقة باتهامات عامة كـ "التعاون مع العدو"، "التجسس"، "إثارة الرأي العام"، و"الثورة المضادة"، وفي الكثير من الحالات جرت من دون تقديم وثائق أو أدلة واضحة.
وطالت هذه الحملة نسبة كبيرة من المعتقلات، من محاميات وناشطات مدنيات إلى طالبات ومواطنات عاديات، إضافة إلى نساء من الأقليات الدينية، ما يشير إلى نمط واضح من الضغط والقمع الموجه ضدهن، ومن بين الأسماء التي تم الإبلاغ عن اعتقالها، نسرين ستوده، باران أوميديان، درسا أيازي، شيدا شيخي، فريدة كتابي، مهري كريمي بور، محبوبة شعباني، زينب عزيزي، سارة سبهري، سيما إنباي فريماني، حديث حقيقي، مينو مهرباني، أنغا سيافاشي، مريم علي بور، أم البنين دهقان، بيتا همتي، وأزار ياهو، وتجمع العديد من هؤلاء النساء ظروف اعتقال متشابهة، أبرزها الاعتقال المفاجئ، الاحتجاز في أماكن مجهولة، والحرمان من الحقوق الأساسية، ما يعكس اتساع نطاق الإجراءات القمعية خلال هذه الفترة.
وبحسب التقارير، فقد تم اعتقال بعض هؤلاء النساء في ظروف تشير إلى استخدام العنف والترهيب، بما في ذلك اعتقال باران أوميديان، دورسا أيازي في مكان عام (بهشت زهرة) أو مداهمة منازل مواطنين مثل سارة سبهري، أنغا سيافوشي، إلى جانب تفتيش ومصادرة الممتلكات.
في حالات أخرى، ترافقت عمليات الاحتجاز مع فترات طويلة من انعدام الأمن، ولا تملك عائلات شيدا شيخي، فريدة كتابي، حديث حقيقي، سيما عنباي فاريماني أي معلومات عن وضع ذويهم، وهو وضع أثار مخاوف بشأن احتجازهم في مراكز الاحتجاز الأمنية واحتمال تعرضهم للضغط.
الضغط المزدوج على النساء
وردت تقارير عديدة عن ممارسة ضغوط لانتزاع اعترافات قسرية من النساء المحتجزات، وفي حالة باران أوميديان ودورسا أيازي، أفادت مصادر بممارسة ضغوط نفسية وجسدية أثناء الاستجواب، وفي بعض المناطق مثل قرية أبتشيجي في مقاطعة سرباز، وردت تقارير عن محاولات لانتزاع اعترافات من النساء والفتيات المحليات أثناء العمليات الأمنية، مما يشير إلى أن هذه الممارسة قد توسعت لتشمل ما هو أبعد من الاعتقالات الفردية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن بث الاعترافات القسرية لبعض المواطنين، بمن فيهم امرأة في قضية تتعلق بنشاط ابنها البالغ من العمر 13عاماً على الإنترنت، قد زاد من المخاوف بشأن الاستخدام المنهجي لهذه الأداة لخلق الترهيب.
أحكام قاسية وإعدامات
ومن بين النساء الموقوفات، تواجه بعضهن تهماً خطيرة وخطر أحكام قاسية، وتواجه محبوبة شعباني خطر الإعدام بتهمة "الحرب" كما أُثيرت مخاوف بشأن وضع نساء أخريات مسجونات من بينهن وريشه مرادي، بخشان عزيزي، شهناز طبري. وفي قضية أخرى حُكم على بيتا همتي بالإعدام وهو حكم يعكس إلى جانب أحكام مماثلة أخرى، اتجاهاً مقلقاً في المعاملة القضائية للمتظاهرين.
ولا تقتصر الضغوط على المعتقلين أنفسهم، بل تستهدف عائلاتهم أيضاً، ويُعد اعتقال مريم علي بور وأم البنين دهقان على خلفية قضية تتعلق بأحد أبنائهما الذين أُعدموا مثالاً على هذا التوجه، وتشير التقارير أيضاً إلى أن أم البنين دهقان تعاني من حالة صحية سيئة أثناء احتجازها.
وفي حالات أخرى، مثل قضية ياهو أزار، تم استخدام الأنشطة الافتراضية أو التعبير عن الرأي على الشبكات التواصل الافتراضي كأساس لتوجيه اتهامات خطيرة ضد النساء، كما وردت تقارير عن منع بعض السجينات من الحصول على الخدمات الطبية، بما في ذلك المخاوف بشأن حالة نسرين ستوده وسجينات أخريات بعد تعرض المنشأة الصحية في سجن إيفين للتلف.
كما أن العديد من النساء المعتقلات، بمن فيهن سيما إنباي فاريماني لا تزلن محتجزات في ظروف محفوفة بالمخاطر دون إمكانية الوصول إلى محامٍ أو اتصال منتظم مع عائلاتهن.
ولم تقتصر الاعتقالات على النساء بل طالت المئات من المواطنين في مدن مختلفة ولم يُكشف عن جنس العديد منهم، بما في ذلك اعتقال مجموعة من المواطنين في لورستان، قم، دورود، نطنز، خوزستان، قزوين، جيلان، مازندران هرمزجان، كما وردت تقارير عن اعتقال موظفين ومعلمين وطلاب ومواطنين عاديين.
من جهة أخرى، وردت تقارير عديدة عن بث اعترافات قسرية في طهران ومدن أخرى، ففي إحدى الحالات نُشر مقطع فيديو لمواطنين اثنين محتجزين في طهران يعترفان فيه بالتعاون مع قناة على تطبيق تلغرام، مع أن الظروف التي سُجلت فيها هذه الاعترافات لا تزال غامضة.
كما وردت تقارير عن التعذيب والتهديدات لانتزاع الاعترافات، بما في ذلك وضع مسدس في فم أحد المعتقلين وإعطاء صدمات كهربائية لمواطن بهائي، وفي الكثير من الحالات، تجهل العائلات وضع المحتجزين ومكان وجودهم، وقد وردت تقارير عن حالات اختفاء قسري في مدن مثل بوكان، بانه، سيريك، طهران.
بالإضافة إلى هذه المآسي، فإن إغلاق الإنترنت وقيود الاتصالات قد جعلت من الصعب أيضاً الإبلاغ عن هذه الحالات زادت من المخاوف بشأن حالة المحتجزين، في الوقت نفسه ازداد الضغط على رجال الدين المنتقدين وحتى وقت كتابة هذا التقرير، أعلن رجلان دين أنهما استُدعيا للمثول أمام المحكمة الخاصة برجال الدين.
موقف السلطة القضائية وردود الفعل الدولية
في الوقت نفسه، أعلن رئيس السلطة القضائية أن مؤسسته تعمل منذ بداية الحرب بـ"نهج حربي كامل" في التعامل مع ما وصفه بـ "الجواسيس والعناصر الخائنة"، مؤكداً أن القضايا المرتبطة بالتعاون مع الأعداء ستُعالج وفق قواعد خاصة بظروف الحرب، وليس وفق الإجراءات المعتادة في الأوقات العادية، مضيفاً أن هذا الأسلوب "يتوافق مع القانون" وأن الجهاز القضائي يعتبر نفسه ملزماً بتطبيقه.
كما جرى الإعلان عن تعديل آليات التعامل مع القضايا المرتبطة بوسائل الإعلام والجهات الأجنبية بما يتناسب مع "ظروف الحرب"، وعلى الصعيد الدولي أعربت وزارة الخارجية الفرنسية عن قلقها إزاء اعتقال نسرين ستوده، مطالبة بالإفراج الفوري عنها وعن بقية المعتقلين، كما أصدرت 86 منظمة ومؤسسة من منظمات المجتمع المدني بياناً مشتركاً دعت فيه إلى تحرك عالمي لوقف الإعدامات، والإفراج عن السجناء السياسيين، وضمان حرية الوصول إلى الإنترنت داخل إيران.
وتشير سلسلة من التقارير إلى أنه، بالتوازي مع الحرب وحتى خلال فترات وقف إطلاق النار، لم تتراجع وتيرة القمع، بل إن استخدام خطاب "ظروف الحرب" أدى إلى توسيع نطاق الاعتقالات، وتشديد الضغوط الأمنية، وفرض أحكام قاسية، وتقييد حقوق المواطنين، ولا سيما النساء، وهو اتجاه أثار قلقاً واسعاً داخل البلاد وخارجها.