الصحفيون في أفغانستان بين القمع والفقر وبيئة إعلامية على وشك الانهيار
تشهد أفغانستان في السنوات الأخيرة تدهوراً غير مسبوق في حرية الصحافة، إذ تصاعدت القيود الحكومية والضغوط الاقتصادية والقمع الأمني ضد وسائل الإعلام والصحفيين لاسيما بعد سيطرة حركة طالبان على السلطة.
بهاران لهيب
أفغانستان ـ تواجه المؤسسات الإعلامية والصحفيون في أفغانستان موجة متصاعدة من القيود والإجراءات القمعية التي حدت من قدرتهم على العمل المستقل، وترافق ذلك مع تضييق على حرية التعبير واعتقالات متكررة وإغلاق عدد من وسائل الإعلام.
في السنوات التي شهدت فيها أفغانستان تغيرات سياسية وأمنية عميقة، أصبحت وسائل الإعلام من أبرز ضحايا هذا الواقع، فقد أدت الضغوط المتزايدة، والقيود الهيكلية، والأزمة الاقتصادية إلى تضييق غير مسبوق على العمل الإعلامي المستقل، وفي الوقت نفسه يتعرض الصحفيون إلى جانب النساء ونشطاء المجتمع المدني لموجة من القمع وهو ما يتجلى بوضوح في ارتفاع حالات الاعتقال والاختفاء والقتل، إضافة إلى انتشار الرقابة الذاتية.
وقد اتخذ الوضع في أفغانستان، بسبب القمع والفقر المتزامنين أبعاداً أكثر خطورة، وواجه الصحفيون تحديات تتجاوز التهديدات الأمنية، ففي اليوم الوطني للصحفيين الأفغان، أفاد مركز الصحفيين في تقريره السنوي عن انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الصحفيين في البلاد.
وأشار إلى أنه في العام الماضي، سُجّلت 207 حالات انتهاك لحرية الإعلام والعنف ضد الصحفيين، من بينها حالتا وفاة وإصابة واحدة، وشملت هذه الحالات 183 تهديداً مباشراً، بينما أسفرت 21 حالة أخرى عن سجن صحفيين، مؤكداً أن انتهاكات حقوق الإنسان ضد وسائل الإعلام قد زادت بنسبة 20 % مقارنةً بعام 2026.
وأكد أنه في 18 ولاية منعت الحركة البث المباشر، وأُجبرت وسائل الإعلام على تحويل برامجها التلفزيونية إلى إذاعية أو الإغلاق التام، ووفقاً للصحفيين ووسائل الإعلام التابعة لحكومة طالبان، فقد تحولت العديد من وسائل الإعلام إلى أدوات دعائية للحركة.
واحتلّت أفغانستان، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" عام 2015 المرتبة 176 من أصل 180 دولة من حيث خطورة البيئة الإعلامية، حيث أشار التقرير إلى مقتل ثلاثة صحفيين أفغان خلال العام السابق، وتسجيل 25 حالة اعتقال أو احتجاز لصحفيين.
وفي تقرير آخر، ذكر مكتب الأمم المتحدة، أنّ حركة طالبان، منذ تولّيها السلطة قامت باعتقال نحو 250 صحفياً، مؤكداً أن الصحفيات تعرّضن لأشكال من العنف بدرجة أكبر مقارنة بزملائهن الرجال.
وعقب وصول حركة طالبان إلى السلطة، قامت بإلغاء قانون الإعلام وأصدرت 24 توجيهاً جديداً لتنظيم العمل الإعلامي وشملت هذه التوجيهات قرارات صارمة، من أبرزها حظر عمل النساء في وسائل الإعلام الحكومية بما في ذلك الإذاعة والتلفزيون الوطنيان، منع التغطية الإعلامية للمظاهرات والاحتجاجات المدنية.
إلى جانب القرارات السابقة، فرضت حركة طالبان قيوداً واسعة على الوصول إلى المعلومات ونشر الأخبار وإنتاج المحتوى الإعلامي، كما أعلن رئيس مركز معلومات طالبان عن 11 لائحة إضافية موجهة للمؤسسات الإعلامية، تضمنت أبرزها منع نشر أي مواد تتعارض مع مبادئ الإسلام، حظر الإساءة إلى الشخصيات الوطنية في أي نشاط إعلامي، عدم انتهاك الخصوصية إلى الشخصيات الوطنية في أي نشاط إعلامي، إضافة إلى عدم انتهاك الخصوصية الوطنية أو الخصوصية الشخصية في المحتوى المنشور.
وأكدت التوجيهات الصادرة على مجموعة من الضوابط التي يتعيّن على وسائل الإعلام والصحفيين الالتزام بها، من بينها عدم تحريف المحتوى الإخباري أو تغيير مضمونه عند النشر، التقيد بالمبادئ المهنية للصحافة في إعداد المواد الإعلامية وكتابتها، الالتزام بالتوازن في التغطيات الإعلامية والمواد المنشورة، التعامل بحذر مع المعلومات غير المؤكدة أو التي لم تُثبت صحتها من قبل الجهات الرسمية، إضافة إلى توخي الحذر عند نشر القضايا الحساسة التي تؤثر سلباً على الرأي العام أو تضعف معنويات المواطنين، والحفاظ على الحياد والالتزام بنشر الحقائق دون انحياز، إلى جانب تعزيز التعاون بين وسائل الإعلام والمركز الإعلامي الحكومي الذي تعهّد بتوفير التسهيلات اللازمة لعمليات التغطية الإعلامية.
وواصلت حركة طالبان، منذ تولّيها السلطة إصدار سلسلة من القرارات التي فرضت قيوداً واسعة على عمل وسائل الإعلام والصحفيين في مختلف الولايات الأفغانية، وشملت هذه الإجراءات تزويد المؤسسات الإعلامية بنموذج إلزامي لإعداد التقارير، إلى جانب فرض تعليمات جديدة تلزم الصحفيين ووسائل الإعلام بتقديم طالبان بوصفها حكومة أفغانستان.
كما أعلنت الحركة حظر نشر الموسيقى في وسائل الإعلام وأصدرت قراراً يقضى بمنع ظهور النساء في المسلسلات التلفزيونية، إضافة إلى حظر بث الأفلام والمسلسلات، وإلزام النساء العاملات في الإعلام بتغطية وجوههن.
وتضمّنت اللوائح المرافقة لهذه القرارات منع عرض الأفلام المخالفة للقيم الثقافية الإسلامية والأفغانية، حظر بث الأفلام المحلية والأجنبية التي تعد مضرة بالأخلاق والمعايير الاجتماعية، منع البرامج الترفيهية أو تلك التي تُعتبر مسيئة للشخصيات العامة، وتجنب المحتوى الذي ينتهك المعايير الدينية أو الكرامة الإنسانية، إضافة إلى الامتناع عن نشر أي مواد تُظهر الأعضاء التناسلية للرجال، إلزام النساء بارتداء الحجاب الإسلامي عند الظهور على الشاشة، وحظر بث البرامج التي تشارك فيها نساء، إلى جانب منع بث المسلسلات التي يؤدي فيها الممثلون أدوار الأنبياء أو الصحابة.
ومع استمرار سياستها القمعية أصدرت حركة طالبان أمراً لوسائل الإعلام بالامتناع عن انتقاد أداء مسؤوليها، كما فرضت الحركة حظراً على التصوير الفوتوغرافي والمقابلات المصوّرة مع المسؤولين المحليين والسكان في ولاية قندهار ثم في ولاية هلمند.
وحظرت الحركة بث البرامج التلفزيونية الدولية داخل أفغانستان، وفرضت قيود تمنع نشر الإعلانات التجارية ذات الطابع السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، كما منعت أي تعاون بين وسائل الإعلام المحلية ووسائل الإعلام المنفية، وفرضت حظر على بث أصوات النساء، في وسائل الإعلام في ولايتي هلمند وقندهار.
ومن بين قراراتها أيضاً ألزمت الحركة وسائل الإعلام بالامتناع عن استخدام المصطلحات الأجنبية، وحظرت تصوير الاجتماعات الرسمية في قندهار، ومُنعت النساء في ولاية خوست من إجراء مكالمات هاتفية مع وسائل الإعلام، وفي الوقت نفسه أعلنت طالبان تطبيق قانون "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" الذي تضمّن تحريم نشر الصور الحية، إلى جانب قرارات أخرى شملت حظر بث البرامج السياسية والاقتصادية والحوارات المباشرة، منع الطعن في القوانين وسياسات الإدارة الحاكمة، حظر استضافة الخبراء الذين تعتبرهم السلطات "غير موثوقين".
وأصدرت الحركة لوائح جديدة موجّهة لوسائل الإعلام، نصّت على تسجيل المناقشات بدلاً من بثها مباشرة، دعوة الخبراء فقط من القائمة المعتمدة، الحصول على إذن رسمي لاستضافة أشخاص من خارج القائمة، الموافقة المسبقة على البرامج قبل تنفيذها، وحظر انتقاد النظام، وإزالة الأجزاء الحساسة بعد النشر، تحميل جميع المشاركين في البرنامج المسؤولية عند حدوث مخالفة، إضافة إلى إلزام المؤسسات بتصحيح الأخطاء الإعلامية.
كما فرضت طالبان شرطاً يقضي بتسمية المسؤولين القتلى بـ "الشهداء"، وألزمت وسائل الإعلام باستخدام الألقاب الرسمية لقادة الحركة، مع حظر نشر أي تقارير دون الحصول على إذن رسمي.
وعلى الرغم من أن مسؤولي طالبان صرحوا مراراً وتكراراً بأن وسائل الإعلام يمكنها العمل وفقاً لقانون الحكومة السابقة، إلا أن أي محاولة لتطبيق هذا القانون قوبلت عملياً بالقمع واعتقال الصحفيين، وفي اليوم الوطني للصحفيين تم إطلاق سراح أحد الصحفيين الذين سبق اعتقالهم وإجبارهم على الاعتراف، ومع ذلك تم اعتقال صحفي آخر في نفس الوقت ولا يزال مصيره مجهولاً.
وتشير الإحصاءات المنشورة إلى أن معظم الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام المحلية في أفغانستان يواجهون مشاكل نفسية حادة، والسبب الرئيسي وراء هذا الوضع هو الضغط المستمر والقمع والتهديدات من المؤسسات التابعة لحركة طالبان.
ونتيجة لذلك، تُظهر هذه الإحصاءات والقيود أن البيئة الإعلامية في أفغانستان أصبحت مقيدة ومُراقبة ومحفوفة بالمخاطر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولا يواجه الصحفيون تهديدات أمنية فحسب بل يواجهون أيضاً ضغوطاً اقتصادية ونفسية، وهو وضع قد يؤدي إذا استمر، إلى إسكات صوت الإعلام المستقل في البلاد تماماً.