القمع مستمر وعدد القتلى متضارب... الاحتجاجات في يومها الـ19

في اليوم التاسع عشر من الاحتجاجات على مستوى البلاد واليوم التاسع من انقطاع الإنترنت، بلغ عدد قتل المحتجين مستوى غير مسبوق، حيث قُتل أكثر من 3428 شخصاً.

مركز الأخبار ـ باتت مؤشرات دخول النظام الحاكم في إيران مرحلة جديدة من الأزمة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فعدد قتل المحتجين، والفيديوهات التي نُشرت، والاعتقالات، وتصاعد التهديدات الأمنية والقضائية، كلها تدل على أن السلطة قد تجاوزت فعلياً منطق الإدارة السياسية، وحوّلت القمع الصريح إلى استراتيجيتها الرئيسية للبقاء.

تشهد الأرقام المتعلقة بعدد القتلى في الاحتجاجات الإيرانية تضارباً كبيراً بين المصادر، ما يعكس صعوبة التحقق المستقل في ظل القمع وقطع الإنترنت.

حيث أعلنت منظمة "حقوق الإنسان الإيرانية " غير الحكومية، ومقرها النرويج، أن قوات الأمن الإيرانية قتلت ما لا يقل عن 3428 متظاهراً خلال قمع الاحتجاجات.

وبحسب المنظمة فأن الزيادة في العدد المؤكد للقتلى تعود إلى معلومات جديدة تلقتها من داخل وزارات الصحة الإيرانية، حيث وقعت 3379 حالة قتل على الأقل في ذروة حركة الاحتجاج بين 8 و12 كانون الثاني، وتم تأكيد مقتل 1200 محتج في مدينة أصفهان وحدها.

وتشير التقارير الصادرة عن منظمة حقوق الإنسان الإيرانية إلى أن معظم القتلى كانوا دون سن الثلاثين، وأن 15 منهم على الأقل كانوا دون سن الثامنة عشرة.

وتكشف تقارير أخرى عن أن عدد القتلى بلغ 5000، بينما ذكرت بعض المصادر ووسائل الإعلام الناطقة بالفارسية أن الرقم يزيد عن 12000، مشيرة إلى مقتل عدد كبير من المتظاهرين في 8 و9 كانون الثاني.

كما قدرت شبكة سي بي إس التلفزيونية الأمريكية في تقرير لها، نقلاً عن مصدرين داخل إيران، أن عدد القتلى جراء الاحتجاجات المستمرة قد وصل إلى أكثر من 20 ألف شخص. 

فعسكرة جميع المدن الإيرانية في وقت واحد، والانتشار الواسع للقوات المسلحة وقوات الأمن، والاشتباكات العنيفة في الشوارع، كلها علامات واضحة على تآكل الشرعية وعجز النظام عن احتواء الأزمة بوسائل غير عنيفة .

في الوقت نفسه، يُبرز قطع الإنترنت كوسيلة لإخفاء الجرائم ومنع تدفق المعلومات بحرية، حقيقة أن النظام يُشدد على الإجراءات الأمنية في المجتمع وإغلاق جميع قنوات الاتصال والسياسة. وقد أثار تراكم هذه السياسات ردود فعل قوية غير مسبوقة من مجلس الأمن الدولي، والرأي العام العالمي، ومؤسسات حقوق الإنسان، والحكومات، وكشف عن مزيد من العزلة الدولية للجمهورية الإسلامية.


القمع باسم الأمن... أدلة جديدة على وقوع مجازر

منذ الأيام الأولى للاحتجاجات، تحولت ولايتا كرماشان وإيلام إلى مراكز بارزة للمقاومة ضد الجمهورية الإسلامية. سكان هاتين المنطقتين، الذين عانوا لعقود من التهميش والقمع والفقر المدقع، واجهوا آلة القمع بشجاعة وتضامن لافت. غير أن ردّ السلطات جاء عنيفاً ووحشياً، إذ قُتل العشرات وأُصيب المئات، فيما اعتُقل عدد كبير من المشاركين. ومع ذلك، ما تزال الصورة الكاملة للانتهاكات والجرائم المرتكبة غير واضحة بسبب شدة القمع.

يُعدّ قطع الإنترنت على نطاق واسع، ولا سيما في شرق كردستان حيث تغيب خدمة الإنترنت الفضائي مثل "ستارلينك"، جزءاً من استراتيجية متعمدة للتعتيم الإعلامي ومنع كشف العنف الممنهج وعمليات القتل المخطط لها. وفي ظل هذا الحصار الرقمي، لم تصل إلى الخارج سوى مقاطع محدودة ووثائق قليلة، غالباً عبر مواطنين تمكنوا من استخدام الإنترنت الفضائي أو عبر أشخاص نقلوا المعلومات بعد عبور الحدود.

هذا الانقطاع الإعلامي خلق فجوة هائلة في نقل الحقائق، وحرم المؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام من القدرة على تقييم حجم العنف بشكل مستقل وموثوق. واليوم، بات واضحاً أن ما يجري يتجاوز إطار الاحتجاجات التقليدية، ليشكّل مقاومة دامية في مواجهة نظام لا يتردد في تجاوز كل الخطوط الحمراء حفاظاً على بقائه.

وبحسب صحيفة الغارديان، أكد أطباء يعملون في مستشفيات طهران أن قوات الأمن التابعة للجمهورية الإسلامية تستهدف المتظاهرين بشكل منهجي في الرأس، وخاصة العيون، في عمل يشير إلى استراتيجية قمعية موجهة تعتمد على تعطيلهم.


سلاح ذو حدين ضد المحتجين

من أكثر الأساليب التي يكررها النظام بوحشية محاولته عبر أجهزته الدبلوماسية والعسكرية ربط الانتفاضة الداخلية بدعم خارجي من ترامب ونتنياهو. إذ يستغل النظام تصريحات ترامب التهديدية ليصوّر المتظاهرين على أنهم "قوات معادية مدرّبة". وفي المقابل، يُعدّ الموقف الأمريكي القائم على خطاب التدخل دون أي خطوات عملية، كما أشارت صحيفة الغارديان، أكبر انتكاسة سياسية للمتظاهرين. هذا الخطاب يتيح للنظام إعادة تعريف المطالب الشعبية المشروعة بالحرية باعتبارها "عدواناً أجنبياً"، ليبرّر تحت شعار "حماية القيم الوطنية" وارتكاب مجازر بحق المواطنين.

ترامب، الذي ادّعى سابقاً دعمه للمتظاهرين بينما اتخذ مواقف متناقضة، منح النظام الإيراني بتصريحاته ذريعة لتصعيد القمع. واليوم يزعم أنه "أُبلغ بتوقف عمليات القتل والإعدام"، دون أي دليل أو مصدر، في تناقض صارخ مع الواقع الميداني. هذا التذبذب بين دعم لفظي في يوم وتبرير ضمني للقمع في اليوم التالي يقوّض مصداقية أي ادعاء بالدعم.

وفي السياق ذاته، فإن حضور رئيس السلطة القضائية شخصياً وإصداره أوامر بتسريع المحاكمات لا يحمل سوى رسالة "عدالة استعراضية وفورية". فالنظام، من خلال وصم المحتجين، يسعى إلى تهيئة الرأي العام لتقبّل أحكام قاسية وإعدامات تُنفّذ دون أي محاكمة عادلة. أما مصادرة ممتلكات المحتجين تحت ذريعة "التعويض"، فهي في حقيقتها شكل من أشكال الإرهاب الاقتصادي، يهدف إلى رفع تكلفة المعارضة عبر تدمير مصادر رزق الأسر.


تقديس القمع وتشويه صورة وسائل الإعلام

يحاول النظام الإيراني عبر خطاباته الرسمية ربط المتظاهرين بتنظيم داعش لتبرير العنف، مستغلاً المشاعر الدينية لتصوير جرائمه كـ"جهاد مقدس". وفي الوقت نفسه، يُجرّم التواصل مع الإعلام الأجنبي باعتباره "خيانة وطنية"، ما يكشف فشله في الإقناع ولجوءه إلى عزل المجتمع خلف جدران قطع الإنترنت.

التناقض في خطاب الإعلام الحكومي، بين الحديث عن "هشاشة النظام" و"دمار غير مسبوق"، يعكس أزمة داخلية عميقة؛ إذ يسعى النظام من جهة لطمأنة أنصاره، ومن جهة أخرى لتبرير قبضته الحديدية عبر تضخيم الخطر. الحقيقة أن خوفه الأكبر ليس من واشنطن أو تل أبيب، بل من وحدة الشعب في الشوارع، وهو ما يدفعه إلى اختراع "عدو خارجي" لتبرير سفك الدماء.

في اليوم التاسع عشر من الانتفاضة، تحوّل النظام إلى سياسة "إنكار المواطنة"، فوصم المتظاهرين بالإرهاب، والإنترنت بالتجسس، والشارع بساحة حرب عالمية، ليشرعن المذبحة كواجب وطني وديني. تصريحات رئيس السلطة القضائية حول "المحاكمات السريعة والإعدامات الرادعة" تكشف الجمود السياسي وتآكل الشرعية، فيما يخطط النظام للاستعانة بميليشيات عابرة للحدود كالحشد الشعبي والفاطميون والزينبيون لقمع الداخل.

هذه السياسات، التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها "انتهاك صارخ للحق في الحياة"، تغلق الباب أمام أي انتقال سلمي أو إصلاح سياسي، وتدفع البلاد نحو مزيد من العنف والفوضى.


اليأس في السيطرة على الفضاء الإلكتروني

تشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة الداخلية في إيران دخلت مرحلة جيوسياسية معقدة لا رجعة فيها. خطوة "ستارلينك" لتوفير الإنترنت المجاني اعتُبرت تحدياً مباشراً لاستراتيجية النظام القائمة على العزل المعلوماتي، ما كشف هشاشة أدوات القمع التقليدية أمام التكنولوجيا الحديثة.

النظام، الذي حاول فرض فراغ إعلامي عبر قطع الإنترنت وسط حصيلة قتلى تجاوزت الآلاف، يواجه الآن واقع "الحدود الرقمية النافذة". في المقابل، اتسمت إدارة ترامب بتناقضات؛ إذ أثارت تحذيراته من الإعدامات ترقباً دولياً، بينما قوبل خطابه العدائي بمعارضة من حلفائه الإقليميين. ويرى محللون أن أي تدخل عسكري مبكر قد يؤدي إلى تماسك قومي دفاعي بدلاً من انهيار النظام، فيما اقترحت إسرائيل التركيز على الهجمات الإلكترونية والعقوبات الذكية كجزء من "حرب هجينة".

على الصعيد الدولي، يعقد مجلس الأمن اجتماعاً خاصاً بطلب أمريكي لبحث القمع في إيران، في إشارة إلى تحوّل الأزمة إلى قضية عالمية. أوروبا بدورها وصفت الأحداث بأنها "أعنف قمع في التاريخ المعاصر"، رغم استمرار الشكوك حول قدرة المعارضة على إحداث انهيار فوري في البنية الأمنية.

رد طهران جاء بالعودة إلى عقيدة "الدفاع الهجومي"، مهددة القواعد الأمريكية والإقليمية، ومحذّرة السعودية والإمارات وتركيا من أن أراضيها قد تصبح أهدافاً مشروعة. كما أعلن الحرس الثوري عن تعزيز احتياطيات الصواريخ لتعويض خسائر الحرب، في محاولة لإظهار القوة أمام تهديدات الناتو والولايات المتحدة.