النساء في قلب الصراعات... معاناة مضاعفة ونضال مستمر
.
مقال بقلم عضوة جنولوجيا في لبنان محاسن عبد الرحمن مدالله
في ظل الصراعات المتفاقمة التي تشهدها المنطقة العربية والشرق الأوسط، تتجلى معاناة النساء بوصفها واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوةً وتعقيداً، إذ لم تعد الحروب والنزاعات المسلحة مجرد مواجهات عسكرية محدودة، بل تحولت إلى أزمات شاملة تضرب عمق المجتمعات، وتفكك بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وتعيد تشكيل أدوار الأفراد داخل الأسرة والمجتمع، وكانت النساء في مقدمة الفئات التي دفعت أثماناً مضاعفة لهذه التحولات العنيفة، فالمرأة في زمن النزاعات لا تواجه فقط خطر العنف المباشر، بل تتحمل تبعات انهيار الدولة، وغياب القانون، وتراجع الخدمات الأساسية، وتفكك منظومات الحماية الاجتماعية، وتتحول في كثير من الأحيان إلى المعيل الوحيد للأسرة، والمسؤولة عن البقاء في ظل ظروف قاسية يسودها الخوف وعدم الاستقرار وانعدام الأفق.
ولا يمكن فهم معاناة النساء في النزاعات بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تنتج فيه هذه الصراعات، حيث تتقاطع الحروب مع أنماط تاريخية من التمييز وعدم المساواة، ما يجعل النساء أكثر عرضة للانتهاك والتهميش، والاستغلال، خاصة في المجتمعات التي كانت تعاني أصلاً من ضعف حقوق المرأة قبل اندلاع النزاع.
أفرزت الحروب الحديثة أنماطاً جديدة من العنف لم تعد تميز بين المدنيين والمقاتلين، وأصبحت المجتمعات بأكملها ساحات مفتوحة للنزاع، وكانت النساء في قلب هذا الاستهداف المتعدد الأوجه، إذ يتعرضن لانتهاكات جسدية ونفسية واجتماعية تشمل العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاستغلال والإكراه والحرمان من الحرية والكرامة.
وفي كثير من الأحيان تستخدم أجساد النساء كساحة صراع، وأداة للضغط أو الانتقام أو الإذلال في انتهاك صارخ للقيم الإنسانية والقانون الدولي الإنساني، وتترك هذه الجرائم آثاراً عميقة لا تقتصر على الضحايا فقط، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، وتخلق دوائر من الصمت والخوف والوصم الاجتماعي، وتستمر آثاراها النفسية والاجتماعية لسنوات طويلة.
ويعد النزوح القسري أحد أبرز نتائج النزاعات المسلحة، حيث اضطرت ملايين النساء إلى مغادرة منازلهن قسراً بحثاً عن الأمان، وخلال رحلات النزوح الطويلة والمحفوفة بالمخاطر واجهت النساء تحديات جسيمة شملت فقدان المأوى، وانعدام الخصوصية، ونقص الغذاء والمياه النظيفة، وغياب الرعاية الصحية لاسيما المتعلقة بالصحة الإنجابية.
وفي مخيمات النزوح واللجوء تتفاقم الأوضاع الإنسانية، حيث تعيش النساء في بيئات مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، وتعاني من شح الموارد وضعف الخدمات، وغياب الحماية القانونية، وغالباً ما تتحمل المرأة مسؤولية إعالة الأسرة بعد فقدان الزوج أو المعيل في ظل فرص عمل محدودة، وقيود اجتماعية واقتصادية خانقة، وقد أدت النزاعات إلى تفشي ظاهرة تأنيث الفقر حيث أصبحت النساء الأكثر تضرراً من الانهيار الاقتصادي نتيجة فقدان مصادر الدخل وارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل اللائق، واضطرت كثيرات للعمل في القطاع غير الرسمي في ظروف غير آمنة ودون أي حماية قانونية أو اجتماعية.
ولا يقتصر الفقر في هذا السياق على البعد المادي، بل يمتد ليشمل الفقر في الفرص، والتعليم، والرعاية الصحية، والحماية القانونية، ما يعمق هشاشة النساء ويحد من قدرتهن على الصمود والتعافي وبناء مستقبل مستقر.
ويعد التعليم من أكثر القطاعات تضرراً في مناطق النزاع حيث أدى تدمير المدارس وانهيار البنية التعليمية إلى حرمان ملايين الفتيات من حقهن في التعليم، وارتفاع معدلات التسرب المدرسي، نتيجة الفقر والزواج المبكر، والأعباء الأسرية المتزايدة، ما ساهم في إعادة إنتاج التهميش، وعدم المساواة عبر الأجيال.
أما على الصعيد الصحي، فتواجه النساء تحديات خطيرة نتيجة انهيار النظم الصحية، ونقص الكوادر الطبية، وانعدام الأدوية والمستلزمات الأساسية، وتعد خدمات الصحة الإنجابية من أكثر القطاعات تضرراً، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين الأمهات، وتفاقم المشكلات الصحية طويلة الأمد.
ورغم حجم هذه المعاناة، لم تكن النساء مجرد ضحايا سلبيات، بل لعبن أدواراً محورية في العمل الإنساني والمجتمعي، حيث شاركن في تقديم الدعم للأسر المتضررة، وتنظيم المبادرات المحلية، وتعزيز التماسك الاجتماعي في ظل ضعف المؤسسات الرسمية.
غير أن هذا الدور غالباً ما يتم تهميشه، ولا ينعكس في مواقع صنع القرار، حيث تواجه النساء إقصاء سياسي وهيمنة للبنى الأبوية، وضعف التشريعات القانونية الداعمة للمساواة، خاصةً في سياقات النزاع وما بعده.
وفي كثير من عمليات السلام والمفاوضات السياسية يتم استبعاد النساء، أو إشراكهن بشكل شكلي، رغم أن التجارب الدولية أثبتت أن إشراك النساء بشكل حقيقي يسهم في بناء سلام أكثر شمولاً واستدامة، ويحد من عودة العنف.
وتشكل معاناة النساء السوريات نموذجاً مكثفاً لما تعيشه النساء في المنطقة العربية، حيث عانت السوريات من الحرب، واللجوء، والنزوح، وفقدان الأحبة، وتفكك الأسر، وتحملن أعباء الحياة في ظروف إنسانية بالغة القسوة.
ورغم اختلاف الانتماءات السياسية والدينية والإثنية اتحدت معاناتهن في مواجهة واقع قاسي فرضته سنوات الصراع الطويلة، وبرزن كقوة صامدة وفاعلة في حماية الأسرة، ودعم المجتمع، وبناء الأمل، من خلال العمل الإنساني، والمبادرات التعليمية والنشاط المدني.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل ما بعد النزاع دون التطرق إلى العدالة الانتقالية التي تشكل مدخلاً أساسياً لمعالجة الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم التكرار، ولا يمكن تحقيق عدالة حقيقية دون إدماج قضايا النساء في صلب هذه العمليات، كما أن إعادة الإعمار لا تقتصر على إعادة بناء الحجر بل تشمل إعادة بناء الإنسان والمجتمع، وتعد مشاركة النساء في هذه العمليات شرطاً أساسياً لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة وبناء مجتمعات أكثر عدلاً وتوازناً.
ويقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية، وإنسانية، تجاه النساء في مناطق النزاع تتجاوز تقديم المساعدات الإنسانية لتشمل حماية الحقوق، ودعم المشاركة السياسية وتعزيز المساءلة والعدالة.
إن معاناة النساء في قلب الصراعات ليست قضية هامشية، بل اختبار حقيقي لالتزام العالم بقيم حقوق الإنسان، فالسلام لا يتحقق دون نساء فعالات، يتمتعن بالكرامة والإنصاف، والقدرة على المشاركة في صنع القرار.
وفي عالم يزداد اضطراباً تبقى النساء رغم الألم والخسارة صانعات أمل، وقوة دافعة نحو بناء مجتمعات أكثر إنسانية وعدلاً، قادرة على تجاوز جراح الماضي، وصناعة مستقبل أكثر كرامة واستقراراً للأجيال القادمة.