الحقوق الاقتصادية للنساء في تونس... تهميش وتفقير وقوانين على الرف
خلصت دراسة حول الحقوق الاجتماعية والاقتصادية إلى أن وضع العاملات في تونس ما يزال هشاً، وأن القوانين لم تنجح في تحسين واقعهن أو الحد من الاستغلال والفقر، رغم نضال النساء وتضحياتهن المستمرة.
زهور المشرقي
تونس ـ قدّمت جمعية أصوات نساء بالشراكة مع حراك أصوات عاملات الفلاحة، دراسة جديدة حول "الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للنساء في تونس"، أعدت مخرجاتها بمشاركة عاملات فلاحيات من مختلف جهات البلاد.
خصصت الندوة التي عقدت أمس الجمعة 13 شباط/فبراير لمناقشة نتائج هذه الدراسة، حيث تناولت العاملات الفلاحيات واقع تطبيق المرسوم عدد 4 لسنة 2024 المتعلق بنظام الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات، مبرزات استمرار معاناتهن رغم صدور هذا المرسوم، إلى جانب القانون عدد 51 لسنة 2019 الذي جاء عقب حادث مأساوي لانقلاب شاحنة تقل عاملات، وأسفر عن وفاة عشرين منهن.
وأكدت النقاشات على أن الإجراءات القانونية، رغم أهميتها لم تترجم بعد إلى حماية فعلية وشاملة للعاملات الفلاحيات، اللواتي يواصلن مواجهة ظروف عمل صعبة وغياب ضمانات اجتماعية أساسية.
واعتمدت الدراسة على مقاربة نسوية حقوقية، حللت من خلالها السياسات المالية والاقتصادية النيوليبرالية الدولية، ولا سيما تلك المرتبطة ببرامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكشفت عن آثارها المباشرة وغير المباشرة على أوضاع النساء في تونس، من حيث النفاذ إلى الخدمات الاجتماعية، الرعاية الصحية، النقل، التغطية الاجتماعية، وشروط العيش الكريم.
ولفتت الدراسة إلى ارتفاع نسب البطالة في صفوف النساء والتي بلغت 22% مقابل 13.6% لدى الرجال، و31% في صفوف خريجات التعليم العالي مقابل 13.8% للرجال، علاوة على أن 25.3% فقط من النساء ينتفعن من خدمات الرعاية الاجتماعية مقابل 44.9% كمعدل عالمي، مشيرةً إلى أن النساء يقضين 12 ساعة عمل يومياً داخل وخارج المنزل.
وأوضحت الدراسة أنه رغم صدور القانون عدد 51 لسنة 2019، الذي ينص على توفير وسائل نقل آمنة للعاملات في القطاع الفلاحي بعيداً عما يُعرف بـ "شاحنات الموت"، ما تزال الحوادث متواصلة، حيث سجلت 33 حادثة أودت بحياة 11 عاملة وأصابت 322 أخريات بجروح، نتيجة نقل أعداد كبيرة من العاملات في شاحنات غير مخصصة للنقل، إضافة إلى ضعف البنية التحتية للطرق وظروف العمل الفلاحي.
وفيما يتعلق بتنقل النساء العاملات بشكل عام، كشفت الدراسة أن 36.15 منهن يعتمدن على النقل العمومي، بينما 4.5% يستعملن سيارات خاصة. كما بينت أن 22.4% من النساء تعرضن للعنف في وسائل النقل العمومي، و15.3% لعنف جنسي، فيما تجاوزت نسبة التعرض للتحرش 90%.
أما العاملات في الفلاحة، فأشارت النتائج إلى أن 12% فقط يتمتعن بالضمان الاجتماعي، في حين تكافح نحو 301 ألف امرأة في إطار العمل غير المنظم، ويواجهن فجوة في الأجور بين الجنسين تصل إلى 30%.
سياسات التقشف وتأثيرها على العاملات
وقالت المديرة التنفيذية لجمعية أصوات نساء سارة بن سعيد إن الجمعية قدمت دراسة نقدية حول الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للنساء في تونس، ركزت على تأثير سياسات التقشف على أوضاع النساء، وخاصة العاملات في القطاع الفلاحي، فيما يتعلق بالتغطية الصحية، النقل الآمن، والتعليم.
وأوضحت أن العاملات في الفلاحة تضررن بشكل مباشر من سياسات التقشف التي اعتمدتها السلطات التونسية منذ عام 2011، وهي السياسات التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتنفذها تونس دون مراعاة الفئات الهشة أو الوضع الاجتماعي المتأزم، مشيرةً إلى أن القوانين التي صدرت لحماية العاملات، رغم أهميتها، بقيت حبراً على ورق ولم تطبق فعلياً على أرض الواقع.
ولفتت إلى أن العاملات في الفلاحة يواصلن نضالهن من أجل حقوقهن، وشاركن في إعداد الدراسة باعتبارهن الأكثر اطلاعاً وفهماً للميدان، من خلال "حراك الفلاحات" الذي تأسس عام 2019 عقب حادثة مأساوية لانقلاب شاحنة تقل عاملات، وأدى إلى وفاة أكثر من عشرين امرأة.
جهد غير مرئي وتهميش مستمر
من جانبها أوضحت الباحثة في قضايا الجندر سيرين السلطاني أن العاملات في القطاع الفلاحي يمثلن ضحية "جهد غير مرئي" لا يعترف به المجتمع رغم مساهمتهن المباشرة في ضمان الأمن الغذائي، مشيرةً إلى أن هذه الفئة لا تزال مهمشة، وأن السياسات العامة القائمة على التسويف والمماطلة لم تفعل القوانين الموضوعة بجدية، ما جعلها غير قادرة على تحسين أوضاع العاملات.
ولفتت إلى أن العاملات في الفلاحة يصنفن على الهامش، وينظر إليهن حتى في الهوية الوطنية بصفة "لا شيء ولا تعمل"، رغم أنهن يكدحن بلا تغطية اجتماعية أو صحية، ودون عدالة في الأجور أو تحديد ساعات عمل، فضلاً عن تعرضهن لأشكال مختلفة من العنف المرتبط بظروف العمل القاسية.
وأكدت أن أغلبهن ينتمين إلى فئات مهمشة تعيل أسرهن، ومجبرات على الاستمرار في هذا الوضع الهش، مشيرة إلى أنهن "يحلمن بمواطنة عادلة ومساواة فعلية مع الرجل وتطبيق فعلي للقوانين"، منتقدة استمرار النقل غير الآمن للعاملات في شاحنات مكتظة، حيث تسكب المياه على أرضيتها ليقفن دون جلوس، بهدف تحميل أكبر عدد ممكن منهن.
واختتمت سيرين السلطاني حديثها بالتأكيد على أن استمرار التعامل مع العاملات الفلاحيات كمواطنات من درجة ثانية يمثل ظلماً كبيراً لسواعد تشقى يومياً من أجل تأمين الغذاء للمجتمع.
استمرار التهميش وغياب الحقوق
وأشارت أميرة بن عمر وهي عضو في النقابة الأساسية لحراك الفلاحات، إلى أن أوضاع العاملات الفلاحيات ما تزال على حالها ولم تشهد أي تغيير ملموس، مؤكدة أن غياب الإرادة السياسية للإصلاح يعرقل تطبيق القوانين والمرسوم عدد 4 لسنة 2024 والقانون عدد 51 لسنة 2019.
وأوضحت أن المأساة مستمرة بل ازدادت حدة، حيث تختلط معاناة العاملات بتراب الأرض ودمائهن، وهن ما زلن ينقلن في "شاحنات الموت"، وحتى في حال توفير الحافلات، فإنها تضعهن على مسافة بعيدة، ليضطررن إلى قطع طرق وعرة محفوفة بالخوف للوصول إلى الحقول، حيث يواصلن العمل الشاق الذي يدفن بين ثناياه قصصاً وآلاماً وأمراضاً لا يعرفها أحد.
ولفتت إلى أن المرسوم عدد 4 صدر بشكل فردي دون استشارة العاملات الفلاحيات اللواتي يعشن الواقع اليومي ويملكن القدرة على تقديم مقاربة إصلاحية حقيقية تعود بالنفع على مختلف الفئات العمرية من النساء العاملات في الأرض، اللواتي يكدحن فيها دون أن يستطعن تملكها.
وأكدت أن العاملات يواجهن التهميش والعنف وغياب الاعتراف، مشيرة إلى معاناتهن مع وجبات الطعام التي يعدنها في بيوتهن وتوضع على حافة الشاحنة لتتعرض للشمس أو تُكب أحياناً، ما يجعلها غير صالحة للاستعمال.
ونوهت إلى أن العاملات يتقاضين أجوراً زهيدة ويواجهن استغلالاً إضافياً خلال موسم جني الزيتون عبر المساومة على الأجر مقابل ساعات عمل منهكة، في ظل غياب التغطية الاجتماعية والصحية، حيث يتخلى الفلاح عن مسؤوليته إذا تعرضت إحداهن لحادث أو إصابة.
وأضافت أن المرسوم عدد 4 لم يراعِ أوضاع العاملات اللواتي تجاوزن الخمسين عاماً، واللواتي أفنين أعمارهن في العمل الفلاحي دون اعتراف، ليجدن أنفسهن اليوم أمام خيار الاستمرار في العمل دون جراية مستقبلية أو مواصلة النضال لإجبار السلطات على مراجعة المرسوم وتمكينهن من حقوق طالما ناضلن من أجلها.